رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

حقيقة الجماعة.. يكشفها كاتم أسرار البنا

عمرو عبد الحافظ
عمرو عبد الحافظ

أسس حسن البنا جماعة الإخوان في الإسماعيلية عام 1928، بطريقة علنية قانونية، ثم نقل مقرها الرئيس إلى القاهرة مطلع الثلاثينيات، وافتتح لها فروعا ومكاتب في أنحاء القطر المصري..وخلال سنوات طويلة كَتَب البنا كثيرا عن أفكار جماعته وأهدافها، ولكنه تعمد كتمان حقيقتها الكاملة عن الناس.. وفي رسالة له عنوانها "بين الأمس واليوم" صدرت عام 1941 خاطب البنا جموع الإخوان مؤكدا أن أفكار جماعته ما تزال مجهولة لا يعرفها كثير من الناس، متوقعا أن تَلقى منهم رفضا قاطعا إذا ما تكشفت أمامهم.

قَسّم البنا خطته إلى ثلاث مراحل، بحسب ما جاء في كتاباته؛ مرحلة التعريف لنشر أفكار عامة بين الجماهير، ومرحلة التكوين لانتقاء عناصر تنضم للجماعة وتلتزم تجاه قيادتها بالسمع والطاعة، ومرحلة التنفيذ لدفع هذه العناصر المنتقاة إلى تحقيق أهداف الجماعة.

في مرحلة التعريف يعلن البنا عن جزء يسير من أفكار الجماعة، وفي مرحلة التكوين يكشف جزءا آخر بشكل سري أمام العناصر المنتقاة وحدها، ويتدرج في كشف أفكاره وأهدافه الحقيقية للعناصر المنتقاة بحسب استعداد هذه العناصر لقبول أفكاره والتسليم بها.

من أجل ذلك أَسْسَّ البنا تنظيمين أثنين داخل جماعة الإخوان، تنظيما معلنا سماه "النظام العام"، وتنظيما سريا سماه "النظام الخاص"، وكشفت أدبيات الجماعة الصادرة بعد مقتل البنا عن وجود درجتين من التصعيد داخل الجماعة في ذلك الوقت، تتطلب الأولى أداء قَسَمِ البيعة للانضمام للتنظيم المعلن، بينما تتطلب الثانية أداء قَسَمٌ بيعة أخرى بطقوس سرية خاصة للانضمام إلى التنظيم السري، ومن بين الطقوس الخاصة أن يؤدي العنصر المختار قسم البيعة على مصحف ومسدس فى غرفة مظلمة تماما وأمام رجل مجهول.

كان البنا مُوَزَعا بين رغبتين متناقضتين في كثير من الأحيان؛ رغبة في كتمان أفكاره وأهدافه الحقيقية، ورغبة أخرى في طمأنة أتباعه المتحمسين لسرعة التنفيذ.

في رسالة "المؤتمر الخامس" يؤكد البنا لأتباعه أنه لن يُقْدِم على تنفيذ مخططه إلا بعد تجهيز ثلاثمائة كتيبة مُعَدة إعدادا خاصا، ويجيب بشكل مرواغ عن مدى نية الإخوان استخدام القوة لتحقيق أغراضهم، فتارة يؤكد أن الإخوان لا يؤمنون بالثورة ولا يفكرون فيها، وتارة يؤكد أن الإخوان سوف يستخدمون القوة حيث لا يجدي غيرها.

وفي أكتوبر عام 1952، بعد ثلاثة أشهر فقط من قيام حركة الضباط الأحرار ونجاحها؛ كتب أحمد أنس الحجاجي، سكرتير البنا وكاتم أسراره، كتابا صغيرا بعنوان "الرجل الذي أشعل الثورة" كشف الحجاجي في كتابه جانبا مما كان يدور في الغرف المغلقة، وأماط اللثام عن أفكار البنا الحقيقية التي اجتهد في إخفائها طوال حياته، وكان الإخوان قد ظنوا أنهم سيقطفون دون غيرهم ثمرة حركة الضباط الأحرار، فانطلق الحجاجي يحكي آمنا أسرار الجماعة التي ائتمنه عليها مؤسسها.

في عام 1937 سعى الحجاجي، بحسب ما أورد في كتابه، إلى لقاء البنا ليتعرف منه أفكار الجماعة ويتأكد من مطابقتها لقناعاته، واشترط عليه الصراحة المطلقة في عرض أفكاره الحقيقية دون تجمّل، وصارحه البنا بأن جماعته تريد أن تقلب أوضاع البلد كلها من الفرد إلى الحاكم ومن البيت إلى الحكومة، ويستغرب الحجاجي ويقول: "لكنكم لم تقولوا ذلك"، فيجيبه البنا: "ولن نقوله الآن إلا لأمثالك ممن نريد أن نربيهم تربية خاصة، فلم نقل لأن هناك قوانين تحاكم على مثل هذا القول وتسجن من يقول به".

يسهب البنا في عرض خطته أمام الحجاجي، ويوضح له أنها متدرجة ذات مراحل، مؤكدا ضرورة مرورها بمرحلة "الإبلاغ والنذير" التي تتطلب الهدوء والمرونة والسرية، قبل أن تخرج للناس "لهبا مستعرا لا تطفئه مياه أنهار وبحار الدنيا كلها".

لا تشبع كلمات البنا رغم وضوحها نَهَمَ الحجاجي، ويشترط عليه أن يبايعه ولكن على "الدم"، فيرحب به البنا: "تعال؛ فإننا نبحث عنك وعن أمثالك"

وفي لقاءات تالية يؤكد البنا للحجاجي المعاني نفسها، ويطمئنه إلى أن كتمان الحقيقة الآن ومهادنة النظم القائمة "إن هو إلا مراودة لها وترويض، نستعد به للوثبة الفاصلة".

يشرح البنا للحجاجي خطواته المتدرجة: "يجب أولا أن نوقظ أفكار الناس عامة، ونختار من هذا خلاصة نافعة نلقنهم أفكارنا، ثم نختار من هؤلاء خلاصة نربيهم تربية خاصة"، ويؤكد اعتماده منهج السرية والإخفاء: "ولكن ليس من السياسة ولا من العقل أن نكشف أوراقنا للناس".

بعد أكثر من عشر سنوات على تأسيس الجماعة، بدأ البنا سرا تأسيس "النظام الخاص" من عناصر انتقاها من بين أعضاء "النظام العام"، عناصر لديها استعداد مطلق لتنفيذ ما يطلب منها دون نقاش، ولهؤلاء وحدهم كتب رسالة "التعاليم" عام 1938، وسماهم فيها "الإخوان المجاهدين"؛ ليشكلوا الجماعة العميقة التي أرادها البنا، والتي من أجلها صنع تنظيما معلنا كستار يخفي التنظيم الحقيقي وأهدافه السرية.

كشفت كتابات لاحقة لبعض قيادات النظام الخاص، أمثال محمود الصباغ وأحمد عادل كمال، أن أعضاءه كانوا يتدربون على استخدام كافة أنواع الأسلحة والمفرقعات، وأنهم كانوا يتدربون على التجسس وجمع المعلومات، وأنهم رصدوا بالفعل تحركات قيادات الأحزاب السياسية، وزرعوا عملاء لهم في بعضها.

تورط النظام الخاص في عدد من حوادث الاغتيال، أشهرها اغتيال القاضي أحمد الخازندار ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، وفي كل مرة تعلن الجماعة أن أفرادها ارتكبوها دون موافقة قيادتها، وكان البنا حريصا على التكتم حتى النهاية، ووصلت به المناورة إلى أن تبرأ من قتلة النقراشي، وكتب بيانا قال عنهم فيه إنهم ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين، وأسقط في يد عبد المجيد حسن قاتل النقراشي عندما قرأ البيان، وأدلى باعترافات تفصيلية تثبت تورط الجماعة بأكملها في حادث الاغتيال. وفي كتابه "حقيقة النظام الخاص" يأسف محمود الصباغ لأن عبد المجيد لم يفطن إلى أن بيان مؤسس الجماعة كان مجرد تقية.

كان محمود فهمي النقراشي قد أصدر قرارا بحل جماعة الإخوان ومصادرة أموالها في ديسمبر عام 1948، بعد أن عثرت الأجهزة الأمنية على أوراق النظام الخاص، فيما يعرف بقضية السيارة الجيب، وكشفت بها المخطط الحقيقي للجماعة، ونجح الإخوان في قتل النقراشي بعد عشرين يوما فقط من قرار حل الجماعة، وانطلق البنا محاولا إعادة التنظيم المنحل، مستخدما التقية والمناورة والإنكار، وأصدر بيانا ينعى فيه النقراشي ويمتدح وطنيته، ثم أصدر بيانا آخر يتبرأ فيه من الإخوان الذين حاولوا نسف محكمة الاستئناف لإتلاف أوراق القضايا التي تورطت فيها الجماعة، وحاول البنا بكل السبل الخروج بجماعته من عنق الزجاجة التي وضعها فيها، وتبين له أن خطته التي اجتهد لإخفائها قد انكشفت، لكن الرصاصات التي اغتالته في فبراير عام 1949 لم تمهله.

غادر البنا دنيا الناس بعد أن أقنع أتباعه بضرورة السعي إلى الحكم، وبضرورة امتلاك أدوات القوة اللازمة لذلك، وبعد أن أرسى لهم استراتيجية التدرج والسرية والمناورة، ومن ثم يصبح العنف هو المسار المعتمد عند جماعة الإخوان، يجهزون أدواته في سرية تامة، يكمن إذا كانت الظروف غير مواتية، ويطفو على السطح في الوقت الذي تراه الجماعة مناسبا، مع عدم الإعلان عن تبنيه مطلقا، بل والتبرؤ من مرتكبيه إذا لزم الأمر.

بعد ثورة 30 يونيو عام 2013 شكلت الجماعة ما سمته داخليا "لجان العمل النوعي"، وهو الاسم المستحدث للنظام الخاص الذي سبق أن أسسه حسن البنا، ووضعت له أسماء علنية مختلفة ومزيفة وخادعة، مثل: المقاومة الشعبية، والعقاب الثوري، وحركة حسم، وبدأت في تنفيذ عدد من العمليات الإرهابية والاغتيالات، وحرصت على نفي صلتها بتلك الحركات والعمليات، مدعية عند اللزوم خروج المتورطين فيها عن منهج الجماعة وارتكابهم العنف بصورة فردية بعيدا عن قيادات الجماعة..تماما كما فعل حسن البنا بعد اغتيال الخازندار والنقراشي.

باتت خطة الجماعة الحقيقية مكشوفة، ولن تنطلي مناوراتها على الشعب المصري بعد اليوم.

(باحث في الإسلام السياسي)

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة