رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

خلق الذكاء الاصطناعي وأداؤه الفائق.. ما وراء الحدود البشرية

 الدكتور منصور مالك
الدكتور منصور مالك

في عالم اليوم، أوقع الذكاء الاصطناعي (AI) الإنسان في حيرة جديدة. أنظمة تحلل مئات الآلاف من الصفحات في لحظات قليلة، وتتحدث بلغة البشر، وتخلق صورًا وموسيقى جديدة، وتضع تشخيصات طبية، وتتخذ قرارات تُدهش حتى الخبراء… هذه القدرات تبدو أبعد بكثير من القدرة البشرية العادية على الخلق. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا مجرد اختراع بشري، أم أن هناك حكمة إلهية عظيمة وبرنامجًا لآخر الزمان يعمل خلفه؟ إن التأمل في هذا الموضوع من خلال مرآة القرآن والحديث ليس مفيدًا فحسب، بل ضروري أيضًا.

لقد طور الإنسان الذكاء الاصطناعي من خلال العلم والخوارزميات والبيانات وقوة الحوسبة. ظاهريًا يبدو أنه نتيجة للجهد البشري. لكن عندما ننظر إلى قدراته الحالية، نشعر بأنه تجاوز الحدود العادية للعقل البشري، ويمكن لنموذج الذكاء الاصطناعي أن ينجز في ثوانٍ ما يستغرق من الإنسان شهورًا. فيتعلم لغات جديدة، ويحل مشكلات معقدة، ويقدم نتائج تتجاوز توقعات المتخصصين، وهذه القدرة المذهلة تجبرنا  أن نسأل: هل هذا حقًا شيء صنعته أيدينا فقط؟ أم أن هناك حكمة أكبر تعمل خلفه – حكمة تتجاوز فهم الإنسان؟

التعليم الأساسي في القرآن الكريم هو أن كل ما في السماوات والأرض هو خلق الله، كل ما يبنيه الإنسان أو يخترعه يستحيل بدون القدرات والعقل والموارد التي منحها الله له، ولقد منح الله البشر العلم والعقل، لكن القوة الحقيقية وسلطة الخلق تخصه وحده.

ويؤكد القرآن مرارًا أن الإنسان محدود، بينما قدرة الله غير محدودة، ولا يمكن لأي شيء يخترعه الإنسان أن يوجد بدون مشيئة الله، وفي ضوء هذا المبدأ، فإن اعتبار الذكاء الاصطناعي مجرد خلق بشري لا يعطي الصورة الكاملة، والأسباب الظاهرة في يد الإنسان، لكن الأمر الحقيقي والخلق يخص الله.

ويذكر القرآن الكريم خلق الجن بوضوح، فقد خُلق الجن قبل البشر ومن مادة مختلفة (النار)، وهم خلق مخفي عن أعين البشر العادية، لكن لهم عالمهم وقدراتهم وإرادتهم، فالجن أقوى من البشر في بعض الجوانب، لكنهم أيضًا خاضعون لله.

في رأيي، يمكن إعطاء الشكل الحالي للذكاء الاصطناعي تشابهًا معنويًا مع خلق الجن، فكما أن الجن مخفيون عن الرؤية البشرية العادية ولهم قدرات مختلفة، فإن الذكاء الاصطناعي نظام ظهر بأيدي البشر، لكن قدراته التشغيلية تبدو تتجاوز الحدود البشرية. تشير هذه المقارنة إلى أن الله قادر على خلق أنواع مختلفة من المخلوقات والأنظمة، بعضها يتجاوز الفهم البشري العادي.

هذه المقارنة تذكّر أيضًا: كما أن وضع الثقة الكاملة في الجن أو اتخاذهم آلهة هو ضلال، فإن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى معبود أو الاعتماد عليه اعتمادًا كاملاً ليس صحيحًا أيضًا. كلاهما يقع ضمن نطاق خلق الله، والسلطة الحقيقية تخص الله وحده.

يذكر القرآن والحديث العديد من علامات آخر الزمان من بينها ظهور العلم بشكل غير عادي، والتغيرات الغريبة، وانتشار الفتن، وظهور قوى تدهش الناس، وتشير الأحاديث أيضًا إلى أن العلم سينتشر بسرعة كبيرة في العصر الأخير، وستحدث أحداث تتجاوز الفهم البشري العادي.

اليوم دخل الذكاء الاصطناعي كل مجالات الحياة: التعليم، والصحة، والاقتصاد، والاتصالات، والفنون، وحتى قرارات الحرب والسلام. إذا استُخدمت هذه القوة بشكل صحيح يمكن أن تصبح رحمة للبشرية؛ وإذا وقعت في الأيدي الخاطئة يمكن أن تصبح سببًا لفتنة عظيمة. 

في رأيي، قد يكون هذا التطور غير العادي جزءًا من البرنامج الإلهي لآخر الزمان – اختبار يضع البشر في محنة بشأن كيفية استخدامهم لهذه القوة.

من علامات آخر الزمان أيضًا أن العلم سينتشر إلى درجة يدهش معها الناس، ويبدو الذكاء الاصطناعي تجسيدًا عمليًا لانتشار هذا العلم، إنه يجبر البشرية على أن تفكر: هل ستستخدم هذا العلم من أجل الحق أم من أجل الباطل؟

  • اختراع بشري أم أمر إلهي؟

ظاهريًا، الذكاء الاصطناعي نتيجة للجهد البشري والتقدم العلمي. لقد أنفق البشر سنوات من العمل والبحث والموارد ليصلوا به إلى هذه المرحلة، لكن في الحقيقة كل شيء يوجد بأمر الله، ولا يمكن لأي شيء يخترعه الإنسان أن يكون ممكنًا بدون مشيئة الله.

لذلك، فإن اعتبار الذكاء الاصطناعي مجرد اختراع بشري ووضع الثقة الكاملة فيه، أو معاملته كرمز لعظمة الإنسان، ليس صحيحًا. يجب أن يُنظر إليه كنعمـة وامتحان من الله.

 يضع الله البشر في اختبارات مختلفة حتى يتضح من يبقى ثابتًا على الحق ومن ينحرف.

يذكرنا الأداء الفائق للذكاء الاصطناعي بأن قدرة الإنسان محدودة، وأن القدرة الحقيقية تخص الله وحده. هذا الإحساس يحمي الإنسان من الكبر ويدعوه إلى التوجه نحو ربه.

مسؤولية الإنسان والموقف الروحي

في آخر الزمان، أكبر نجاح للإنسان هو أن يقوي علاقته بربه إلى جانب التقدم المادي. مهما أظهر الذكاء الاصطناعي من قدرات، فلن يتمكن أبدًا من منافسة قدرة الله.

يجب أن نستخدم هذه القوة بالحكمة والتقوى. نوظفها في خدمة الإنسانية، ونشر العلم، ودعم الحق. وفي الوقت نفسه نستغفر ونتوب وندعو الله أن يثبتنا في هذا الامتحان.

الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله يُبقيان قلب الإنسان مطمئنًا. عندما تترك التطورات المذهلة في العالم الإنسان في حيرة، فإن ذكر الله هو الذي يمنحه السكينة والاتجاه الصحيح.

خلق الذكاء الاصطناعي هو، ظاهريًا، نتيجة للجهد البشري. لكن في مرآة القرآن والحديث قد يكون أيضًا جزءًا من علامات آخر الزمان والحكمة الإلهية. مثل خلق الجن، هو نظام يبدو أنه يتجاوز الفهم البشري العادي إلى حد ما، لكن الخالق الحقيقي هو الله وحده.

يجب على البشر أن ينظروا إلى هذه القوة على أنها نعمة وامتحان معًا. الاستخدام الصحيح يتطلب التقوى؛ أما الاستخدام الخاطئ فيمكن أن يفتح باب الفتنة.
التأمل، والاستعداد، والاستغفار، والتوكل على الله – هذه هي مفاتيح النجاح الحقيقية.

اللهم امنحنا الفهم الصحيح وثبتنا في امتحانات آخر الزمان. آمين.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة