رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

روح أكتوبر.. سلاحنا في مواجهة أزمات الإقليم وبناء مصر الجديدة

مصطفى البلك
مصطفى البلك


 

تهنئة قلبية صادقة لشعب مصر العظيم وقواته المسلحة الباسلة بمناسبة حلول الذكرى ال 53  لانتصارات أكتوبر المجيدة، ذلك اليوم الخالد الذي أثبت فيه هذا الشعب العظيم أصالته وصلابته أمام التاريخ والعالم أجمع، حين عبرنا من ضفة الانكسار والظلام إلى آفاق العزة والسيادة، ودحرنا عدواً وظف كل إمكانياته للسيطرة والاستعلاء، فاسترددنا سيناء الحبيبة كاملة غير منقوصة، وفرضنا السيادة الوطنية المصرية الشاملة على كل شبر من تراب مصر المقدسة.
إن تلك الملحمة الخالدة لم تكن مجرد معركة عسكرية حُسمت في ساعات وسجُلت في كتب التاريخ، بل كانت تحولاً مفصلياً في الشخصية المصرية المعاصرة، وتجلياً حياً لما يُعرف بـ "روح أكتوبر"، ذلك المصطلح الذي يتجاوز حدود الحدث العسكري الصريح ليعبر عن حالة ملهمة واستثنائية من الطاقة الوطنية والمجتمعية الشاملة، حالة استطاعت أن تحول سنوات الهزيمة والاستنزاف والقلق إلى انتصار استراتيجي مبهر أربك كافة الحسابات والتقديرات الدولية.
واليوم، وبعد مرور 53 عاماً على ذلك العبور العظيم، نجد أنفسنا في أشد الحاجة لاستدعاء هذه الروح وتكريس قيمها بيننا لمواجهة حزمة من التحديات الجسام والتحولات الإقليمية والدولية المعقدة، فالنصر لم يكن يوماً محطة نهائية نستريح عندها، بل هو منهج عمل متجدد، وطاقة دفع نستلهم منها القدرة على مجابهة الصعاب، خاصة وأن هذه الروح بعينها هي البناء المتين والأساس الصلب الذي نبني عليه مصر الجديدة، ونشيد به دعائم المستقبل لأجيالنا القادمة.
وتكتسب هذه الروح أهمية مضاعفة ووجودية في لحظتنا الراهنة، بالنظر إلى ما تسفر عنه الأوضاع المعقدة من حولنا، حيث تحيط بمصر منطقة مشتعلة من جميع جهاتها وجغرافيتها المباشرة، وتتداعى الأحداث والتغيرات الاستراتيجية على كافة المحاور والحدود، في مشهد يفيض بالاضطرابات والحروب والصراعات المسلحة التي تهدد مفهوم الدولة الوطنية ذاته، وتسعى لإعادة رسم خرائط المنطقة على حساب أمن الشعوب واستقرارها، وسط مخططات وتجاذبات لا تخفى على كل ذي بصيرة.
إن المحيط الإقليمي لمصر يشهد حالة غير مسبوقة من الاستقطاب والتهديدات المباشرة وغير المباشرة، بدءاً من الأزمات المشتعلة على حدودنا الجنوبية والشرقية والغربية، وصولاً إلى التهديدات المستمرة للملاحة في البحر الأحمر والممرات المائية الاستراتيجية التي تمس عصب الاقتصاد الوطني والأمن القومي المصري، إلى جانب المخططات الخبيثة والمؤامرات الساعية لفرض وقائع جديدة على الأرض، واستهداف المقومات التنموية والمائية لمصر، ومحاولة حصارها بضغوط سياسية واقتصادية وأمنية تتصاعد حدتها كلما أثبتت مصر ثباتها واستقلال قرارها الوطني.
وفي قلب هذه التحديات الخارجية المتشابكة، تبرز حرب أخرى لا تقل شراسة، تتمثل في حروب الجيل الرابع والخامس والسادس والتي تعتمد علي  الشائعات، الحروب النفسية، ومحاولات تفكيك الجبهة الداخلية، حيث يسعى أعداء هذا الوطن ومبغضوه إلى ضرب الثقة بين الشعب ومؤسسات دولته الوطنية، وتشكيك المواطنين في قدراتهم وإمكانيات دولتهم، في محاولة خبيثة لإنتاج حالة من اليأس والإحباط واستنزاف الإرادة الصلبة التي طالما كانت الدرع الأول لمصر في أحلك الظروف وأصعب الأوقات.
وأمام هذه اللوحة المعقدة والمخاطر الشاملة، يبرز "الوعي الوطني" كالأمل الوحيد والركيزة الأساسية للنجاة والعبور الجديد، وعي أصيل ومستنير يُدرك حجم المؤامرة وطبيعة الاستهداف، ولا ينخدع بالشائعات أو الحروب النفسية الموجهة، وعي يتكامل بصورة وثيقة مع التمسك الصارم بروح أكتوبر الخالدة، تلك الروح التي صنعت أعظم انتصار في التاريخ الحديث، وأثبتت أن الشعب المصري قادر على دحر أعتى القوى وتجاوز المستحيل حين يستند إلى وحدة صفه، ووضوح رؤيته، وثقته المطلقة في جيشه العظيم وقيادته الوطنية.
إن أولى دعائم هذه الروح تتمثل في الإرادة الصلبة والتحدي الواعي، تلك القدرة الفذة التي جعلت المصريين يحولون مرارة نكسة عام ١٩٦٧ إلى طاقة بناء وإصرار لا تلين، ويستعيدون ثقتهم المطلقة بأنفسهم وبوطنهم للعبور فوق ما كان يُشاع أنه المستحيل، فتحطمت أساطير التفوق العسكري التي رُوّجت عقوداً، وتساقطت الحصون والخطوط المنيعة أمام صيحة الحق وإرادة التحرير، وهو درس يخبرنا اليوم أن أي أزمة أو تحد اقتصادي أو تنموي يمكن تجاوزه إذا ما امتلكنا نفس القدر من الثقة والإرادة.
ولم يكن ذلك النصر الخالد وليد العاطفة الجياشة أو المصادفة العابرة، بل كان ثمرة ناضجة لتخطيط علمي دقيق، وإدارة منهجية صارمة للموارد، واستغلال أمثل لكل المقومات المتاحة، بدءاً من تقنيات الخداع الاستراتيجي والتنسيق المحكم بين كافة أسلحة القوات المسلحة، وصولاً إلى أدق التفاصيل العلمية والهندسية، مما يؤكد لنا أن بناء مصر الجديدة ومواجهة معارك التنمية الحديثة لا يمكن أن يتحققا إلا باعتماد التخطيط العلمي، والاحترافية، والحوكمة، وإعطاء الأولوية للعقل والمعرفة في إدارة كافة ملفات الوطن.
كما تجلت في معركة العبور أعلى درجات التلاحم الشعبي والتضامن المجتمعي، حيث انصهرت كافة فئات المجتمع وأطيافه في هدف وطني واحد ومصير مشترك، وشهد الشارع المصري انضباطاً غير مسبوق، وتلاشت الخلافات والجرائم، وقدم المواطن البسيط تضحيات يومية واعية لدعم مجهود الحرب، وهو ما يؤكد أن التلاحم بين الشعب وقيادته وقواته المسلحة هو الدرع الحصين للوطن، وأن رهاننا الدائم يكمن في ثبات هذا الاصطفاف الوطني أمام كل محاولات التشكيك وإثارة الشكوك.
ولعل من أهم مقومات روح أكتوبر إعلاء المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبارات فردية أو فئوية، والعمل بروح الفريق الواحد المتكامل، سواء في ميدان القتال أو خلف الخطوط في جبهات التخطيط والإدارة والإنتاج، فضلاً عن التجلي العملي لروح التضامن والتنسيق الإقليمي المشترك، الذي شكل عمقاً استراتيجياً وركيزة أساسية في إدارة معركة السلاح والاقتصاد والسياسة بتناغم واقتدار، وهو ما نحتاجه اليوم لتعزيز مكانة مصر وتأثيرها في محيطها الإقليمي والدولي.
إن استعادة روح أكتوبر اليوم ليست مجرد طقس نفعله لمجرد الاحتفاء بالماضي، بل هي ضرورة حتمية ومسؤولية وطنية حية لتأسيس حاضر ومستقبل يليقان بتاريخ هذا الشعب العظيم، فنحن نخوض معارك جديدة لا تقل شراسة عن معارك السلاح، معارك للتنمية الشاملة، وبناء الإنسان، وتطوير التعليم والصحة، وترسيخ الدولة الحديثة القائمة على العلم والمواطنة، وكلها معارك تستلزم استحضار روح التحدي والإصرار، والعمل بروح الفريق، والتصميم على النجاح، حتى تظل مصر دائماً قوية، شامخة، وآمنة، وقادرة على صنع معجزاتها بيد أبنائها الأوفياء.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من عتاد وسلاح، بل بعمق وعي شعبها ومدى صمود جبهتها الداخلية أمام العواصف والأنواء، وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً في حديثه الصادق الموجه إلى أبناء هذا الوطن، حين شدد على أن الوعي الحقيقي والتلاحم الشعبي هما خط الدفاع الأول عن الأمة، بقوله الخالد: «طول ما الشعب المصري إيد واحدة وكتف بكتف، ومدرك تماماً لحجم التحديات، محدش أبداً يقدر على مصر»، وهي الرؤية الاستراتيجية التي تجسد العصب الحقيقي لروح أكتوبر، حيث يظل وعي المصريين وتماسكهم هو الرصيد الاستراتيجي والأمل المؤكد لمواجهة كافة المخططات والتحديات، لتستمر مصر دولة عزيزة، قائمة، وعابرة بكل اقتدار نحو المستقبل.

مصطفى البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة