المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

رواية بين العطر والنغم (٦) 

بقلم - أماني عطاالله


إقرأ أيضاً

التعليم: امتحان ورقى بجميع المواد بديل البحث لطلاب النقل قبل بدء الدراسة
التموين تعديل مواعيد عمل المخابز في رمضان
حسن راتب يتقدم بالشكر لـ محمد الباز بعد إعلان رحيله عن ٩٠ دقيقة
ابنة عمرو دياب تثير الجدل من جديد مع صديقاتها
طارق شوقى يوجه رسالة الى جميع طلاب مصر فى الداخل والخارج
اسرار القبض على الدكتور تشارلز ليبر من قبل السلطات الامريكية

الحلقة السادسة من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...

لم يتغير مزاجه السيء وهو يشاركها الغداء في اليوم التالي.. ملامحه الغاضبة.. كلماته المقتضبة.. نظراته التي كان واضحًا أنها تتحاشاها عمدًا.. 
أصيبت بالخرس.. لم تجرؤ على إخباره بأن الثلاجة لم يعد بها طعام.. 
نظراتها المترددة إليه من حين لآخر لم تخف عنه رغم تظاهره بالعكس.. كقطة مدللة كانت تحاول التمسح به.. راودته رغبة في العفو عنها.. ولكن نظراتها لذلك العازف الشاب عادت تطارده في عنف فزاح كرسيه وترك المائدة ساخطًا. 
مضى يومها أكثر ضجرًا من أيامها السابقة معه.. رغم كونه ظل يتجنبها معظم الوقت مختفيًا في مكتبه.. كان يكفيها نظراته الحادة التي تدميها كلما وقع بصره عليها مصادفة في طريقه للحمام.  
تنفست الصعداء وهي تندس في فراشها أخيرًا.  
استيقظت في الصباح وهي تشعر بأن أحدًا يراقبها.. نهضت فزعة ومسحت عينيها بكلتا يديها.. ليس كابوسًا إذًا.. كان يقف قريبًا من سريرها بالفعل.. منذ متى وهو يتطلع إليها بهذه الطريقة..؟
جلست ترتعد بعد أن تنبهت إلى قميصها القصير الذي لا يستر من جسدها شيئًا يُذكر.. حانت منها التفاتة إلى الأغطية التي كومنتها فوق السرير الآخر بعد أن شعرت بالحر ليلة أمس.. وضعت راحتيها فوق صدرها وهتفت بانفعال:
-    ماذا تفعل هنا؟
أجابها مُتهكمًا:  
-    هذا منزلي.
قالت ساخطة:
-    وهذه غرفتي.. التي تكرمت وخصصتها لي. 
قال وعيناه أسيرة سيقانها البضة الناعمة كتلك التي لطفلة صغيرة:
-     ارتدي ملابسك والحقي بـ روث في المطبخ.
-    روث...؟!
-    الطاهية التي حدثتكِ عنها.
هزت رأسها متفهمة قبل أن تنهض كالإعصار لتهرب من نظراته الوقحة. 
عندما وصلت إلى المطبخ لم يكن قد غادر إلى عمله بعد.. كادت تهتف فزعة عندما فوجئت به يحيط خصرها بذراعه قائلًا:
-    ما رأيكِ في عروسي يا روث؟
تهلل وجه روث قائلة:
-    جميلة يا آسر بك.. أتمنى لكما السعادة من كل قلبي.
ابتسمت ناردين للمرأة الشابة في امتنان.. كانت روث في بداية الثلاثينات.. ذات قوام ممشوق ووجه مشرق ببشرة وردية.. شعرها بني اللون أملس تجمعه خلف رأسها في شكل ذيل حصان طويل.. عيون خضراء واسعة.. كانت جميلة حتى أن ناردين شعرت بالدهشة لقبولها بعمل كهذا..!
التفتت إلى آسر متصنعة ابتسامة وقد لاحظت في ارتباك لمساته التي ازدادت ضغطًا وتملكًا.. ما الذي يريده بالضبط؟!  
اتسعت عيناها تحذيرًا عندما تركزت نظراته المتوهجة فوق شفتيها.. اتسعت ابتسامة روث أيضًا وأحنت رأسها خجلًا.. جذبها خارج المطبخ.. كاد قلبها أن يتوقف ولكنهما ما إن أصبحا بعيدين عن نظر الفتاة حتى أزاحها في لامبالاة قبل أن يمسك بحقيبته ويغادر المنزل.. التقطت أنفاسها بصعوبة.. على أية حال يكفي أنه لم يقبلها بالفعل..!
لا تدري كيف تمكنت روث من صنع كل هذه المأكولات في هذا الوقت القصير.. وبتلك الجودة والطعم اللذيذ أيضًا..!  
تذكرت سائق سيارته.. هو أيضًا كان يجيد أداء عمله إلى حد الإتقان.. يبدو أنه لا يتنازل عن حد معين من الخبرة. 
تنبهت إلى روث التي بدت متلعثمة وهي تهمس في خجل:
-    هل لي أن أطلب منكَ خدمة؟
-    بالطبع. 
-    هذا الطعام يجب أن يبرد قبل أن يوضع في الثلاجة.
تطلعت إليها ناردين في مزيد من التساؤل فأردفت بذات اللهجة المترددة:
-    زوجي ينتظرني لنذهب في نزهة.. اليوم عيد زواجنا الرابع.
ابتسمت دينا في تفهم قائلة:
-    بالطبع يمكنكِ الانصراف.. سأنتظر أنا حتى يبرد الطعام وأضعه في الثلاجة.. شكرًا روث على مجيئك.. أتمنى لكما عيد زواج سعيد. 
هتفت الفتاة في امتنان:
-    أشكرك.. زواج سعيد لكما أيضًا.
توجهت نحو حمام الضيوف لتخرج منه بعد قليل وقد بدلت ثيابها وتعطرت وأطلقت شعرها لينسدل حريريًا حول وجهها الذي زينته السعادة قبل المساحيق القليلة التي وضعتها فوقه.. كانت امرأة مختلفة تمامًا عن تلك التي احتلت مطبخها منذ قليل. 
قالت روث في نبرة أقرب للهمس لشدة خجلها:
-    لا أريده أن ينتظرني أكثر. 
حملت حقيبتها واستعدت للمغادرة ولكنها استدارت فجأة إلى دينا قائلة:
-    ما رأيكِ في مظهري.. هل أبدو......
قاطعتها ناردين ضاحكة:
-    جميلة جدًا.. سوف تبهرينه تمامًا.
اتسعت ابتسامة روث واقتربت لتقبلها قائلة:
-    شكرًا لتعاونك.. أنا ممتنة لكِ كثيرًا.
تبعتها ناردين إلى الباب وظلت تراقبها حتى اختفت عن ناظريها.. أطلقت تنهيدة طويلة.. روث محظوظة رغم ظروفها المادية السيئة.. يكفي أنها تزوجت بمن تحب.. لن تنسى أبدًا بريق عينيها وهي تتحدث عنه في زهو وفخر. 
رامز.. حبيبها.. لو أنها تزوجته الآن لاختلفت حياتها كثيرًا.. لكانت أصبحت أسعد نساء الأرض.. لازالت تتذكر لقاءهما الأخير.. كان كالجحيم.. 
دعاها لمقابلته خلسة بعد أن علِم بنبأ زواجها من آسر.. تنهدت في ألم وهي تسترجع كلماته الحزينة ونظراته الملتاعة وهو يرجوها أن تفعل شيئًا لإيقاف هذه الزيجة.. كان يتحدث في هيستيريا.. طلب منها أن تهرب من المنزل وسوف يتزوجها فورًا.. بل قال أنه على استعداد للزواج منها الآن.. لم يكن يريدها أن تعود إلى المنزل..!   
-    لماذا تقفين هكذا؟
انتفضت عندما رأته أمامها فجأة.. هل سيظل هكذا للأبد.. يظهر كالأشباح من حيث لا تدري؟!  أتراه يستطيع التسلل إلى أفكارها بذات السلاسة..؟
-    ناردين.. ماذا بكِ؟
قالت في تلعثم:
-    كنت أودع روث.
-    هل ذهبت بهذه السرعة؟
-    اليوم عيد زواجها.. زوجها ينتظرها. 
-    عيد زواجها..! ولماذا لم تُخبرني..؟  لكنت طلبت منها الحضور في وقت لاحق. 
-    يبدو أنها تُقدركَ كثيرًا.
-    لا تريد أن تنسى أنني ساعدت سام في الحصول على الوظيفة. 
تقدمته ساخطة عندما دفعها أمامه قائلًا:
-    ادخلي.. لن نمضي اليوم كله نتحدث أمام الباب.
تأففت في ضيق وهي تتذكر روتينه اليومي الذي حفظته عن ظهر قلب.. سوف يذهب ليغتسل ويبدل ملابسه قبل أن يعود ليتناول معها الغداء.. بعدها سيذهب للاسترخاء وأخذ غفوة في غرفته.. ثم يستيقظ ويتجه إلى غرفة مكتبه لينكب على أوراقه حتى يحين موعد العشاء.. إذا تصادف ووجد فراغًا في وقته.. يمضيه في مشاهدة بعض البرامج التليفزيونية المملة التي تزيدها ضجرًا.
***
كانت سعيدة بزيارة روث لهما في الأسبوع التالي.. وكأنها كانت تنتظر هذه الزيارة.. روث تمثل لها الأمل والتحدي.. استمعت مُستمتعة إلى قصة الحب الكبيرة التي جمعتها بـ سام قبل زواجهما.. كافحا طويلًا قبل أن يجدا أخيرًا مسكن صغير يحتضنهما معًا.. لم يكن سام يستقر في عمل واحد قبل أن يساعده آسر بك في الحصول على وظيفة حارس أمن في مؤسسة كبيرة لأحد أصدقائه من كبار رجال الأعمال.. يستطيعان الآن تحصيل مبلغ كبير من المال يدخران معظمه لعمل المشروع الذي يحلمان به منذ زمن.
-    ما هو هذا المشروع؟
أجابتها روث في حماس:
-    سنفتتح مطعمًا. 
ضحكت دينا وهي تتمني لهما التوفيق قبل أن تسألها من جديد:
-    هل لديكما أطفال؟
-    نعم.. صبي واحد.. مارتن.
راقبتها دينا شاردة وهي تؤدي عملها في عشق وإتقان.. بلا تذمر ولا شكوى.. لقد خططت لحياتها مع سام جيدًا ويبدو أنها مستعدة لتحمل بعض الصعاب بصدر رحب حتى تحقق ما تريده.. لا بأس مادامت تتقدم بخطوات ثابتة نحو الهدف. 
هي أيضًا كانت على استعداد للكفاح مع رامز حتى ينجحا معًا.. ولكن أحدًا لم يمنحهما الفرصة.. بل تكاتفوا جميعًا لحرمانها منه.
-    أريد أن أشكر آسر بك.
استدارت إليها دينا التي كانت تغسل الخضار:
-    لماذا؟
-    من أجل هديته لنا في عيد زواجنا.. كانت الأجمل من بين كل الهدايا التي تلقيناها يومها. 
لم يذكر آسر شيئًا أمامها عن هذه الهدية.. ولكنها تصنعت ابتسامة قائلة:
-    من الجيد أنها أعجبتك.
-    وكيف لا تعجبني وهي من أفخر أنواع العطور على الإطلاق..!  الزجاجة التي أهداها لـ سام كانت كذلك أيضًا.   
أنهت روث عملها وجلست تشاركها كوبًا من الشاي.. لا تبدو متعجلة للذهاب هذه المرة.. زوجها لم يعد بعد من عمله.. وطفلها وضعته في حضانة قريبة من مسكنها.. شعرت ناردين بالسعادة وهما تتسامران في ود متبادل.. كانت روث خفيفة الظل واستطاعت بالفعل الوصول إلى قلبها الحزين لتضفي عليه القليل من البهجة.
نهضت روث واقفة عندما عاد آسر من عمله.. بادرها بابتسامة قائلًا:
-    مرحبًا روث.. كيف حالك؟
-    بخير.. انتظرتكَ حتى أشكرك بنفسي على هديتكَ الرائعة. 
-    عيد زواج سعيد.. وأرجو ألا أكون قد أفسدت شيئًا عن جهل.. كان يجب أن تخبريني.
-    تعلم كم نقدرك أنا وسام..لا نستطيع أن نرفض طلبًا لك.
-    أشكرك.. قدمي لـ سام شكري واعتذاري أيضًا.
عندما عاد لتناول الغداء كانت روث قد ذهبت بعد أن رتبت معها المائدة.. جلس يتناول طعامه في شهية كبيرة قائلًا:
-    الطعام الطازج له مذاق آخر.  
هزت رأسها ولم تعلق فأردف بنبرة خبير تغذية: 
-    تخزينه في الثلاجة لا يقلل من قيمته الغذائية فحسب.. بل يُفسد مذاقه أيضًا.
 استمر في الثرثرة طويلًا على عكس عادته.. يبدو أن مزاجه أكثر جنونًا من حالة الطقس في هذه المدينة.. فهو لا يستقر أبدًا على حال واحد.. والمشكلة أنها لا تدري كيف ولا متى يتوجب عليها أن تستعد لعاصفته..!
حاولت أن تغفو مثله.. قيلولة قصيرة قد تعالج ذهنها المشوش.. ظلت تتقلب في فراشها بلا جدوى فنهضت جالسة وما لبثت أن توجهت إلى الشرفة.. السماء الملبدة والرياح التي هبت في غير موعدها كانتا انعكاسًا واضحًا لأعماقها المضطربة.. شعورها بالملل لم يكن يراودها أبدًا من قبل.. الساعات التي كانت تمضيها خلسة بصحبة رامز كانت تمر أسرع من البرق. 
حتى الساعات التي كانت تمضيها بعيدًا عنه.. كانت تبرق أيضًا وهي تستعيد أحداث يومها الراحل معه أوتحيا على أمل لقاء قريب. 
الآن هي في غربة لا تدري متى ستنتهي.. حتى وإن كانت تحيا على أمل اللقاء البعيد.. فهي لا تدري إن كانت ستبقى على قيد الحياة أم ستموت ضجرًا ونكدًا..!
حديثها مع روث أيقظ فيها حنينًا لم تستطع كبحه هذه المرة.. ربما عليها أن تكتب إلى رامز.. صديقتها أرسلت لها خطابًا تُخبرها فيه أن حبيبها يُعاني جرحًا عميقًا منذ ليلة زفافها إلى آسر.. يُفكر في اعتزال الموسيقى..! هل بلغ به الحزن هذا الحد..؟!
لو يعلم أنه والموسيقى واحد فيها.. ما كان فكر في ذلك القرار الغاشم..!  
سوف تكتب إليه حتى يطمئن قلبه.. سوف تتخلص من هذه الزيجة ما إن يستعيد والدها صحته.. ولا تظنه سيمانع هذه المرة من زواجها بمن تحب.. سيكونان معًا عما قريب. 
كل ما عليه هو أن يتحلى بقليل من الصبر وكثير من الحب..!
لم تنم ليلتها بل انتظرت شروق الشمس بصبر نافد.. ما كادت تتأكد من خروج آسر إلى عمله حتى أسرعت تغادر المنزل.. لم يستغرق الوصول إلى مكتب البريد وقتًا يُذكر.. فهو لا يبتعد كثيرًا عن سكنها. 
ابتسمت في نشوة وهي تستنشق نسيم الصباح العليل.. هل حقًا عطره مختلف أم أن شعورها ناجم عن سعادتها بسبب الخطاب الذي وضعته لتوها في صندوق البريد..؟  
لكم كانت تود السير في هذه الطرقات وقتًا أطول لولا النعاس الذي داعب أجفانها فجأة..!
وضعت راحتها فوق شفتيها وهي تتثاءب في كسل.. عليها أن تحصل على قدر من النوم قبل أن يعود آسر من عمله.
فتحت عينيها في ذعر عندما وجدت سيارته أمام المنزل.. ماذا يعني ذلك..؟ لماذا عاد بهذه السرعة..؟  
وهل اكتشف غيابها أم أنه لم يلحظ ذلك بعد؟ 
لا بأس سوف تخبره بأنها ذهبت للتمشية بجوار المزارع القريبة.. لكن.. في هذا الوقت المبكر.. هل سيصدقها..؟!
كان واقفًا في منتصف الردهة وقد تسمرت عيناه فوق الباب الخشبي عندما شعر بها تفتحه.. تصنعت ابتسامة خرجت مرتبكة وهي تقول بصوت أكثر ارتباكًا:
-    صباح الخير.. هل أنهيتَ عملك بهذه السرعة..؟
تجاهل حتى تحيتها قائلًا في خشونة:
-    أين كنتِ؟
-    كنت أتنزه قليلًا بين الخضرة.. الطقس اليوم رائع.
تطلع إليها في ريبة فأردفت بلا وعي:
-    وضعت الخطابات في صندوق البريد ثم ذهـ........
-    خطابات.. أية خطابات؟!
أجابته دون أن تنظر إليه:
-    خطابات كتبتها إلى أبي وأمي. 
شيء ما في صوتها وقسماتها كان كافيًا ليعلم بأنها لم تقُل كل الحقيقة.. هناك ما تخفيه عنه.. ضاقت عيناه وهو يسألها في يقين:
-    ومن أيضًا؟   
  عضت على شفتيها وأدارت ظهرها له قبل أن تغمغم:
-    ولـ رامز.
تلاعب الجنون بملامحه قبل أن يوليها ظهره كما فعلت حتى لا تقرأ الضعف الذي تملكه.. رامز.. هذا رجل.. رجل آخر تعرفه.. لم يكن عزوفها عنه صدفة ولا جهل بحبه لها.. ولا غضب عابر لتأخره في الوصول قبل الزفاف بوقت كافٍ.. بل هناك رجل آخر يشغلها. 
رجلًا عشقته بقدر كرهها له..!
قالت فجأة:
-    ألم تخبرك والدتكَ شيئًا عنه؟
أصابته كلماتها بالمزيد من الجنون.. والدته أيضًا تعلم.. ماذا حدث لهذه المرأة.. هل شاخت إلى الحد الذي أفقدها عقلها.. كيف ترضى له إذلالاً كهذا؟!
عادت تقول وكأنها تبرر موقفها الذي لا تبرير له:
-    أخبرتني إحدى صديقاتي بأنه يتألم كثيرًا بسبب زواجي منكَ.. خشيتُ أن يفكر هو أيضًا في الانتحار. 
استدار ليمسك بها في حدة صارخًا:
-    وماذا عني..؟ هل انتحاري خير لكِ..؟
صاحت في عفوية زادته مرارة:
-    ولماذا تنتحر أنتَ.. وأنتَ لا تعرف الحب؟
تعجبت لكمّ الألم الذي ارتسم فوق ملامحه وهو يتطلع إليها.. هل يعني هذا أنه جرب الحب.. هل انصهرت أجزاؤه الحديدية تحت وطأة نيرانه.. هل عانى شوقًا وهجرًا وحرمانًا..؟!
ومن تلك الآلة الأنثوية التي استطاعت أن تُسقط عملاقًا مثله في حبائلها.. ولماذا لم يتزوجها بالفعل..؟ ربما حتى الآلة لم تستطع تحمل استبداده لها..!
هل يسألها عنه الآن.. هل يستجوبها ليعرف من يكون رامز هذا..؟  ربما كان استجوابه لوالدته أمر أيسر رغم ما سوف ينطوي عليه ذلك من جرح لكرامته وكبريائه.. شفقة والدته عليه خير له من الاستماع إليها وهي تتحدث عنه.. كان على يقين من أنه لن يحتمل...
لو رافقت مفرداتها كلمة حب واحدة.. لو لمح حنينًا يختبئ بين نبراتها.. لو ارتعدت أوصالها ولو بلا قصد لذكرى جمعتهما يومًا.. ماذا سيفعل حينها..؟!  
ربما يقتلها هو أيضًا ولو بلا قصد..!
نعم.. الحديث إلى والدته هو الأهون.. أهون كثيرًا.. يحتاج فقط إلى خيط واحد يقوده إليه.. وهو قادر على تجميع كل الخيوط حتى يخنقه بها.. ربما استطاع التخلص منه.. أو ربما يتخلص من حبه الغاشم لهذه المخلوقة البشعة الغبية التي لا تشعر به..!  
غمغم في غيرة لم يستطع كبحها:
-    كم خطابًا أرسلتِ إليه حتى الآن؟
-    هذا هو الخطاب الأول. 
ظل صامتًا لفترة ظنته فيها يفكر في طريقة للانتقام منها.. دفعها فجأة أمامه قائلًا:
-    هيا بنا إذًا.
شعرت بالفزع.. هل سيقتلها ويلقي بها بين الحقول التي كانت تتنزه فيها منذ قليل ..؟ 
سألته بصوت مرتعد:
-    إلى أين؟ 
-    سوف تستعيدين هذا الخطاب قبل أن يرسلوه إلى مصر.
-    ومن قال بأنني أريد استعادته؟
-    أنا.
-    ولكن هذا ليس إنصافًا. 
-    إنصافًا..! أنتِ آخر من يتحدث عن الإنصاف.
هتفت في عناد:
-    أنا لن أستعيد هذا الخطاب.. رامز في حاجة ماسة إليه. 
-    فليذهب رامز هذا للجحيم.. حذار أن تذكري اسمه أمامي مرة أخرى.
صدمها رد فعله العنيف فصمتت بينما أردف هو في حسم:
-    إما أن تستعيدي ذلك الخطاب حالًا.. أو تستعدي للسفر في أول طائرة متجهة إلى مصر.
كادت أن تصعد بالفعل لتعد حقيبتها ولكن صحة والدها التي لم تتحسن كثيرًا بعد وقفت حائلًا دون تنفيذ رغبتها.. كان يعلم نقطة ضعفها ويستغلها جيدًا.. شعرت بسخطها وكرهها له يتضاعف.. ولكنها لم تجد مفرًا من الاستسلام عندما فتح باب سيارته وألقى بها داخلها في مزيد من العنف. 
لم ينطق بكلمة واحدة حتى توقفا أمام مكتب البريد.. أمسك بالخطاب الذي استعادته ومزقه نصفين قبل أن يلقي به في مهملات السيارة.. عاد بها إلى المنزل ولوح في وجهها مُحذرًا قبل أن يأمرها بالمغادرة:
-    إياكِ أن تحاولي الاتصال بهذا الرجل مرة أخرى مادمتِ زوجتي. 
-    أنا لستُ زوجتك.. زواجنا باطل..أنا لم أوافق عليكَ منذ البداية.
-    حاكمي والدك إذًا.. على أية حال إن لم تكن الحياة هنا تروق لكِ يمكنكِ العودة من حيث أتيت.. أنا لن أتمسك بكِ. 
ابتلعت ريقها في مهانة قبل أن تغادر السيارة وتغلق بابها في عنف كاد معه أن يلتهمها غضبًا.. ولكنها لم تستدر لتعرف ردة فعله.
***
 في مكتبه جمع خطابها الممزق وراح يقرأ كلماتها في غضب.. بقدر ما كان هو ينتظر لقاءً حقيقيًا يجمعه معها.. كانت هي تنتظر لقاءً يجمعها بذلك الآخر..!  يا لسخرية القدر..!
نسخ الاسم والعنوان في مذكرته الخاصة قبل أن يعاود تمزيق الخطاب في وحشية إلى قطع صغيرة.. وكأنه ينتقم فيه منهما معًا. 
لم يمض وقت طويل حتى وصل إلى مكتبه المخبر السري الذي يطلق على نفسه اسم جيمس بوند تيمنًا بذي القدرات الهائلة.. كان يعمل من قبل ضابطًا في الشرطة البريطانية ولكنه قدم استقالته منذ فترة ليتفرغ لعمله الخاص. 
قال الرجل الذي جلس قبالته بعد تحية سريعة:
-    أمرك يا سيد آسر.. ما هي المهمة التي أرسلت في استدعائي من أجلها؟
قدم له آسر اسم خصمه وعنوانه قائلًا:
-    أريد أن أعرف كل شيء عنه.. ليس فقط تحركاته وصحبته.. بل طعامه وألوانه المفضلة.. حتى الجانب الذي يفضل النوم عليه.
تطلع إليه جيمس بوند محاولًا اختراق أفكاره:
-    الجانب الذي يفضل النوم عليه.. هل أفهم من ذلك أنكَ ربما تفكر في.........
قاطعه آسر بسرعة:
-    كلا بالطبع.. لن يصل الأمر حد القتل.. ليس من عاداتي أن أتورط مع القانون.
-    ربما تضيق الخناق عليه حتى ينتحر إذًا؟
هز آسر رأسه في عصبية.. إن كان يخاف التورط مع القانون البشري..  فقانون الخالق أجدر بخوفه.. فهو لا يريد التورط في قتل أحد لا من قريب ولا من بعيد.. هو فقط يدافع عن عشقه المجنون لها.. كل ما يريده من خصمه هو أن يبتعد عنها وحسب.. يتركها.. ويمنحه الفرصة لاستعادتها من جديد.. نعم.. هو كان حبيبها من قبله.. ناردين خُلقت من أجله.. 
-    آسر بك...
أخرج آسر مظروفًا ضخمًا ناوله إياه قبل أن يقف ليودعه قائلًا:
-    سأنتظر أخبار منكَ في القريب العاجل.. كُن عند حُسن ظني بكَ.
 
انتظروا تكملة الرواية أحبائي,

رابط الحلقة الأولى

https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/598319.html

رابط الحلقة الثانية 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/601369.html

رابط الحلقة الثالثة 
https://m.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/604334.html
رابط الحلقة الرابعة 
https://m.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/606895.html
رابط الحلقة الخامسة 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/610556.html
 


No



يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق