المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

رواية بين العطر والنغم (٩) 

كتبت أماني عطاالله


إقرأ أيضاً

التعليم: امتحان ورقى بجميع المواد بديل البحث لطلاب النقل قبل بدء الدراسة
التموين تعديل مواعيد عمل المخابز في رمضان
حسن راتب يتقدم بالشكر لـ محمد الباز بعد إعلان رحيله عن ٩٠ دقيقة
ابنة عمرو دياب تثير الجدل من جديد مع صديقاتها
طارق شوقى يوجه رسالة الى جميع طلاب مصر فى الداخل والخارج
اسرار القبض على الدكتور تشارلز ليبر من قبل السلطات الامريكية

الحلقة التاسعة من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...


لم يكن تعلُّم الطهو مأساة كما تخيلت خاصة بعد الاهتمام الخاص الذي أظهره لها ستيفن رئيس الطُهاه.. ربما لأن آسر أخبره بأنها لا تفقه شيئًا عن الطهو بل وتكرهه أيضًا.. وبأنها لم تأتِ إلى هنا إلا تحت ضغط منه.

أخرجت في سعادة طاجن الدجاج بالخضار من الفرن وراحت تشم رائحته في نشوة قبل أن تتوجه به إلى حيث وقف ستيفن يقدم بعض نصائحه وإرشاداته إلى زميلة أخرى لا تختلف عنها كثيرًا في عدم الخبرة.. 

تقدم منها ستيفن مبتسمًا قبل أن يغرس شوكته في الصينية التي تحملها قائلًا:
-    نُضجه ممتاز.. الخضار.. وكذلك لحم الدجاج.
هتفت وهي تنظر إليه في ترقب:
-    تذوقه وأخبرني.
وضع قطعة من لحم الدجاج في فمه وراح يمضغها ببطء قبل أن يتناول أيضًا قدرًا من الخضار.. ضاقت عيناه وهز يده بطريقة أثارت قلقها قبل أن تنفرج شفتاه عن ابتسامة صائحًا في حماس:
-    بداية رائعة.
قفزت حتى كاد الطعام يتساقط من الطاجن أرضًا وهي تهتف في سعادة: 
-    نجحتُ إذًا. 
-    والآن عليكِ بطبق الحلوى.
أسرعت لإعداد الطبق الذي اختاره لها.. كان نوعًا بسيطًا من الكيك بالفواكه.. اندمجت في إعداده وهي تراقب خلسة نجاح زميلاتها في تحضير وجباتهن.. حتى زملائها من الرجال تمكنوا أيضًا من صنع المطلوب منهم بجدارة.. 
شعرت بالدهشة عندما جاء آسر لاصطحابها إلى المنزل.. فهتفت غير مصدقة:
-    تخيل أنني لم أشعر بمضي الوقت..!
-    جيد.
قاد سيارته مبتسمًا وهو يلتفت إليها من حين لآخر ليراقب وجهها المتهلل فرحًا وهي تقص عليه مغامرتها اللذيذة في إعداد طبق الدجاج بالخضار.. وكيف منحته التوابل والبهارات التي أضافتها تحت توجيه ستيفن رائحة ومذاقًا شهيًا.. وكيف أثنى ستيفن على مذاقه ونضجه..
-    ستيفن كان فخورًا بي.. يا له من معلم رائع.. لولا أسلوبه السلس ومرونته وتفهمه.. ما كنتُ تمكنتُ من تحضير طبق مثله بهذه السرعة.. سوف أعده لكَ ثانية ما إن نعود إلى المنزل.. ولكن علينا أولًا أن نذهب للتسوق. 
توقفت عن الثرثرة عندما توقف فجأة أمام أحد المطاعم.. ولكنها ما لبثت أن عادت تهتف ساخطة:
-    يبدو أنكَ لا تثق في قدراتي بعد. 
-    بل أثق بكِ يا حبيبتي كل الثقة. 
سألته متجاهلة اللقب الذي نعتها به وأزعجها:
-    لماذا توقفت هنا إذًا؟
-    لأنني جائع جدًا.. لن يمكنني الانتظار حتى نتسوق ثم نعود للمنزل لإعداد وجبتك اللذيذة.. سأجربها في العشاء.
-    ولكنها ستكون دسمة بالنسبة للعشاء.
-    حسنًا.. سوف نتسوق اليوم ونجربها غدًا.. شرط أن تُعدي لها من الليلة.
عادا أخيرًا إلى المنزل.. حمل معها مشترياتها إلى المطبخ عابسًا قبل أن يصعد إلى غرفته طلبًا لبعض الراحة.. عجبًا لماذا أرهقه التسوق لهذا الحد..؟ أليس هو من طلب منها تعلم الطهو..؟!
راحت تنظف الخضار وتجهزه في حماسة لوجبة الغد.. كذلك غسلت اللحوم وتبلتها حتى تكتسب النكهة المحببة.. رتبت ما أحضرته من السوق في عناية ولذة لم تشعر بها من قبل.. وقفت تتطلع لما حولها بعيون جديدة.. وكأنها المرة الأولى التي تدخل فيها المطبخ.. أحضرت دفترًا صغيرًا لتدون فيه ما ينقص مطبخها من توابل حتى توفره في أقرب فرصة.. ربما عليها أن تطلب من آسر أن يذهبا غدًا للتسوق مرة أخرى.
كانت قد انتهت من عملية الجرد كاملة عندما استيقظ آسر أخيرًا من قيلولته.. هتف في إشفاق:
-    حبيبتي.. ألم تنتهي بعد؟
ها هو يكرر اللقب ذاته على مسامعها من جديد.. اللقب ذاته الذي أطلقه على أماندا منذ أيام قليلة وهو يجالسها في غرفة مكتبه.. 
قالت هربًا من أفكارها: 
-    سأعد لكَ كعكة رائعة.   
-    ليس اليوم فأنتِ مرهقة.
-    أنا لستُ مرهقة.. ثم أن ستيفن سوف يمتنحنني في صنعها غدًا.
هز رأسه في استسلام وهو يبتسم قائلًا:
-    كما تشائين.  
***

في اليوم التالي ما إن عادا للمنزل حتى أسرعت إلى المطبخ لتضع الصينة التي أعدتها منذ أمس في الفرن الكهربي قبل أن تذهب لتبدل ملابسها.. ما إن اغتسل آسر وبدل ملابسه حتى كانت وجبتها قد نضجت.. وضعتها أمامه في فخر.. بادلها الابتسام وهي تملأ صحنه قائلة:

-    ما رأيك؟
قال قبل أن يتذوقها:
-    رائعة مثلك.

لكنه ما إن وضع الملعقة في فمه حتى دمعت عيناه وسال أنفه وتخضب وجهه وكأنه يحترق.. هتفت في قلق:
-    ماذا حدث؟
عض على شفتيه قبل أن يغمغم بصوت مختنق:
-    حارة جدًا.
-    عُذرًا.. لم أكن أعلم أنكَ لا تحب التوابل الحارة.
-    الأمر ليس كذلك. 
-    ما الأمر إذًا؟
-    أكثرتِ منها.
-    كلا.. فهو نفس المقدار الذي قرره ستيفن في التمرين أمس.. وأعجبه مذاقه كثيرًا. 

ارتشف بعضًا من كوب الماء أمامه وقال لاهثًا:
-    أعجبه..! ربما علينا البحث عن معلم آخر. 
وضعت بعضًا من الطعام في فمها وما لبثت أن سعلت وترقرق الدمع في عينيها كما حدث معه قبل أن تهتف مستنكرة:
-    كلا.. لم يكن هكذا أمس.

تطلع إليها بوجه لم يتعافَ تمامًا بعد.. عندما شهقت فجأة في خجل قائلة:
-    يا إلهي.. لقد حدد استيفن هذا المقدار لعشرة طلاب وليس لواحد فقط.
ابتسم آسر في مرارة قائلًا:
-    عشرة أضعاف التوابل الحارة.. ولكن.. لا بأس بالنسبة للمرة الأولى. 

تطلعت إليه في مزيد من الخجل فأردف مواسيًا: 
-    يمكنك التنبه للمقادير في المرة القادمة.
لم يمض أسبوع آخر على انتظامها في حضور دروس الطهو حتى اعترف آسر بمهارتها التي باتت واضحة في إعداد الطعام وتنسيقه فوق المائدة.. حتى قدرتها في صنع المشروبات تحسنت كثيرًا.. كان سعيدًا بها.

لكن ما أسعده بالأكثر هو عدم مطالبتها له بتعلم الموسيقى.. هل يعني ذلك بأنها لم تعد تفكر في ذلك العازف؟  
***

كانت متعبة فلم تذهب لدروس الطهو.. جلست تستمتع بمشاهدة التلفاز.. عاد من عمله وما إن تنبهت إلى وجوده حتى أسرعت تحول المحطة قبل أن تنهض على عجل قائلة: 
-    سوف أنتهي من إعداد المائدة حالًا.. مضى الوقت من دون أن أدركه.
تطلع إليها في دهشة وهمَّ أن يعلق بشيء ما ولكنها كانت قد اختفت من أمامه.. ما الذي يزعجها إلى هذا الحد..؟ ما زال أمامها وقت كافٍ..!  

أمسك بـ "الريموت" في حركة غريزية وضغط أحد أزراره ليعيد القناة التي كانت تشاهدها قبل مجيئه.. كان حفلًا موسيقيًا مسجلًا من دار الأوبرا المصرية.. هز رأسه مبتسمًا.. هذه الحمقاء.. هل تظنه يكره الموسيقى بالفعل..؟!
مشاعره نحو ذلك العازف شيء والموسيقى شيء آخر.. لابد أن يدعوها قريبًا لحضور حفلًا موسيقيًا في أكبر دور الموسيقى في لندن.. دار الأوبرا الملكية.. نعم سوف يأخذها إلى هناك.. بل ربما يفكر جديًا في إلحاقها بأحد المعاهد الموسيقية لتكمل دراستها إن أرادت.. 
كيف تظنه كارهًا للموسيقى إن كانت نغماتها هي أول ما جذبه إليها..؟!
 قطب حاجبيه فجأة وهو يقترب من شاشة التلفاز حتى كاد أن ينفذ إليه غاضبًا.. إنه هو إذًا من كانت تنظر له بكل تلك اللهفة.. من كانت تنصت إليه بكل مشاعرها.. من حملها إلى ذلك العالم الذي رآها هائمة فيه منذ قليل.. 
عازف الغيتار اللعين..!
المخبر الخاص الذى أرسله إلى مصر لتقصِ أخباره أحضر له عددًا من صوره.. لحيته التي يبدو أنه أطلقها مؤخرًا لم تُغير من شكله كثيرًا.. 
صوره يومها لم تُرهبه.. لم تُشعره بأنه غريم يستحق الاهتمام والقلق.. بل أن مشاعره حينها قد انحصرت في السخط على قلبها المراهق وهو ينظر فى اشمئزاز إلى شعره الطويل الذي يربطه خلف ظهره كالنساء..!
ولكن إحساسه به الآن عنيف مدمر.. غريمه مُختلف.. ليس بسبب لحيته.. بل لأنه أصبح يملك روحًا.. أصبح حيًا .. لم يعد صنمًا جامدًا كما كان فى صوره.. الآن هو يتنفس ويتحرك.. يستطيع أن يبثها عشقه وأشواقه.. إن لم يكن بلسانه.. فـ بعينيه.. بل بـ موسيقاه أيضًا.. 
نعم.. إنه يكره الموسيقى عندما يمثلها ذلك الرجل..!  
استدار يحدق فيها غاضبًا.. ألهذا تغيبت عن درس الطهو اليوم؟ هل كانت تعلم بموعد بث هذا الحفل..؟ ومن ذا الذي أخبرها..؟  أمازالت تراسل ذلك العازف رغم تحذيره لها؟
كانت قد انتهت من ترتيب كل الأطباق فوق المائدة.. نظرت إليه في دعوة لم تغادر شفتيها.. نظرات الاتهام الواضحة في عينيه لجمت لسانها.. لم يعد لديها شك في كونه اكتشف أمرها بالفعل.. 
ولكن كيف..؟! 
فهو لم ير رامز من قبل.. هل خمن من يكون بين أعضاء الفرقة الموسيقية..؟ هل كشفه الغيتار الذي يعانقه بدلًا منها؟ 
ولكن من أين له أن يعرف أن هذه الفرقة هي فرقته.. هل كُتبت اسماء العازفين في "تتر" النهاية..؟  
ولكن الحفل لم ينته بعد..! 
أطفأ التلفاز ونهض عابسًا.. لم يقل شيئًا.. بل اتجه إلى غرفته دون أن ينظر إليها.. من الجيد أنه اكتفى بنظراته السابقة..!

انتظرته طويلًا حول المائدة ولكنه لم يأتِ.. هل تأخر بالفعل أم أن توترها واضطرابها أوهماها بذلك.. نظرت إلى ساعة الحائط لتتأكد أنه تأخر بالفعل.. هل يجب ان تذهب إلى غرفته لاستدعائه..؟! 
طرقت باب غرفته في وتيرة تصاعدية ولكنها لم تتلق منه ردًا.. تجرأت وأدارت المقبض لتفتح الباب.. وجدته مُستلقيًا فوق فراشه مغمض العينين.. في كامل ملابسه.. لم يخلع حتى حذائه. 
كان مثالًا للفوضى التي يكرهها..!
لماذا يعقد الأمور بهذه الطريقة مادام يعلم جيدًا بأن زواجه منها مسألة وقت لا أكثر..؟!
ما إن أغلقت الباب حتى فتح عينيه من جديد.. ما الذي يجبره على تحمل أهوائها التي لا تنتهي..؟ إلى متى عليه أن يبقى أسيرًا لذلك الحب اللعين الذي يأبى أن يهدأ؟ لم يتقبل في حياته إهانة وذُلًّا إلا منها..!  تلك التي تتسلى بمشاعره وتتلذذ بجراحه يومًا بعد آخر..!
الخطاب الذي أرسله له والدها الأسبوع الماضي كان كفيلًا بإنهاء كل شيء بينهما.. بتخليصه منها.. بإنهاء مأساته التي تتضخم كلما ظنها قد انتهت. 
أخبره الرجل بأنه يُقدر صنيعه ويشكره على الموقف الرجولي الذي اتخذه معهم رغم ما فعلته ابنته.. أخبره أيضًا بأن الظروف أصبحت سانحة الآن لتقبّل أمر طلاقها إن كان لا مفر منه.. 
هو أيضًا أرسل خطابًا لوالدها يهنئه فيه على تحسن حالته الصحية.. أخبره أن ظروف عمله حاليًا لا تسمح له بالسفر إلى مصر لتوصيلها إلى منزلهم بنفسه.. كما أن رجولته تأبى عليه أن يتركها تسافر بمفردها. 
كان كاذبًا.. لا يوجد ما يعوق سفره إلى مصر.. ليس لديه أية ارتباطات حالية تمنعه من إعادتها لوالديها وقتما شاء.. هو فقط لم يعد يتخيل حياته بدونها.. كيف يعود من عمله ولا يجدها في منزله..؟!
أدمن انتظارها له رغم كل المسافات التى تفصل بينهما.
هي أيضًا فقدت شهيتها للطعام فجمعت الأطباق وأعادتها من حيث أتت بها.. قاومت رغبتها في تشغيل التلفاز لمتابعة حفل رامز في دار الأوبرا.. لربما ظهر آسر أمامها كالشبح كما يفعل دائمًا.
حبيبها يبدو حزينًا مُتألمًا وهو يطلق لحيته.. رغم كونه هذبها ونمقها بطريقة عصرية.. كان يبدو عالميًا.. وسيمًا وجذابًا كما عرفته دائمًا.. شعرت بالغيرة من كل الفتيات اللواتي تمكنَّ من حضور الحفل وتمتعن برؤيته وجهًا لوجه.
تضاعفت نبضاته وهو يستمع إلى خطواتها في الممر.. دخلت غرفتها وأغلقت بابها وكأنها تغلق باب الراحة أمامه.. هل كُتب عليه العذاب بها للأبد..؟!
حاول النهوض لتبديل ملابسه ولكنه شعر بنفسه عاجزًا عن الحركة.. ما الذي يغريها للتعلق بصعلوك متسكع مثله إلى هذا الحد.. ما الذي قدمه لها حتى تنتحر لمجرد أنهم حرموها منه..؟ 
إلى أي مدى تقاربا من بعضهما.. هل يُعقل أن يكون قد ضمها إلى صدره وقبّلها أيضًا.. هل تطور الأمر بينهما لأكثر من ذلك..؟  
هل سمحت له بمعاشرتها جنسيًا وفعلت ما فعلته للتخلص من الفضيحة..؟! 
هز رأسه في عنف ليطرد تلك الظنون الكريهة من رأسه.. لكنها تغولت وتشبثت بمخيلته فلم يستطع نزعها منها.. لماذا سقط والدها مُغشيًا عليه.. بل وكاد يُلفظ أنفاسه ما إن أدرك بأنه ينوي تطليقها..؟
هل كان يعلم بحقيقة ما حدث بينها وبين ذلك العازف المتشرد؟ لماذا لم يوافق إذًا على زواجه منها حتى يتخلص من الفضيحة؟ هل لأنه استشعر منه نوعًا من التحدي والإجبار؟  
أم أغراه عرض والدته له؟ 
ربما ظن فيه ثريًا غبيًا.. هل اعتقد أن سبع سنوات في أوربا أفقدته أصالته التي تربى عليها في مصر.. فلم يعد فارقًا معه إن كانت زوجته بكرًا أو لم تكن؟!
ولماذا يدعوه لطلاقها الآن؟ هل اكتفى بالثلاثة أشهر التي أمضتها معه.. هل وجدها فترة كافية لستر فضيحتها أمام الناس؟ هل اتخذ منه سِترًا؟!
شهقت في ذعر عندما دخل إلى غرفتها عنوة.. كان قد تخلص من ربطة عنقه وفك أزار قميصه العلوية.. ولكنه مازال يرتدي سترته وحذاءه الذى راح يدهس سجادة غرفتها النظيفة في همجية كرهتها.. هي أيضًا قد أصابتها عدوى نظافته التي يبدو الآن وكأنه شُفي منها..!
صدمتها لدخوله إلى غرفتها بهذه الطريقة لم تمكنها من البدء بالحديث معه.. صاح هو والشرر يتطاير من عينيه:
-    إلى أي مدى تطورت علاقتك بذلك العازف؟
غمغمت بصوت مختنق:
-    ماذا تعني؟
-    تفهمين جيدًا ما أعنيه. 
ابتلعت ريقها ولم تعلق.. فأردف ساخطًا:
-    هل سمحتِ له بلمسك؟
الرجفة التى سرت في جسدها غذت ظنونه وشكوكه فيها.. تأملها في ذهول وهي تعض على شفتيها مُنكسة الرأس.. هتف في عدم تصديق:
-    اتخذتني ستارًا إذًا.. كمغفلٍ جعلتِني أحمل عارك. 
-    ماذا تقول؟
-    لهذا انتحرتِ يومها.. خشيتِ أن اكشف أمرك أمام الجميع.. خاصة بعد أن تأخرتُ في الوصول فأدركتِ أنني لستُ ذلك المتيم المستعد لغفران ذنبًا كهذا.. أليس كذلك؟
-    أنت مخطئ.. لم يصل الأمر بيننا لهذا الحد.
-    إلى أي حد وصل إذًا..؟ كيف كان يلمسك..؟ أين توقفت خطوطكِ الحمراء يا زوجتي المصون؟
لم تجد مفرًا من مجابهته حتى لا يتمادى في ظنه السيء بها.. هتفت في تلعثم:
-    بالكاد كان يمسك يدي.. أو أتأبط ذراعه.   
علمت من نظراته بأنه لم يصدقها فأردفت في مزيد من الارتباك:
-    حسنًا.. قبلني أيضًا.
هتف ساخرًا:
-    وبالطبع.. من المحال أن يقبلكِ من دون أن يضمك إلى صدره.
غمغت ساخطة دون أن تجرؤ على النظر إلى وجهه: 
-    لا تضخم الأمور.. ربما تكرر الأمر مرة.. أو.. ربما مرتين. 
-    ربما..!
لف حول نفسه كالمجنون وعبث في شعره بعنف وكأنه عازمًا على اقتلاعه قبل أن يهتف في هيستيريا:
-    وربما ثلاثة.. وربما عشرة.. وربما أفقدكِ أعز ما تملكه الفتاة في لحظة حميمية خارج نطاق الزمان والمكان. 
-    كلا.. هذا لم يحدث.
-    وهل تتوقعين أن أصدقك؟
-    ما الضمانات التي تريدها..؟ أقسم لكَ أنني......
-    لا داعي لقسمك.. سوف أكتشف هذا الأمر بنفسي. 
تراجعت في فزع وهي تراه يتقدم منها.. أزاحته حتى لا يزداد اقترابًا وصرخت في استعطاف:
-    كلا.. هذا الأمر لا يأتي هكذا؟
-    لا تتحدثي وكأنكَ أكثر خبرة مني.. فهذا يزيد من ظنوني السيئة بكِ. 
ابتلعت ريقها وصرخت بصوت مختنق:
-    كلا.. مُحال.. لن أسمح لكَ بالاقتراب مني. 
-    هل عندكِ حل آخر يمكنني من كشف حقيقتك.. عدا دموعك وقسمك؟
برقت عيناها فجأة قائلة:
-    نعم.. يمكننا أن نذهب للطبيب؟
ابتسم في تهكم ولكنها تابعت في عناد وإصرار:
-    عندما يفحصني سيجدني عذراء.. وتخير الطبيب الذي تأتمنه. 
مضت اللحظات كعجوز كسيح يزحف وهو يتطلع إليها ساخطًا مُتذمرًا قبل أن يكتفي أخيرًا ويغادر الغرفة.. التقطت أنفاسها بصعوبة وهي لا تصدق كونها نجت من براثنه.. ولكن إلى متى؟      
لم يمض وقت يُذكر حتى وجدته يعود إلى غرفتها من جديد.. تراجعت لا إراديًا وهي تتطلع إليه فى جزع حاولت إخفاءه.. 
قال بوجه عابس:
-    ارتدي ملابسك.. سنذهب للطبيب كما تريدين.
ابتلعت ريقها بصعوبة أكدت شكوكه مجددًا.. ما الذي يرعبها هكذا..؟  هل ستقر بذنبها الآن..؟  
أخيرًا هزت رأسها في استسلام تعلن موافقتها. 
قال في هدوء مصطنع:
-    سأنتظرك في السيارة.. تعجّلي حتى نستطيع العودة هذه الليلة؟
-    لماذا؟ هل المكان بعيد؟
-    سوف تعرفينه في الوقت المناسب.
***


انتظروا تكملة الرواية أحبائي,


رابط الحلقة الأولى

https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/598319.html

رابط الحلقة الثانية 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/601369.html

رابط الحلقة الثالثة 
https://m.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/604334.html
رابط الحلقة الرابعة 
https://m.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/606895.html
رابط الحلقة الخامسة 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/610556.html
رابط الحلقة السادسة 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/617299.html
رابط الحلقة السابعة
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/617332.html
رابط الحلقة الثامنة
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/617911.html


No



يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق