رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من عبقرية العبور إلى شرف التضحية... تحية إلى السادات ومبارك وأبطال القوات المسلحة المصرية

أكتوبر.. ملحمة العزة والكرامة واسترداد الأرض

المستشار الدكتور/
المستشار الدكتور/ عادل عبداللطيف- أستاذ القانون الجنائ

هناك أيام لا تُقاس في ذاكرة الشعوب بالساعات والأيام، وإنما بما تحمله من معانٍ، وما تصنعه من تحولات، وما تتركه في وجدان الأمة من عزة وفخر وكرامة. وهناك معارك لا تنتهي بانتهاء أصوات المدافع، لأنها تتحول إلى صفحات خالدة في التاريخ، ودروس تتوارثها الأجيال، ورموز تختصر حكاية وطن بأكمله.

ومن بين تلك الأيام الخالدة، يقف السادس من أكتوبر عام 1973 شامخًا في ذاكرة مصر، بوصفه يوم العبور العظيم، ويوم استعادة الثقة، ويوم أثبت فيه المصريون أن الإرادة الوطنية قادرة على تجاوز المحن، وأن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن الأرض التي يحتلها المعتدي لا تتحول إلى حق له مهما طال الزمن.

إن حرب أكتوبر المجيدة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين، وإنما كانت ملحمة وطنية وإنسانية متكاملة، اجتمع فيها القرار السياسي الشجاع، والتخطيط العسكري الدقيق، وعبقرية القيادة، وبسالة المقاتل المصري، وصمود الشعب، وإيمان الأمة بحقها في استرداد أرضها وكرامتها.

وفي ذكرى أكتوبر، لا نستعيد الماضي من أجل الاحتفال به وحده، وإنما نستحضره لنفهم كيف تصنع الشعوب انتصاراتها، وكيف تتحول المحن إلى فرص للنهوض، وكيف يصبح الإيمان بالوطن قوة تتجاوز حدود الإمكانات المادية.

السادس من أكتوبر... يوم تغيرت فيه معادلات التاريخ

عندما انطلقت القوات المسلحة المصرية في السادس من أكتوبر، الموافق العاشر من رمضان عام 1393 هجرية، لم يكن أمامها طريق سهل، بل كانت تواجه تحديات عسكرية بالغة الصعوبة، وحاجزًا مائيًا، وتحصينات دفاعية قوية، وواقعًا إقليميًا ودوليًا معقدًا.

لكن القيادة المصرية كانت قد أدركت أن استعادة الأرض لا تتحقق بالتمني، وأن تجاوز آثار حرب يونيو 1967 يتطلب إعادة بناء القوات المسلحة، ورفع كفاءتها، وإعداد خطة واقعية تستثمر قدراتها وتتعامل مع نقاط القوة والضعف لدى العدو.

وبدأت رحلة طويلة من إعادة التنظيم والتدريب والاستعداد، شاركت فيها أجيال من الضباط والجنود والخبراء، حتى جاءت لحظة العبور.

عبرت القوات المصرية قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، وأقامت رؤوس كباري على الضفة الشرقية، ورفعت العلم المصري على أرض سيناء، لتبدأ صفحة جديدة في تاريخ الصراع.

لقد كان العبور أكثر من إنجاز عسكري؛ كان إعلانًا بأن مصر استعادت قدرتها على المبادرة، وأن جيشها قادر على التخطيط والتنفيذ، وأن الإنسان المصري يستطيع أن يواجه أصعب التحديات متى امتلك المعرفة والإرادة والإيمان بقضيته.

وهكذا لم يعبر الجنود قناة السويس وحدها، وإنما عبروا معها من مرارة الانكسار إلى رحاب الثقة، ومن أسر الصورة التي فرضتها هزيمة 1967 إلى واقع جديد صنعته التضحية والعمل.

السادات... بطل الحرب والسلام

وفي هذه الذكرى المجيدة، لا يمكن الحديث عن أكتوبر دون الوقوف بإجلال أمام الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي ارتبط اسمه بقرار الحرب وبالمسار السياسي الذي أعقبها.

لقد تحمل السادات مسؤولية قرار بالغ الخطورة في مرحلة كانت مصر فيها أمام تحديات سياسية وعسكرية واقتصادية جسيمة. وكان استرداد الأرض يتطلب رؤية تتجاوز رد الفعل إلى إعداد القوة، واختيار التوقيت، وتحديد الأهداف، وتوظيف نتائج المعركة في خدمة المصلحة الوطنية.

وجاء السادس من أكتوبر ليشهد انطلاق العملية العسكرية التي أعادت لمصر زمام المبادرة، وفتحت الطريق أمام مرحلة جديدة من الصراع والتفاوض.

ولم يكن السلام الذي سعى إليه السادات منفصلًا عن نتائج الحرب؛ فقد مهدت حرب أكتوبر الطريق أمام مفاوضات انتهت بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، ثم استكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء في 25 أبريل 1982، قبل استعادة طابا عام 1989 عقب اللجوء إلى التحكيم الدولي.

ومن هنا ارتبط اسم السادات بلقب «بطل الحرب والسلام»؛ لأنه قاد مصر في قرار الحرب، ثم اختار الانتقال إلى المسار السياسي لاستكمال استعادة الأرض.

وقد اختلفت التقييمات السياسية لبعض تفاصيل تجربته وقراراته، لكن مكانة أكتوبر في التاريخ المصري تظل مرتبطة بقرار المواجهة الذي اتخذته الدولة المصرية، وبالتضحيات التي قدمها جيشها، وبالمسار الذي انتهى باستعادة سيناء.

إن الدرس الأهم هنا أن الحرب ليست غاية في ذاتها، وأن القائد المسؤول لا يقيس النجاح بعدد المعارك التي يخوضها، وإنما بقدرته على حماية وطنه واستعادة حقوقه وفتح الطريق أمام مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

مبارك والقوات الجوية... تحية إلى أبطال الضربة الجوية

وتستحق القوات الجوية المصرية تحية خاصة في ذكرى أكتوبر، تقديرًا لما قدمه رجالها في الساعات الأولى للمعركة، حين نفذوا الضربة الجوية الافتتاحية ضمن خطة العبور، مستهدفين مواقع عسكرية للعدو، ومساهمين في تهيئة الظروف أمام تقدم القوات المصرية.

وفي هذا السياق، نستذكر الفريق أول محمد حسني مبارك، الذي تولى قيادة القوات الجوية المصرية خلال حرب أكتوبر، ونحيي جميع الطيارين وأطقم الطائرات والقادة والضباط والجنود الذين شاركوا في تنفيذ المهام الجوية في ظروف بالغة الخطورة.

لقد كانت الضربة الجوية جزءًا من عملية عسكرية متكاملة، لم يكن نجاحها ليتحقق بجهد فرد أو مؤسسة منفردة، وإنما من خلال التنسيق بين القوات الجوية والمدفعية والقوات البرية والدفاع الجوي وسائر أفرع القوات المسلحة.

ومن الإنصاف التاريخي أن نؤكد أن ملحمة أكتوبر لم يصنعها شخص واحد، مهما كان موقعه، بل صنعتها مؤسسة عسكرية وطنية، عملت وفق خطة مشتركة، وشارك فيها آلاف الرجال الذين نفذوا المهام الموكلة إليهم بشجاعة وانضباط.

وإذا كانت أسماء القادة تستحق التقدير لما تحملته من مسؤولية، فإن أسماء الطيارين والجنود الذين نفذوا الأوامر تحت النيران تستحق أن تبقى حاضرة في وجدان الأمة؛ فهم الذين حولوا الخطط إلى واقع، والتدريب إلى أداء، والاستعداد إلى فعل على أرض المعركة.

تحية تقدير إلى مبارك قائد القوات الجوية آنذاك، وتحية إجلال إلى أبطال الضربة الجوية، وإلى كل من أسهم في حماية سماء مصر والدفاع عن أرضها.

الجندي المصري... البطل الحقيقي في قلب الملحمة

ومهما تحدثنا عن القيادة والخطط والاستراتيجيات، يبقى الجندي المصري في قلب حكاية أكتوبر.

ذلك الجندي الذي خرج من بيته تاركًا خلفه أسرة تنتظر عودته، وأمًا تدعو له، وأبًا يرفع رأسه فخرًا به، وزوجة وأطفالًا لا يعرفون إن كان سيعود إليهم أم سيصبح اسمه ذكرى خالدة.

حمل سلاحه، وتقدم نحو الخطر، وعبر القناة، وواجه النيران، وتمسك بموقعه، ونفذ مهمته في ظروف لا يعرف قسوتها إلا من عاشها.

لم يكن كل جندي يعرف ما ستؤول إليه المعركة، لكنه كان يعرف ما الذي يدافع عنه: أرض مصر، وكرامة شعبها، وحق وطنه في استعادة ما فقده.

وهنا تكمن عظمة المقاتل المصري؛ فقد أثبت أن الإنسان الذي يؤمن بعدالة قضيته يستطيع أن يقدم أداءً يفوق ما قد يتوقعه الآخرون من الإمكانات المتاحة.

إن البطولة لا تختصر في صورة قائد، ولا في بيان عسكري، ولا في مشهد رفع العلم؛ إنها تبدأ بجندي ينفذ واجبه، وبضابط يتحمل مسؤوليته، وبطبيب ينقذ جريحًا، وبمهندس يمهد الطريق، وبعامل يساند المجهود الحربي، وبأسرة تصبر على غياب أبنائها.

ولهذا فإن أسمى تحية في أكتوبر هي تحية إلى كل ضابط وصف وجندي شارك في المعركة، وإلى كل شهيد قدم حياته، وإلى كل مصاب حمل في جسده أثر الحرب، وإلى أسر الشهداء الذين دفعوا ثمنًا لا تستطيع الكلمات أن توفيه حقه.

رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ من بقي من أبطالها، وجعل تضحياتهم مصدر إلهام لكل جيل يأتي بعدهم.

عبقرية التخطيط... حين ينتصر العقل مع الشجاعة

من أبرز دروس أكتوبر أن النصر لا تصنعه الشجاعة وحدها، وإنما تصنعه الشجاعة حين تستند إلى العلم والتخطيط والانضباط وحسن إدارة الموارد.

لقد أثبتت الحرب أن التفوق العسكري لا يعتمد على امتلاك أحدث المعدات فحسب، بل يتطلب أيضًا معرفة كيفية استخدامها، وتحديد الأهداف الواقعية، وتنسيق الجهود، والاستفادة من عنصر المفاجأة، وإعداد الأفراد نفسيًا وبدنيًا وفنيًا.

وكان من الدروس المهمة كذلك أن معرفة العدو ودراسة قدراته ونقاط ضعفه ضرورة لأي تخطيط ناجح، وأن الإعداد الطويل قد يكون أهم من الاندفاع غير المحسوب، وأن وضوح الهدف يوجه الجهد ويوحد الصفوف.

ولهذا أصبحت حرب أكتوبر موضوعًا للدراسة في مجالات التاريخ العسكري والاستراتيجية وإدارة العمليات؛ لما قدمته من دروس في التخطيط المشترك، وعبور الموانع، والتنسيق بين الأسلحة، والتعامل مع التحديات الميدانية.

وإذا أردنا أن نستفيد من هذه الدروس اليوم، فعلينا أن ندرك أن العقل الذي يخطط للمعركة هو ذاته الذي يجب أن يخطط للتنمية، وأن الانضباط الذي يحكم أداء الجندي يجب أن يكون قيمة في العمل والإنتاج، وأن روح المسؤولية التي تحملها القادة والجنود يجب أن تمتد إلى جميع مؤسسات الدولة.

فالأمم لا تتقدم بالشعارات وحدها، وإنما بالعلم، والإتقان، والتخطيط، والمحاسبة، والقدرة على التعلم من التجارب.

الأرض ليست مجرد تراب... إنها السيادة والهوية والكرامة

لعل أهم ما تعلمناه من أكتوبر أن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية تحددها الخرائط، وإنما هي وطن وذاكرة وهوية وسيادة ومستقبل.

وسيناء ليست مجرد صحراء واسعة أو موقع استراتيجي؛ إنها جزء أصيل من التراب المصري، تحمل آثار التاريخ، وشواهد التضحية، وذكريات أجيال قدمت من دمائها كي تبقى تحت السيادة الوطنية.

ومن هنا نفهم المعنى العميق لاسترداد الأرض: إنه استعادة لحق وطني، وتأكيد لسيادة الدولة، وتجديد للعهد بين الأجيال بأن الوطن ليس شيئًا عابرًا يمكن نسيانه أو التعامل معه باستخفاف.

إن التمسك بالأرض لا يعني رفض كل تسوية سياسية، ولا يعني أن الحرب هي الخيار الوحيد لحماية الحقوق؛ بل يعني أن أي قرار وطني يجب أن ينطلق من احترام السيادة وصيانة المصالح الوطنية وعدم التفريط في الحقوق المشروعة.

وقد أثبتت التجربة المصرية أن استرداد الأرض يمكن أن يتحقق عبر مسارات متكاملة، تبدأ بإعداد القوة والدفاع عن الحق، وتستمر بالعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، وتنتهي بتثبيت السيادة على أرض الواقع.

فالقوة تحمي الحق، والدبلوماسية توظف النتائج، والقانون يوفر أدوات مشروعة لحسم النزاعات، والإرادة الوطنية تمنع تحول الصعوبات إلى استسلام.

الأرض لا تُفرط فيها، والحقوق لا تُنسى، والسيادة لا تصان إلا بالوعي والقوة والعمل المسؤول.

من أكتوبر إلى تحرير سيناء... انتصار متكامل

ومن المهم أن ننظر إلى أكتوبر باعتبارها محطة حاسمة في مسار طويل لاستعادة سيناء، لا باعتبارها حدثًا منفصلًا عن المراحل التي سبقتها أو تلتها.

فبعد حرب يونيو 1967، خاضت مصر حرب الاستنزاف، وأعادت بناء قواتها المسلحة، واستعدت للمعركة، ثم جاءت حرب أكتوبر لتغير معادلات الصراع وتفتح الطريق أمام المفاوضات.

وبعد وقف القتال، استمرت الجهود السياسية والدبلوماسية، وصولًا إلى اتفاقات الفصل بين القوات، ثم معاهدة السلام، فالانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982، ثم استعادة طابا عام 1989 بعد معركة قانونية وتحكيمية طويلة.

وهنا تتجلى قيمة التجربة المصرية؛ فقد اجتمعت فيها أدوات متعددة لاسترداد الحق، ولم تتوقف الإرادة الوطنية عند نهاية العمليات العسكرية.

لقد كانت المعركة العسكرية ضرورية لتغيير الواقع، وكانت المفاوضات ضرورية لتحويل نتائجها إلى التزامات سياسية، وكان اللجوء إلى التحكيم في قضية طابا مثالًا على أهمية التمسك بالحق والاستناد إلى الوثائق والقواعد القانونية.

وهذا درس بالغ الأهمية لكل دولة وشعب: أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالسلاح وحده، وإنما كذلك بالعقل والدبلوماسية والقانون والصبر الاستراتيجي.

أكتوبر والسلام... القوة التي تحمي الاستقرار

إن الاحتفاء بأكتوبر لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للحرب لذاتها، بل إلى فهم عميق للثمن الذي تدفعه الشعوب عندما تضطر إلى القتال دفاعًا عن أرضها.

فالحرب تحمل معها خسائر بشرية ومادية هائلة، وتترك جراحًا في حياة الأسر والأوطان. ولهذا فإن السلام العادل والمستقر يظل هدفًا يستحق العمل من أجله، شريطة أن يقوم على احترام الحقوق والسيادة والالتزامات.

لقد أظهرت التجربة المصرية أن استعادة الأرض قد تمر بمراحل متتابعة؛ فالمعركة تغير موازين القوة، والتفاوض يفتح أبواب التسوية، والالتزام بالاتفاقات يحول التسوية إلى واقع مستقر.

ومن هنا، فإن القوة الوطنية الحقيقية لا تتمثل في القدرة على خوض الحرب فحسب، بل في القدرة على منع العدوان، وحماية الحدود، وصون الأمن، وإدارة الأزمات بحكمة، واختيار الوسيلة المناسبة لكل تحدٍ.

إن السلام ليس ضعفًا، كما أن القوة ليست دعوة إلى الحرب. القوة المسؤولة هي التي تحمي الوطن وتمنع الاعتداء، والسلام المسؤول هو الذي يصون الحقوق ولا يفرط فيها.

وكان الشعب المصري مكونا لجبهة لم تكن بعيدة عن المعركة

لم تكن حرب أكتوبر مسؤولية الجنود وحدهم؛ فقد وقف الشعب المصري خلف قواته المسلحة، وتحمل تبعات مرحلة صعبة من تاريخ البلاد.

وكانت الأسر المصرية جزءًا من الحكاية، بصبرها وانتظارها ودعمها لأبنائها، كما أسهم العاملون في المصانع والمؤسسات وقطاعات النقل والخدمات في دعم قدرة الدولة على مواصلة المواجهة.

وهذا يذكرنا بأن الجبهة الداخلية عنصر أساسي في قوة أي دولة؛ فحين يشعر المواطن بالمسؤولية تجاه وطنه، ويؤدي كل إنسان واجبه في موقعه، تصبح الدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات.

وليس معنى ذلك أن نتجاهل اختلاف الأدوار أو نحمل الجميع مسؤولية واحدة، وإنما أن نفهم أن قوة الجيش ترتبط أيضًا بقدرة الدولة على توفير الموارد، وبكفاءة مؤسساتها، وبثقة المواطنين، وبوجود هدف وطني واضح يجمع الجهود.

لقد كشفت أكتوبر عن أهمية التضامن الوطني، وعن قيمة العمل المشترك حين تكون القضية متصلة بوجود الوطن وكرامته.

ماذا تقول أكتوبر لأجيال اليوم؟

إن الاحتفال الحقيقي بأكتوبر لا يكتمل بمجرد رفع الأعلام أو ترديد الشعارات أو استعادة الصور التاريخية، على أهمية كل ذلك في حفظ الذاكرة الوطنية.

إنما يكتمل حين تتحول الذكرى إلى مسؤولية عملية.

فإذا كان جيل أكتوبر قد عبر القناة لاستعادة الأرض، فإن أجيال اليوم مطالبة بأن تعبر بمصر إلى مستقبل أكثر تقدمًا من خلال العلم والإنتاج والابتكار.

وإذا كان المقاتل قد واجه الصعاب دفاعًا عن الوطن، فإن المواطن اليوم يستطيع أن يؤدي دوره من خلال إتقان عمله، واحترام القانون، والحفاظ على المال العام، ومواجهة الفساد، وتطوير مهاراته، والمشاركة في بناء مجتمع منتج.

وإذا كانت القيادة العسكرية قد اعتمدت على التخطيط والدراسة، فإن مؤسسات الدولة تحتاج إلى المنهج ذاته في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.

إن روح أكتوبر لا تعني أن نتوقف عند أمجاد الماضي، بل أن نستمد منها الثقة والقدرة على العمل في الحاضر.

وهي لا تعني أن نعتقد أن كل معركة مضمونة النتيجة، وإنما أن نستعد جيدًا، ونتعلم من الأخطاء، ونحسن استخدام الإمكانات، ونتحلى بالصبر والمسؤولية.

فالوطن الذي دافع عنه الآباء بالسلاح يحتاج اليوم إلى من يحميه بالعلم، ويقوي اقتصاده بالإنتاج، ويصون عدالته باحترام القانون، ويرفع مكانته بالإبداع والبحث والعمل الجاد.

تحية إجلال وتقدير... وذاكرة لا تنسى

في ذكرى أكتوبر المجيدة، نتوجه بتحية إجلال وتقدير إلى الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي قاد مصر في قرار الحرب وارتبط اسمه بمسار السلام، وإلى الفريق أول محمد حسني مبارك، قائد القوات الجوية في حرب أكتوبر، وإلى رجال القوات الجوية وأبطال الضربة الجوية الافتتاحية.

ونحيي جميع قادة القوات المسلحة المصرية وضباطها وصف ضباطها وجنودها، وكل من شارك في التخطيط والإعداد والتنفيذ، وكل من قدم جهدًا أو تضحية من أجل أن تستعيد مصر أرضها وكرامتها.

وتبقى التحية الأسمى لأرواح الشهداء الأبرار؛ أولئك الذين لم يعودوا إلى بيوتهم، لكن أسماءهم بقيت حاضرة في ذاكرة وطنهم، والذين قدموا حياتهم لتظل راية مصر مرفوعة.

كما نحيي المصابين والمحاربين القدامى وأسر الشهداء، ونؤكد أن الوفاء لهم لا يكون بالكلمات وحدها، بل بتقدير تضحياتهم، وصون كرامتهم، ورعاية أسرهم، ونقل تاريخهم إلى الأجيال الجديدة بأمانة وموضوعية.

إن الأمم التي تنسى تضحيات أبنائها تفقد جزءًا من ذاكرتها، أما الأمم التي تحفظ تاريخها وتتعلم منه، فإنها تمنح مستقبلها أساسًا من الثقة والوعي والمسؤولية.

إن أكتوبر عهد يتجدد

ستظل حرب أكتوبر المجيدة علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث؛ لأنها أثبتت أن الإرادة الوطنية حين تجتمع مع التخطيط والعلم والتضحية تستطيع أن تغير الواقع، وأن استعادة الأرض ليست أمنية بعيدة عندما تتوافر الرؤية والقدرة والصبر.

ستظل أكتوبر ذكرى السادات وقرار الحرب والسلام، وذكرى القوات الجوية وأبطال الضربة الجوية، وذكرى القادة والضباط والجنود الذين خاضوا المعركة، وذكرى الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لاستعادة الكرامة الوطنية.

وستظل سيناء شاهدًا على أن استرداد الحقوق قد يتطلب مسارات طويلة، وأن التمسك بالحق يحتاج إلى قوة وصبر وحكمة، وأن النصر لا يكتمل إلا حين يتحول إلى أمن واستقرار وتنمية ومستقبل أفضل.

وفي هذه الذكرى، يجب أن نجدد العهد بأن تبقى مصر عزيزة، وأن تظل أرضها مصونة، وأن نحافظ على مؤسساتها، وأن نعمل من أجل تقدمها، وأن نعلم أبناءنا أن الوطن ليس كلمات تُقال في المناسبات، بل مسؤولية تُحمل كل يوم.

سلام على شهداء أكتوبر، وتحية إلى أبطال العبور، وإجلال لكل من ضحى من أجل مصر.

رحم الله الرئيس الراحل أنور السادات، ورحم شهداء مصر الأبرار، وحفظ أبطال قواتها المسلحة، ووفق أبناءها إلى ما فيه الخير والتقدم والازدهار.

وفي النهاية، تبقى رسالة أكتوبر خالدة في وجدان كل مصري:

أن الأرض وطن لا يُنسى، وأن الكرامة مسؤولية لا تسقط، وأن الحقوق تحتاج إلى من يحميها، وأن النصر الحقيقي هو أن نحافظ على ما استعدناه، ونبني ما نحلم به، ونترك للأجيال القادمة وطنًا أقوى وأكثر أمنًا وتقدمًا.

تحيا مصر... أرضًا وتاريخًا وشعبًا وجيشًا.

تحيا مصر عزيزةً أبية، مرفوعة الراية، محفوظة السيادة والكرامة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة