رواية بين العطر والنغم (٢)

 أماني عطا الله تكتب



لاقت رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، وسوف نستكمل اليوم بقية أحداث الرواية وتعد هذه الحلقة الثانية من أحداث هذه الرواية، وإليكم الأحداث... ... ولكن لدهشته تقبل الرجل الأمر بصدر رحب وهنأه على زفافه مبتسمًا.. لحسن الحظ سيكون عليه البقاء في المدينة لعشرة أيام أخرى قبل أن يغادر إلى ألمانيا.. سيؤجل إجراءات الشحن حتى ينتهي من كل أعماله هنا ولن يشعر المسئولون في المؤسسة الأم بأي تقصير.. المهم هو أن ينجح فعليًا في توفير الشحنة كاملة خلال هذا الأسبوع. ربط حزام الأمان وهو يتطلع إلى ساعة يده في توتر.. هاهي الطائرة ستهبط في مطار القاهرة بعد لحظات.. لم يعد في إمكانه حتى الذهاب إلى منزله لتبديل ملابسه.. سوف يذهب إلى منزل عروسه مباشرة.. سيزعجها الأمر بالتأكيد.. لكنها لابد وأن تلتمس له الأعذار ما إن يشرح لها تعقد الوضع مؤخرًا.. سوف يعوضها سعادة عن كل ما سببه لها من قلق. بعد عقد القران.. سيمضيان ليلة رائعة في قاعة الفندق الفخمة التي حجزها لهما وكيل أعماله.. المفاجآت التي أعدها من أجلها ستبهر الحضور بالتأكيد.. كل المدعوين سوف يحسدونها بلا شك.. سيجعل منها ملكة متوجة... عاد ينظر في ساعته من جديد مع توقف الطائرة وتصفيق الركاب الذين ردد معهم عبارات الحمد بعد سلامة الوصول.. من الجيد أنه ارتدى هذه البدلة الجديدة.. والحذاء أيضًا يناسبها كثيرًا.. فتح حقيبة يده الجلدية الصغيرة وأخرج منها مرآة وفرشاة مشط بها شعره في حركة متأنية.. مرر يده على ذقنه الحليق.. وغمر نفسه بعطره المميز قبل أن يعيد كل شيء إلى الحقيبة مرة أخرى ويغلقها.. نهض بعدها في خطوات واثقة ليغادر الطائرة والمطار متلهفًا للقائه.. ترى كيف سيكون..؟! توقفت سيارة الأجرة به أمام منزلها وعلم المدعوون بوصوله فتعالت الزغاريد والهتافات المهنئة .. تقدم منه والدها يحتضنه مرحبًا وكذلك فعلت والدته التي كانت تنتظر وصوله على أحر من الجمر.. صافحته والدتها في عتاب وهي تُلمح إلى تأخره.. كان يجب عليه أن يكون في مصر منذ الأسبوع الماضي على الأقل حتى يُشارك عروسه في ترتيبات الزفاف.. حاول أن يقنعها آسفًا بتعقد الأمور في الشركة وعدم وجود بديل له يباشر العمل هناك.. في النهاية لا يبدو أنها اقتنعت بما قاله.. ماذا لو كانت ناردين تفكر بنفس عقلية والدتها.. ماذا لو لم تتقبل مبرراته؟ استدار ليحتضن أحد أصدقائه القدامى.. بعضًا من أقاربه.. أقاربها.. جيران ومعارف.. وآخرين ربما تغيرت ملامحهم بفعل الزمن فلم يتعرف عليهم.. أو ربما لم يكن يعرفهم من قبل.. وأين هي..؟! لماذا

لم تأتِ لاستقباله؟ هل أغضبها تأخره في الحضور إلى هذا الحد فقررت مشاكسته؟ أمازالت شرسة رغم مرور كل هذه السنوات؟

وصل المأذون لعقد القران فتوجهت نحوه الأنظار.. هدأت الزغاريد في انتظار موافقة العروس.. عاد الرجلان من غرفتها بعد قليل ليخبرا المأذون بأن العروس وكلت والدها لينوب عنها.. ابتسامة والدها وهو يمد يده نحوه فيها شيء ما.. ولكن لا وقت الآن لتفسيره..!
كتم الحضور أنفاسهم وهم يستمعون في ابتسامات صامتة لمراسم الزواج حتى انتهت أخيرًا.. تعالت الزغاريد والتهاني من جديد.. نهضت والدتها وبعض من صديقاتها لإحضارها من غرفتها.. تعلقت عيناه بالسلم الرخامي المستدير في منتصف الردهة الواسعة.. يخالها تهبط الدرج راقصة كما رآها في المرة الأولى.. ولكن هذه المرة سترقص من أجله.. من أجله وحده.
سوف ترقص على نغمات قلبه العاشق.
استمع إلى وصايا والدها بذهن شارد.. كان يرجوه أن يعتني بها.. يُذكره بأنها الآن أمانة بين يديه.. وهل هو في حاجة لمن يُذكره بها..؟
هز رأسه مبتسمًا في وعد كان يعلم بأنه قادر على تنفيذه.. وكيف لا إن كانت ابنته هي الوجه الوحيد الذي استطاع أن يتخذ لنفسه مكانًا بارزًا في عقل مزدحم بعشرات الكتب والأبحاث والأفكار العلمية؟
كانت تزيحها كلها جانبًا متى شاءت لتشغله بها وحدها رغمًا عنه.. أو ترصها فوق بعضها البعض لتتربع قمتها واضعة ساقًا تعلو الأخرى في تحدٍ لم يسبق له أن واجهه.
كان نوعًا من التحدي لم يدركه حينها ولم يعطه حق قدره.. لم يعترف بتأثيرها عليه ولو بينه وبين نفسه حتى أجبرته الظروف على الابتعاد عنها.. كاد يومًا أن يتخلى عن المنحة الدراسية من أجلها.. لو كانت يومها أعطته وعدًا.. لو صرحت فقط بحبها له.. لو لمَّحت بأنها تريده كما يريدها.. لكان ضحى بكل شيء في سبيلها.. لاختارها هي وفضل البقاء معها غير نادم.. ما كان اضطر إلى حبس حبها في قلبه كل ذلك الوقت.. حتى أرسلت والدته تلك الصورة.. لم يتخيل أبدًا وهو يفتح خطابها ساخرًا أن تكون هي العروس التي اختارتها له هذه المرة....
قطع أفكاره فجأة والتفت إلى والدته في حدة.. ابتلع ريقه بصعوبة وهو يلحظ فوق قسماتها القلق ذاته.. الصرخة التي سمعها لم تكن وهمًا إذًا.. لم تكن من نسج خياله كما حاول أن يقنع نفسه..!
تعالت صرخة جديدة واختنقت بسرعة كسابقتها.. نهض والدها مسرعًا يتبعه عددًا من المقربين.. همَّ أن يلحق بهم لولا قدماه اللتان قررتا عصيانه فجأة..
ما الذي يحدث..؟!
انتشر الخبر سريعًا.. العروس داهمها مغص الزائدة الدودية حتى أفقدها الوعي.. يجب استدعاء الإسعاف حالًا.. تحرك عقله أخيرًا ليتمكن من استيعاب الوضع واتخاذ القرار.. لن ينتظر وصول سيارة الإسعاف.. أشار لوكيل أعماله بسرعة فأحضر السيارة التي أعدها للزفاف.. حملها من بين ذراعي والدها الذي هرب الدم من وجهه وهو يتطلع إلى ابنته في لوعة وأسى.. جلس بجوارها في المقعد الخلفي بينما تولى وكيله القيادة.. كانا من المفترض أن يكونا في طريقهما الآن إلى قاعة الزفاف.. تطلع في مزيج من السخط والغضب إلى وجهها الشاحب ورموشها المبللة.. كان واضحًا أنها بكت طويلًا من شدة الألم..
لماذا لم تستعن بأحدهم لإنقاذها..؟!
ضمها إليه وهو يلعن حظه العاثر.. لماذا يحدث كل هذا معه؟ أما يكفيه ما حدث بشأن عمله ومنَعه من الحضور في الوقت المناسب؟ هل ظلم أماندا حقًا فطاردته لعنتها ولحقت به إلى هنا؟!

في الممر الطويل المواجه لغرفة العمليات.. راح يتحرك في عصبية باتت مضاعفة وهو يستمع مرغمًا إلى نحيب والدتها الذي لم يتوقف رغم محاولات والدته المستمرة لتهدئتها.. صمتت أخيرًا.. ولكنه ما كاد يتنفس الصعداء حتى عادت تصيح في وجه زوجها:
- أنتَ السبب.. إن حدث مكروه لابنتي لن أسامحكَ أبدًا.
استدار آسر إلى حميه.. أصابته الدهشة عندما أحنى الرجل وجهه وغمغم في ألم:
- لم أكن أعلم أن الأمر سوف يتطور لهذا الحد.
انتقلت نظرات آسر إلى والدته في حيرة.. ما الذي يقصدانه من حديثهما؟ ولماذا يتحمل حموه اتهام زوجته وتطاولها عليه حد الوقاحة بمثل هذا الاستسلام؟! هل قصر الرجل في علاج ابنته..؟
هل كانت ناردين مريضة منذ فترة وأهمل شكوتها؟ لكنه على يقين من حب الرجل لابنته حبًا جمًا.. كان يأخذ عليه قبل رحيله إلى لندن تدليله المفرط لها.. فكيف تحمله زوجته ما يحدث الآن؟!
تحولت أنظاره في لهفة إلى الطبيب الذي خرج للتو من غرفة العمليات.. ابتسم الطبيب وهو يرى عيونهم التي تعلقت به.. قال بنبرة هادئة:
- اطمئنوا.. هي بخير الآن.. قُمنا بعمل غسيل معدة لها وأعطيناها الأدوية اللازمة.. ولكن يجب أن تبقى تحت المراقبة لمدة أربع وعشرين ساعة على الأقل.
قطب آسر جبينه في صدمة.. غسيل معدة..!
ما الذي يجب أن يعنيه هذا؟
عروسه لم تكن تعاني من التهاب مفاجئ في الزائدة الدودية كما زعموا.. بل كانت تُعاني من زواجها منه.
لم تكن دموعها ألمًا جسديًا.. كانت عذابًا وخوفًا من جحيم تتوقعه في الحياة معه..!
رفع رأسه حانقًا يحدق في وجوههم التي انحنت أرضًا ربما خجلًا بعد فعلتهم.. تسمرت عيناه فوق وجه والدها الذي بدا مرتبكًا بالأكثر.. لا شك في كونه هو من أجبرها على هذه الزيجة.. القلق الذي ارتسم فوق قسماته كل الوقت.. الندم واللوعة وهو يحملها ساكنة بين يديه.. استسلامه التام لاتهامات زوجته.. كل شيء أصبح واضحًا الآن...
عروسه.. فضلت الموت على زفافها إليه..!

رواية بين العطر والنغم (١)





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق