رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

الصمت الاستراتيجي.. كيف تفشِل مصر مخططات الاستدراج الإقليمي؟

بوابة الجمهورية


 

تتكرر في الآونة الأخيرة التصريحات الاستفزازية الموجهة بشكل مباشر وصريح إلى الدولة المصرية من قبل مسؤولين في بعض حكومات المنطقة، سواء ما يتعلق بالتلميحات غير المقبولة التي تستهدف سيناء والسيادة الوطنية من قبل وزراء في الحكومة الإسرائيلية، أو التصريحات المتعاقبة والضغوط التي يمارسها مسؤولون إثيوبيون تجاه مصر بشأن ملف مياه النيل والترتيبات الإقليمية في القرن الأفريقي؛ ورغم هذه التصريحات الاستفزازية وما تحمله من تصعيد، تلتزم القاهرة بنهج هادئ وحاسم يربك حسابات المتربصين، حيث تستند مصر في موقفها هذا إلى دراسة عميقة لأبعاد هذه الخطابات واستيعاب كامل للمقاصد الخفية التي تتجاوز مجرد الاستهلاك الإعلامي المحلي.


إن الفحص التحليلي لهذه التصريحات يكشف عن استراتيجية متعددة الأبعاد تسعى في المقام الأول إلى جر مصر إلى مستنقع الاستدراج والمواجهة، من خلال إشغال الدولة المصرية في أزمات جانبية ومحاولة الدفع بها نحو ردود أفعال عاطفية وسريعة يمكن استغلالها سياسياً وإعلامياً لتشويه موقفها المتزن والمحوري أمام المجتمع الدولي، كما تسعى هذه الأطراف إلى تصدير أزمتها الداخلية إلى الخارج والتغطية على الاضطرابات السياسية والضغوط الاقتصادية والانقسامات الحادة التي تمر بها مجتمعاتها، عبر خلق عدو خارجي وهمي لتجميع الجبهة الداخلية المفككة خلف القيادة السياسية، وتوظيف تلك الخطابات لأغراض انتخابية ومخاطبة الداخل كأداة لكسب الأصوات وحشد المؤيدين، يضاف إلى ذلك محاولة صناعة رأي عام متطرف واختبار مدى صلابة الخطوط الحمراء المصرية لتحديد حجم الضغوط أو التنازلات التي يمكن فرضها مستقبلاً، فضلاً عن السعي الحثيث لتغيير قواعد اللعبة الإقليمية وفرض واقع جيو-استراتيجي جديد سواء في الملف المائي جنوباً أو ملف الحدود ومنع التهجير شرقاً، وكل ذلك بهدف الضغط على صانع القرار المصري وإرباك الأولويات الوطنية والتنموية.


أمام هذه المخططات الشاملة، تدرك مصر بوعي نافذ أن قوة الدول الحقيقية لا تُقاس بعلو الصوت أو الخوض في السجالات الإعلامية المندفعة، بل بالقدرة على شل أهداف الخصوم سياسياً، وتجريد خطاباتهم من محتواها التأثيري عبر نهج الصمت الاستراتيجي والحسم الفعلي، ومن هذا المنطلق ركزت الدولة المصرية جهودها الاستراتيجية على محورين رئيسيين يمثلان الركيزة الأساسية لأي قوة إقليمية ضاربة، وهما بناء وتمكين الجبهة الداخلية، والتحديث الشامل والمتواصل للقدرات العسكرية.


يتجلى المحور الأول في ترسيخ تماسك الجبهة الداخلية باعتبارها الحصن الأول والأهم ضد أي تهديد خارجي، حيث تنصب الجهود الوطنية على دفع عجلة التنمية المستدامة، وبناء الاقتصاد الوطني، وتنفيذ المشروعات القومية العملاقة، وتحسين جودة حياة المواطن المصري، لأن القيادة المصرية تدرك أن استقرار الداخل وشعور المواطن بالانتماء والأمن هو الصخرة التي تتحطم عليها كافة محاولات الاختراق والتأثير النسيجي، وإن تفويت الفرصة على المخططات الخارجية يبدأ دائماً من جبهة داخلية موحدة ومتماسكة تعي حجم التحديات وتلتف حول مؤسساتها الوطنية.


أما المحور الثاني والموازي، فيتمثل في استراتيجية بناء وتحديث القوات المسلحة المصرية، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً غير مسبوق اعتمد بشكل أساسي على تنويع مصادر التسليح، فلم تعد مصر ترهن قرارها العسكري أو تسليحها بطرف دولي واحد أو مصنع محدد، بل اتجهت بشجاعة ورؤية نافذة إلى بناء شراكات استراتيجية متوازنة مع قوى دولية متعددة، ليشمل تسليح الجيش المصري أحدث التقنيات العسكرية من الشرق والغرب والشرق الأقصى، بين طائرات مقاتلة متطورة، وقطع بحرية حديثة، وحاملات مروحيات، وأنظمة دفاع جوي وبري عالية الدقة، بالإضافة إلى توطين التصنيع العسكري المحلي.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه بقادة القوات المسلحة بمناسبة الاحتفالات بالذكرى الـ 53 لانتصارات أكتوبر لتؤكد مجدداً أن القوات المسلحة المصرية على أهبة الاستعداد والجاهزية القتالية التامة لحماية أمن مصر القومي وصيانة حدودها الاستراتيجية على كافة الاتجاهات، حيث شدد الرئيس على أن عقيدة الجيش المصري قائمة على جعل هذه القوة الضاربة أداة للردع وحماية السلام وليس للعدوان أو المغامرة، مشيراً إلى أن ما تشهده المنطقة من تحديات واضطرابات يتطلب أعلى درجات اليقظة والتمسك بالحكمة المدعومة بقوة ميدانية قادرة على حماية مقدرات الشعب المصري والذود عن سيادته الوطنية.


إن الهدف من هذا التحديث الشامل والتنوع الفريد في التسليح لم يكن يوماً دعوة للعدوان أو ممارسة الاستعراض العسكري، بل إن الغرض الأساسي منه هو امتلاك قدرة ردع استراتيجية حاسمة تضمن حماية الحدود القومية الشاسعة والممتدة في جهات استراتيجية معقدة، وصيانة الأمن القومي المصري في بره وبحره وجوه، وتأمين المقدرات الاقتصادية الحيوية مثل حقول الغاز في البحر المتوسط ومسارات الملاحة في قناة السويس والبحر الأحمر، إن فلسفة العقيدة العسكرية المصرية قامت ولا تزال تقوم على أن القوة الحقيقية هي التي تحمي السلام، وأن امتلاك السلاح المتطور والتنوع الاستراتيجي يجعل أي طرف يفكر ملياً قبل الإقدام على أي خطوة تمس الأمن القومي المصري.


في ختام المطاف، تشكل الحكمة المصرية وحالة الضبط الاستراتيجي المتزامنة مع الإعداد العسكري والتماسك الداخلي المزيج الأقوى في مواجهة التصريحات الاستفزازية والمغامرات الإقليمية، فبينما يستهلك الآخرون طاقاتهم في خطابات إعلامية لا تجاوز أثرها منصات التحدث، تواصل مصر العمل الصامت والجاد لبناء قوتها الذاتية الشاملة، مؤكدة للعالم أجمع أن حماية الأوطان والحفاظ على مقدرات الشعوب لا يتم عبر الانجرار للمناوشات الكلامية، بل عبر الامتلاك الفعلي لجميع مقومات القوة والردع والاستقرار.
مصطفى البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة