رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

السيسي في كوريا الجنوبية.. هل تفتح القاهرة وسول صفحة جديدة نحو شراكة استراتيجية أوسع؟

 زيارة الرئيس عبد
زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جمهورية كوريا

تتجه العلاقات المصرية–الكورية الجنوبية إلى مرحلة جديدة من التعاون، مع زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جمهورية كوريا، التي بدأت في 6 أكتوبر 2026، في مستهل جولة آسيوية تشمل كذلك ماليزيا وإندونيسيا، في تحرك يعكس أهمية البعد الآسيوي في السياسة الخارجية المصرية، وحرص القاهرة على توسيع شراكاتها الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية مع القوى الآسيوية الصاعدة.

وتأتي زيارة الدولة إلى كوريا بدعوة من الرئيس الكوري لي جاي ميونج، وتستمر من 7 إلى 9 أكتوبر، فيما يعقد الرئيسان قمة ثنائية في 8 أكتوبر تتناول ملفات التجارة والاستثمار والبنية التحتية وسلاسل الإمداد، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول التطورات الإقليمية والدولية، والعلاقات بين الشعبين. وتعد الزيارة الأولى للرئيس السيسي إلى كوريا منذ عام 2016، كما تأتي بعد نحو 11 شهرًا من زيارة الرئيس الكوري إلى القاهرة في نوفمبر 2025.

زيارة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية

لا تقتصر أهمية الزيارة على بعدها البروتوكولي، إذ تأتي في لحظة تسعى فيها القاهرة وسول إلى الانتقال بالعلاقات من مستوى التعاون المتنامي إلى شراكة أكثر اتساعًا في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية.

وكانت الرئاسة المصرية قد أعلنت أن الرئيس السيسي سيجري مباحثات مع الرئيس لي جاي ميونج، إلى جانب مشاركته في مائدة مستديرة مع رؤساء وممثلي كبرى الشركات الكورية، بما يؤكد أن الجانب الاقتصادي والاستثماري يحتل موقعًا متقدمًا في أجندة الزيارة.

وفي 7 أكتوبر، شارك الرئيس السيسي بالفعل في مائدة مستديرة مع رؤساء وممثلي مجتمع الأعمال الكوري، بمشاركة 23 شركة كورية كبرى، حيث أكد أهمية الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين، وتطلع مصر إلى الارتقاء بها إلى مستويات أكثر طموحًا واتساعًا.

ويكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة في ضوء توجه مصر لجذب المزيد من الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية، والاستفادة من الخبرة الكورية في مجالات التصنيع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد.

ثلاثون عامًا من العلاقات الدبلوماسية

وتستند العلاقات الحالية إلى قاعدة دبلوماسية تمتد إلى 30 عامًا منذ إقامة العلاقات الرسمية بين مصر وكوريا الجنوبية عام 1995.

وخلال هذه العقود تطورت العلاقات من التعاون السياسي والاقتصادي إلى شراكة متعددة المجالات تشمل الاستثمار والتعليم والثقافة والتكنولوجيا والتنمية، وهو ما أكدته القمة المصرية–الكورية التي عقدت في القاهرة في نوفمبر 2025 بالتزامن مع الاحتفال بمرور ثلاثة عقود على العلاقات الدبلوماسية.

وخلال زيارة الرئيس الكوري لي جاي ميونج إلى مصر في نوفمبر 2025، وصف الرئيس السيسي العلاقات بين البلدين بأنها وصلت إلى مستوى الشراكة التعاونية الشاملة، مؤكدًا أن التجربة الكورية تمثل مصدرًا مهمًا للاستفادة في مجالات التنمية والتصنيع والتكنولوجيا.

وفي المقابل، اعتبر الرئيس الكوري أن البلدين، رغم البعد الجغرافي، نجحا في بناء تعاون قائم على الاحترام والثقة في مجالات الاقتصاد والثقافة والتعليم وغيرها.

من تجربة التنمية الكورية إلى التصنيع داخل مصر

يمثل التعاون الاقتصادي أحد أهم محاور العلاقة المصرية–الكورية، خصوصًا مع رغبة القاهرة في الاستفادة من التجربة الكورية في الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد أكثر ارتباطًا بالصناعة والتكنولوجيا والابتكار.

وخلال مباحثات الرئيسين في القاهرة عام 2025، طرحت مصر توسيع مشاركة الشركات الكورية في قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وصناعة السيارات، وبناء السفن، والذكاء الاصطناعي، والبتروكيماويات والتعدين، مع التركيز على توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا إلى السوق المصرية.

كما برزت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى المنصات الرئيسية لجذب الاستثمارات الكورية، خاصة في الصناعات المرتبطة بالبتروكيماويات وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.

وهنا تلتقي الرؤية المصرية مع الاهتمام الكوري بالموقع الجغرافي لمصر، باعتبارها نقطة اتصال بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، فضلًا عن امتلاكها قناة السويس التي تمثل أحد أهم الممرات البحرية في التجارة العالمية.

سلاسل الإمداد.. محور جديد في الشراكة

وتشير أجندة القمة المرتقبة إلى أن سلاسل الإمداد ستكون من الملفات الاقتصادية المهمة، وهو تطور يعكس التحولات التي طرأت على الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة.

فبالنسبة إلى كوريا الجنوبية، تمثل مصر سوقًا كبيرة وبوابة إلى الأسواق الأفريقية والعربية، بينما تستفيد القاهرة من القدرات الصناعية والتكنولوجية الكورية ومن إمكانية جذب استثمارات مرتبطة بالتصنيع والتصدير وإعادة التصدير.

وتشير التغطية الكورية للزيارة إلى أن التعاون في التجارة والاستثمار والبنية التحتية وسلاسل الإمداد يأتي في مقدمة الملفات المنتظر بحثها خلال القمة، إلى جانب العلاقات الاقتصادية والتبادلات الشعبية والقضايا الإقليمية والدولية.

الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.. جيل جديد من التعاون

ولا تتوقف الشراكة المصرية–الكورية عند الاستثمارات التقليدية، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أحد أبرز المجالات التي تستهدف القاهرة توسيع التعاون فيها مع الشركات الكورية.

وكان الرئيس السيسي قد أكد خلال قمة نوفمبر 2025 أهمية التعاون في الذكاء الاصطناعي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، باعتبارها قطاعات عابرة لمختلف المجالات الاقتصادية وقادرة على تعزيز الإنتاجية ودعم نمو الأعمال.

ومن هذا المنظور، فإن الشراكة المصرية–الكورية تكتسب بعدًا يتجاوز حجم الاستثمارات المباشرة، لتدخل في إطار أوسع يتعلق بنقل المعرفة والتكنولوجيا، وتأهيل الكوادر البشرية، وتوطين الصناعات الحديثة.

التعليم والثقافة.. القوة الناعمة في العلاقات

يمثل التعليم والثقافة جانبًا آخر من العلاقات، فقد شهدت القمة المصرية–الكورية في القاهرة عام 2025 توقيع مذكرتي تفاهم في مجالي الثقافة والتعليم.

كما طُرحت خلال المباحثات فكرة إنشاء جامعة كورية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا في مصر، إلى جانب بحث إمكانية إنشاء مدارس كورية، بما يعزز نقل الخبرات التعليمية والتكنولوجية ويدعم التواصل بين الأجيال الجديدة في البلدين.

ويعكس هذا المسار أن العلاقات المصرية–الكورية لا تقوم فقط على المصالح الاقتصادية، وإنما تمتد إلى بناء جسور معرفية وثقافية طويلة المدى.

البعد السياسي.. مصر وكوريا أمام قضايا إقليمية مختلفة

يحمل التقارب بين القاهرة وسول أيضًا بُعدًا سياسيًا، في ظل اختلاف البيئتين الإقليميتين المحيطتين بالدولتين.

فمصر تتحرك في بيئة شرق أوسطية تواجه أزمات متشابكة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والحرب في غزة، بينما تواجه كوريا الجنوبية تحديات أمنية مرتبطة بشبه الجزيرة الكورية وملف كوريا الشمالية.

وخلال قمة القاهرة في نوفمبر 2025، تبادل الرئيسان وجهات النظر بشأن التطورات في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية، وأكدا أهمية دعم السلام والاستقرار واحترام سيادة الدول والقانون الدولي. كما أشادت كوريا بالدور المصري في جهود وقف الحرب في غزة ودعم الاستقرار الإقليمي.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية في ضوء استمرار التوترات في شبه الجزيرة الكورية؛ فقد دعا الرئيس لي جاي ميونج مطلع أكتوبر 2026 إلى استعادة الحوار مع كوريا الشمالية وخفض التوترات العسكرية، بالتوازي مع توجهات لتعزيز القدرات الدفاعية الكورية وتطوير منظومات عسكرية تعتمد بصورة أكبر على الذكاء الاصطناعي.

الدفاع والتكنولوجيا العسكرية

ويمثل التعاون الدفاعي أحد الملفات التي شهدت اهتمامًا في العلاقات المصرية–الكورية، إلى جانب المجالات الاقتصادية والتعليمية والثقافية.

وكان الرئيس السيسي قد أشار خلال مباحثات نوفمبر 2025 إلى تطلع مصر إلى الاستفادة من القدرات التكنولوجية الكورية في عدد من المجالات، بينما تناولت المباحثات مجالات التعاون المختلفة، بما فيها التعاون العسكري.

ويأتي ذلك في إطار أوسع لاهتمام القاهرة بتنويع شراكاتها الدولية في مجالات التكنولوجيا والصناعة والدفاع، بما يتوافق مع توجه الدولة المصرية نحو توطين الصناعة وتعظيم الاستفادة من الخبرات الدولية.

القاهرة وسول.. من الشراكة التعاونية إلى أفق استراتيجي

وتكشف المعطيات الحالية أن زيارة الرئيس السيسي إلى كوريا لا تأتي منفصلة عن مسار بدأ منذ سنوات، لكنه شهد دفعة سياسية واضحة خلال عام 2025 مع زيارة الرئيس لي جاي ميونج إلى القاهرة، ثم رسالة الرئيس السيسي إلى نظيره الكوري في يونيو 2026، والتي حملها وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال اجتماعات كوريا وأفريقيا في سول.

وخلال تلك اللقاءات، أكدت القاهرة أهمية البناء على التقدم الذي تحقق في العلاقات الثنائية، فيما أشارت وزارة الخارجية المصرية إلى أن زيارة وزير الخارجية إلى سول استهدفت دعم الزخم الإيجابي في العلاقات وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري.

وقبيل زيارة الرئيس السيسي، واصلت المؤسسات الاقتصادية في البلدين بحث فرص توسيع التجارة والاستثمارات، حيث التقى السفير الكوري في القاهرة رئيس مجلس الأعمال المصري–الكوري في 30 سبتمبر 2026، وبحث الجانبان زيادة الاستثمارات والتعاون بين الشركات المصرية والكورية وتوسيع حضور الشركات الكورية في السوق المصرية.

«معجزة نهر الهان» و«معجزة نهر النيل»

وفي دلالة رمزية على طبيعة المرحلة الجديدة، رحب الرئيس الكوري لي جاي ميونج بزيارة الرئيس السيسي، مشيرًا إلى أهمية اللقاء بعد الحوار الذي جمعهما في القاهرة العام الماضي، معربًا عن أمله في أن تتضافر «معجزة نهر الهان» و«معجزة نهر النيل» لتعزيز الرخاء المشترك بين البلدين.

وتحمل العبارة دلالة على رغبة سول والقاهرة في تحويل تجارب التنمية المختلفة إلى مجالات تعاون عملية، خصوصًا في الصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والتعليم والاستثمار.

ماذا تعني زيارة السيسي للعلاقات المصرية–الكورية؟

يمكن قراءة الزيارة الحالية باعتبارها محطة جديدة في مسار طويل من التقارب، حيث تتقاطع المصالح المصرية والكورية في عدد من الملفات: التجارة والاستثمار، التصنيع، التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، البنية التحتية، سلاسل الإمداد، التعليم والثقافة، إلى جانب التشاور السياسي حول قضايا الشرق الأوسط وآسيا.

كما أن انعقاد الزيارة بعد أقل من عام على زيارة الرئيس الكوري إلى القاهرة يحمل دلالة على استمرار الاتصالات السياسية رفيعة المستوى بين البلدين، بينما تستهدف القمة الحالية بحث خطوات عملية لتوسيع التعاون الاقتصادي والسياسي.

وبذلك، تبدو القاهرة وسول أمام اختبار جديد يتمثل في تحويل الرصيد السياسي والتاريخي للعلاقات المصرية–الكورية إلى مشروعات واستثمارات وشراكات أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الرقمي والصناعات الحديثة وسلاسل القيمة العالمية، مع الحفاظ على مساحات التشاور السياسي بشأن الأزمات الإقليمية والدولية.

فبعد ثلاثين عامًا من إقامة العلاقات الدبلوماسية، تدخل الشراكة المصرية–الكورية مرحلة تتجاوز مجرد التعاون التقليدي، لتبحث عن صيغة أكثر اتساعًا تجمع بين الموقع الاستراتيجي المصري، والخبرة الصناعية والتكنولوجية الكورية، ورؤية مشتركة لتعزيز التنمية والتبادل الاقتصادي والتعاون السياسي.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة