حرب الاستنزاف تعيد بناء الثقة وتمهِّد لنصر أكتوبر.. بالتحدي والردع
اشتباكات يومية.. قصف مكثف.. وعمليات خاصة تكبّد الجيش الإسرائيلي خسائر كبيرة
حائط الصواريخ .. نقطة تحول كبيرة أسهمت في نجاح العبور العظيم
استشهاد الفريق عبد المنعم رياض على الخطوط الأمامية للقتال أثناء حرب الاستنزاف
بدأت المرحلة الرئيسية من حرب الاستنزاف في مارس 1969، عندما أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بدء المعركة الشاملة لاستنزاف القوات الإسرائيلية على جبهة قناة السويس، لتدخل المواجهة مرحلة أكثر شراسة، اعتمدت فيها القوات المسلحة المصرية على القصف المدفعي المكثف، والاشتباكات اليومية، والإغارات والعمليات الخاصة، بهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بالجيش الإسرائيلي واستنزاف قدراته البشرية والمادية والعسكرية.
تُعتبر مرحلة الاستنزاف التحدي الأهم والأعنف في مراحل الحرب، وقد بدأت رسميًا في مارس 1969، عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر بدء المعركة الشاملة لاستنزاف القوات الإسرائيلية على جبهة قناة السويس. وفي هذه المرحلة، انتقلت مصر من العمليات المحدودة إلى حرب واسعة، اعتمدت على القصف المدفعي المركز، والاشتباكات اليومية، والعمليات الخاصة المكثفة، بهدف إنهاك الجيش الإسرائيلي ماديًا وعسكريًا ونفسيًا.
وافتتحت مصر هذه المرحلة بقصف مدفعي هائل على طول الجبهة في الثامن من مارس 1969، واستمر القصف لساعات طويلة، مسببًا خسائر كبيرة في المواقع الإسرائيلية شرق القناة. وفي 9 مارس 1969، استشهد رئيس أركان الجيش المصري، الفريق عبد المنعم رياض، أثناء وجوده في الخطوط الأمامية لمتابعة نتائج القتال، مما جعله واحدًا من أبرز رموز حرب الاستنزاف والشهادة العسكرية في التاريخ المصري الحديث. وتخليدًا لذكراه، جرى اختيار تاريخ استشهاده ليكون يوم الشهيد في مصر، الذي يُحتفل به في 9 مارس من كل عام.
تميزت مرحلة الاستنزاف أيضًا باستخدام تكتيكات قتالية متنوعة، حيث كثفت القوات المصرية عمليات القصف المدفعي، والكمائن، والإغارات الليلية، وعمليات العبور المحدودة خلف خطوط العدو. كما لعبت قوات الصاعقة دورًا مهمًا في ضرب المواقع الإسرائيلية وإرباك تحركاتها. وفي المقابل، ردت إسرائيل بغارات جوية مكثفة على العمق المصري، مستهدفةً مواقع عسكرية ومدنية، بهدف الضغط على القيادة المصرية وإضعاف الروح المعنوية.
حائط الصواريخ
ورغم التفوق الجوي الإسرائيلي آنذاك، نجحت مصر تدريجيًا في بناء شبكة دفاع جوي قوية عُرفت لاحقًا باسم «حائط الصواريخ»، والتي شكلت نقطة تحول كبيرة في ميزان القوى، فقد ساهمت بطاريات الصواريخ المصرية في الحد من حرية الطيران الإسرائيلي، وأسقطت عددًا من الطائرات المعادية، مما مهد لاحقًا للنجاح الكبير الذي تحقق في حرب أكتوبر 1973.
كما حققت مرحلة الاستنزاف أهدافًا استراتيجية مهمة، إذ أجبرت إسرائيل على تحمل خسائر بشرية ومادية متواصلة، وأثبتت أن بقاء الاحتلال لن يكون بلا ثمن، كذلك منحت هذه المرحلة الجيش المصري خبرة قتالية حقيقية في إدارة المعارك الحديثة، وساعدت على إعداد الجنود والضباط نفسيًا وعمليًا لمعركة التحرير القادمة.
وانتهت حرب الاستنزاف رسميًا بوقف إطلاق النار في أغسطس 1970، ضمن مبادرة روجرز، لكن آثارها العسكرية والسياسية استمرت لسنوات. فقد نجحت مصر في تحويل حالة الانكسار إلى مرحلة إعداد واستعادة للثقة، وأصبحت حرب الاستنزاف المدرسة الحقيقية التي أسهمت في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية ومهدت الطريق لتحقيق نصر أكتوبر 1973.