رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ترامب والذكاء الاصطناعي.. معركة جديدة في واشنطن

الذكاء الاصطناعي يشعل صراعًا في واشنطن.. لماذا يلاحق حلفاء ترامب خبراء السلامة؟

هل يحسم ترامب من
هل يحسم ترامب من صاحب الرقابة علي الذكاء الاصطناعي

لم يعد السؤال في الولايات المتحدة هو فقط كيف يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وإنما من يملك حق مراقبة هذه التكنولوجيا المتسارعة، ومن يحدد الحدود التي يجب ألا تتجاوزها الشركات المطورة لأقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي.

هذا السؤال تحول إلى محور صراع جديد في واشنطن، بعد أن أصبح خبراء سلامة الذكاء الاصطناعي، الذين أمضوا سنوات في التحذير من المخاطر المحتملة للتكنولوجيا، في مواجهة انتقادات متزايدة من شخصيات مقربة من الرئيس دونالد ترامب.

وتكشف التطورات الأخيرة عن مفارقة لافتة، فبينما وصلت تحذيرات خبراء السلامة إلى دوائر صنع القرار الأمريكي وأصبحت المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي محل اهتمام سياسي متزايد، يواجه هؤلاء الخبراء أنفسهم ضغوطًا لإبعادهم عن واحدة من أهم المهام، وهي تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي والتدقيق في مدى التزامها بمعايير السلامة.

من يحاسب شركات الذكاء الاصطناعي؟

تدور إحدى أبرز نقاط الخلاف حول الجهة التي يجب أن تتولى تدقيق أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وبحسب «واشنطن بوست»، تعمل شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي، بينها «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، منذ سنوات مع مجموعة من المؤسسات غير الربحية المتخصصة في سلامة الذكاء الاصطناعي.

لكن عددًا من حلفاء ترامب في قطاع التكنولوجيا يرى أن عمليات التدقيق يجب أن تنتقل إلى شركات الاستشارات والتدقيق الكبرى، بدلًا من الاعتماد على المنظمات غير الربحية المرتبطة بحركة «الإيثار الفعال».

ويأتي هذا الخلاف في وقت أصبحت فيه عمليات التدقيق المستقلة لأنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر أهمية، مع تزايد قدرة النماذج الحديثة على تنفيذ مهام معقدة بصورة مستقلة.

انفوجرافك يوضح الصراع علي رقابة الذكاء الاصطناعي 
انفوجرافك يوضح الصراع علي رقابة الذكاء الاصطناعي 

لماذا أصبح خبراء سلامة الذكاء الاصطناعي هدفًا للانتقادات؟

مجتمع سلامة الذكاء الاصطناعي نشأ بصورة أساسية حول فكرة أن التطور السريع لهذه التكنولوجيا يجب أن يرافقه اهتمام موازٍ بالسلامة والرقابة وإدارة المخاطر.

لكن هذا المجتمع وجد نفسه في الفترة الأخيرة وسط جدل سياسي، بعدما أصبحت المخاوف من المخاطر بعيدة المدى للذكاء الاصطناعي جزءًا من النقاش العام في واشنطن.

ويقول منتقدون من المعسكر المؤيد للصناعة إن بعض المؤسسات المرتبطة بهذا التيار تحمل انحيازات فكرية، بينما يرى المدافعون عنها أن استبعاد المتخصصين الذين يمتلكون خبرة مباشرة في اختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إضعاف الرقابة على التكنولوجيا الأكثر تطورًا.

وتشير «واشنطن بوست» إلى أن مؤسسة METR، وهي منظمة غير ربحية عملت مع شركات من بينها «أنثروبيك»، أصبحت واحدة من الجهات التي تعرضت للتدقيق والانتقادات بسبب طبيعة علاقاتها مع شركات التكنولوجيا.

ترامب يفتح الباب أمام مرحلة جديدة

تأتي هذه المواجهة في وقت تعمل فيه إدارة ترامب على إعادة رسم السياسة الأمريكية تجاه الذكاء الاصطناعي.

وفي سبتمبر الماضي، وقع الرئيس ترامب اتفاقًا طوعيًا مع عدد من كبار شركات الذكاء الاصطناعي، بهدف وضع إطار للتعامل مع المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا.

لكن الإدارة الأمريكية تميل إلى إعطاء الصناعة دورًا كبيرًا في تنظيم نفسها، بدلًا من فرض منظومة حكومية ثقيلة قد ترى واشنطن أنها تعرقل سباق الولايات المتحدة للحفاظ على موقعها المتقدم في الذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت نفسه، يزداد الضغط السياسي في الكونجرس من أجل وضع قواعد أكثر وضوحًا للرقابة على أنظمة الذكاء الاصطناعي، خصوصًا مع ظهور حوادث أثارت مخاوف بشأن قدرة بعض الأنظمة على التصرف بطرق غير متوقعة.

من التدقيق الحكومي إلى التدقيق المؤسسي

المعادلة الجديدة التي تظهر في واشنطن تقوم على البحث عن نموذج رقابي لا يخنق الابتكار، لكنه في الوقت نفسه يمنع شركات التكنولوجيا من أن تكون الجهة الوحيدة التي تقيم المخاطر التي تنتج عن أنظمتها.

وهنا يظهر دور شركات التدقيق والاستشارات الكبرى.

وبحسب التقرير، يجري العمل على تطوير قدرات جديدة للتدقيق في القرارات والعمليات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مع توجه نحو زيادة إمكانية التتبع والمساءلة البشرية.

لكن هذا النموذج يثير بدوره سؤالًا أساسيًا، وهو ما إذا كانت شركات التدقيق الكبرى قادرة على توفير رقابة مستقلة بالقدر الكافي عندما يتعلق الأمر بشركات التكنولوجيا العملاقة.

خبراء في الذكاء الاصطناعي 
خبراء في الذكاء الاصطناعي 

الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة أكثر حساسية

المخاوف التي دفعت خبراء السلامة إلى التحذير من الذكاء الاصطناعي لم تعد نظرية بالكامل.

فخلال الأشهر الأخيرة، ظهرت أنظمة قادرة على تنفيذ مهام أكثر تعقيدًا، بما في ذلك تحليل البرمجيات واكتشاف نقاط الضعف وتنفيذ سلسلة من الإجراءات بصورة شبه مستقلة.

وأثارت إحدى الحالات المرتبطة بأنظمة الذكاء الاصطناعي مخاوف بعد استخدام وكلاء آليين في محاولة لاختبار أنظمة حكومية وشركات.

كما أشارت «واشنطن بوست» إلى أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة أصبحت أكثر قدرة على العمل باستقلالية، وهو ما يرفع أهمية وجود آليات للتقييم والرقابة قبل طرحها على نطاق واسع.

هل تتراجع أولوية السلامة أمام سباق التكنولوجيا؟

المشكلة التي تواجه واشنطن حاليًا تتجاوز الخلاف بين تيارين سياسيين أو اقتصاديين.

فالولايات المتحدة تخوض سباقًا عالميًا للحفاظ على ريادتها في الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في مواجهة الصين، وهو ما يجعل الإدارة الأمريكية حريصة على عدم فرض قيود يمكن أن تبطئ تطوير التكنولوجيا.

في المقابل، يرى خبراء ومؤسسات مجتمع مدني أن سرعة التطور تجعل ترك عملية الرقابة للصناعة وحدها أمرًا يحتاج إلى تدقيق مستمر.

وبين هذين الاتجاهين، تتحول مسألة سلامة الذكاء الاصطناعي إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية في السياسة التكنولوجية الأمريكية.

معركة على من يملك الخبرة

يرى المدافعون عن مجتمع سلامة الذكاء الاصطناعي أن استبعاد المتخصصين الذين أمضوا سنوات في اختبار النماذج المتقدمة قد يؤدي إلى فقدان خبرات لا تتوافر بسهولة لدى المؤسسات التقليدية.

وفي المقابل، يطالب منتقدون بأن تكون عملية التدقيق أكثر مهنية واستقلالية، وأن تتولاها جهات متخصصة في المراجعة والتدقيق، بدلًا من المنظمات التي ترتبط فكريًا أو ماليًا بقطاع الذكاء الاصطناعي.

وهكذا تحولت القضية من سؤال تقني إلى معركة حول تعريف «الاستقلالية» نفسها، ومن يملك المؤهلات اللازمة للحكم على سلامة أنظمة يمكن أن يكون لها تأثير واسع على الاقتصاد والمجتمع والأمن.

من يحاسب شركات الذكاء الاصطناعي؟
من يحاسب شركات الذكاء الاصطناعي؟

إلى أين تتجه المعركة؟

من الصعب فصل مستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة عن السباق الاقتصادي والتكنولوجي العالمي.

فالإدارة الأمريكية تريد الحفاظ على سرعة الابتكار، بينما يطالب خبراء ومشرعون ومؤسسات مدنية بمزيد من الشفافية والرقابة.

وفي ظل هذا التناقض، يبدو أن النموذج الذي سيتشكل خلال الفترة المقبلة قد يجمع بين الرقابة الحكومية، والتدقيق المستقل، والمسؤولية المباشرة للشركات المطورة.

لكن السؤال الأكبر سيظل قائمًا، وهو: من يراقب من؟

فكلما ازدادت قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على اتخاذ قرارات وتنفيذ مهام بصورة مستقلة، أصبحت الإجابة عن هذا السؤال أكثر أهمية من مجرد تحديد الجهة التي تطور التكنولوجيا.

معركة الذكاء الاصطناعي

تكشف التطورات الأخيرة في واشنطن أن معركة الذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة جديدة.

فبعد أن كان خبراء السلامة يحاولون إقناع العالم بخطورة بعض السيناريوهات المستقبلية، أصبحوا اليوم جزءًا من معركة سياسية ومؤسسية حول مستقبل الرقابة على التكنولوجيا.

وبين إدارة ترامب التي تريد الحفاظ على سرعة الابتكار، وحلفائها الذين يدفعون باتجاه دور أكبر للشركات والمؤسسات المهنية في عمليات التدقيق، وخبراء السلامة الذين يطالبون بالحفاظ على دورهم في تقييم المخاطر، تتشكل ملامح معركة قد تحدد شكل تنظيم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة.

والنتيجة لن تحدد فقط من يراقب شركات الذكاء الاصطناعي، وإنما قد تحدد أيضًا مدى قدرة العالم على مواكبة تكنولوجيا تتطور بسرعة أكبر من القواعد الموضوعة لتنظيمها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة