• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
إياد أبو الحجاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

رواية بين العطر والنغم (١) 

بقلم - أماني عطاالله



لاقت رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، وسوف نبدا اليوم في سرد اول حلقة من أحداث هذه الرواية.

مابين الحب والصدمات تعيش أجواء رومانسية مختلفه مع هذه الرواية، التي تدور حول الحب من طرف واحد الذي يتبدل فجأة لتحقيق أمل ثم سحب سجادة هذا الأمل في مفاجأة لن تستطيع سردها في مخيلتك. 

                          صورة وذكرى

هز رأسه مستنكرًا مُراهقته غير المتوقعة.. ولكنه ما لبث أن فتح درج مكتبه وأخرج صورتها.. راح يتطلع إليها في شغف ربما للمرة الألف منذ أرسلتها له والدته الشهر الماضي... 


أتراه حقًا لا يحلم؟!
مازال يتذكر المرة الأخيرة التي رآها فيها وجهًا لوجه.. كان ذلك منذ خمس سنوات مضت على الأقل.. يوم وفاة والده.. جاءت حينها إلى منزلهم بصحبة والديها لتقديم واجب العزاء.. لم تنطق بكلمة واحدة.. بل اكتفت بمصافحته وفي عينيها مواساة صامتة لمصابه الأليم.. كانت على قدر من التهذيب والرقة يُناقض تمامًا طبيعتها الشرسة المشاكسة التي لطالما أزعجته. 
ابتسم في حنين وهو يعود بذاكرته إلى الوراء....
كانت سيارة والده معطلة في ذلك اليوم فطلب منه أن يصحبه إلى منزل صديقه الحميم بسيارته الخاصة في طريقه للجامعة.. وما إن وصلا إلى هناك.. حتى خرج صديقه مصطفى لاستقبالهما قبل أن يتمكن هو من التحرك بسيارته.. لم يجد مفرًا أمام إصراره وإلحاحه لتناول بعض المرطبات سوى قبول دعوته. 
زوجته أيضًا استقبلتهما في حفاوة بالغة وابتسامة واسعة.. طلبت منه يومها أن يبقى معهم لتناول الغداء ولكنه كان متعجلًا من أمره.. تعلل بحتمية ذهابه إلى الجامعة لحضور بعض التجارب المعملية الهامة.. ارتشف العصير الذي قدمته له دون أن يتذوقه.. كان همه الأكبر هو أن ينتهي منه في أسرع وقت ممكن حتى يغادر منزلهم.. لم يكن اجتماعيًا في تلك الفترة.. كانت الدراسة وحدها هي شغله الشاغل.. 
ما كاد يضع الكوب فوق المائدة ويتهيأ للذهاب حتى أقبلت نحوهم بخطوات راقصة.. تحتضن بين ذراعيها آلة "كمان" صغيرة وتدندن بإحدى الأغنيات التي يحفظها من يومها عن ظهر قلب على غير عادته.. لم يكن من هواة سماع الأغاني أبدًا.. من أين له بالوقت؟  ولكنه رغم ذلك فقد حفظ كلماتها التي رددتها كاملة.. ومازال يحفظها حتى الآن..! 
كيف لم يفكر في هذا الأمر حينها؟
قبّلت والديها ووالده أيضًا قبل أن تلتفت إليه وتغمز له بطريقة أحرجته أمامهم.. خاصة بعد أن ضحكوا لاضطرابه وارتباكه غير المبرر بالنسبة لهم.
دون أن تستأذنهم راحت تعزف مقطوعة موسيقية تعلمتها مؤخرًا.. كانت تبدو هائمة في عالم آخر.. لكنها لم تتوقف عن الرقص والدوران حولهم.. شبهها يومها بالنحلة المزعجة. 
أما الآن.. فهو لا يتذكر أنه رأى فراشة أجمل منها..!
اتسعت ابتسامته وهو يتذكر كيف أنهت مقطوعتها وانحنت في حركة مسرحية ممتنة للتصفيق الحاد الذي أدمى أيدي ثلاثتهم.. وبخته في شراسة عندما تنبهت إلى كونه لم يشاركهم في التصفيق لها.. خاصة بعد أن عرفت من والده أنه يدرس الكيمياء ويجتهد للتخرج بتفوق نهاية العام.. لن ينسى لها أبدًا تعليقها اللاذع وهي تهتف في خبث مبتسمة:
-    ربما عندما تنتهي من العبث بفضلات الآخرين تجد وقتًا كافيًا لتذوق الموسيقى.
هم أن يعنفها برد أكثر قسوة ولكنه اكتفى بنظرة نارية وجهها إليها قبل أن يودعهم ويذهب دون أن يصافحها.
رآها بعدها مرات معدودة قبل أن ينهي دراسته الجامعية بتفوق أهَله للسفر في منحة دراسية على نفقة الدولة إلى بريطانيا.. سحرته حضارة الغرب وتقدمه فقرر أن يستقر ويعمل هناك.. في لندن.. بدأ في إنشاء معمل صغير لتصنيع العطور مُستغلًا خبرته المعملية وذكائه الذي ألهبه عشقه للكيمياء.. بعد مرور ما يقرب من سبعة أعوام.. أصبح يمتلك واحدة من أكبر شركات تصنيع العطور فيها.
لكنها ظلت تطارد مخيلته.. لم ينسها أبدًا.
كان شاردًا إلى الحد الذي منعه من الإحساس بدخول أماندا إلى مكتبه.. تقاربا في الفترة الأخيرة بما يسمح لها بالدخول إليه دون أن تطرق الباب.. قطبت حاجبيها الرفيعين في دهشة وما لبثت أن مدت يدها في فضول لتنتزع الصورة التي تشغله عنها من بين أصابعه. 
تلاشت ابتسامتها قبل أن تكتمل وهي تتطلع في صدمة إلى ملامح الفتاة ذات العيون السوداء كثيفة الأهداب والتي انفرجت شفتاها عن ابتسامة واسعة زادها سحرًا صفين من اللؤلؤ المرصوص بعناية خبير مبدع.
عادت تبتسم في عصبية حاولت إخفاءها قائلة:
-    لمن هذه الصورة؟
تأملها مليًا دون أن يعلق.. أماندا.. سكرتيرته الإنجليزية المخلصة.. حتى أيام قليلة مضت.. كانت الأقرب إلى قلبه.. تربيتها الملتزمة وطباعها شبه الشرقية.. جعلته يفكر جديًا في الارتباط بها.. خاصة بعد أن أخبرته في حياء بأنها لم تعرف رجلًا قبله.. 
ربما هذا ما أغضب والدته في زيارتها الأخيرة.. فهي رغم كل ما أخبرها به عن أماندا وعن إخلاصها واحتشامها.. لم تقتنع بها كزوجة له.. بل اعترضت في عصبية مُصرحة بأن هذا ما كانت تخشاه.. ربما كانت أماندا فتاة جيدة بالفعل وزوجة صالحة ولكن ليس له.. فلتبحث لها عن زوج إنجليزي مثلها.. يشاركها تقاليدها وعاداتها وثقافة مجتمعها... 
لم تمض أيام قليلة بعد عودتها إلى مصر حتى أرسلت له هذه الصورة التي أجبرته بالفعل على إعادة ترتيب مخططاته.. لو كان يعلم من قبل بأن ناردين تبادله العشق ذاته الذي يكنه لها منذ زمن.. لو كان يعلم بأنها مستعدة للزواج منه ما كان أهدر كل هذا الوقت بعيدًا عنها..!
تنبه إلى صوت أماندا التي ازدادت اقترابًا منه وهي تهتف في نبرة عجزت عن إخفاء الغيرة فيها:
-    آسر.. لمن هذه الصورة؟
أجابها متصنعًا الهدوء:
-    أرسلتها والدتي.
-    عروس جديدة إذًا.
-    نعم.
همست في مزيد من الغيرة:
-    ولكنكَ تبدو مختلفًا هذه المرة. 
-    ماذا تقصدين؟
-    وكأنكَ مفتون بها.. لم تشعر حتى بوجودي عندما دخلتُ إلى مكتبك..!
تظاهر بالتطلع إلى بعض الأوراق فوق مكتبه.. أمسك قلمه وراح يعبث به على غير هدى.. بماذا يجيبها؟!  
لعلّه لم يُصرح علانية عن رغبته في الارتباط بـ أماندا حتى الآن.. ولكن ماذا عن دعواته لها بمرافقته أينما ذهب..؟ ماذا عن أحاديثهما الحميمية التي حثتها على الحديث عن أدق أسرارها فباتت رغم تحفظها كتابًا مفتوحًا أمام عينيه..؟ كانا شبه مخطوبين أمام الجميع..؟  
همس في نبرة لا تخلو من الأسف: 
-    أماندا.. يومًا ما ستكونين زوجة رائعة.. ولكن...
انحشرت الكلمات في حلقه فعاد ليصمت من جديد مأخوذًا بجزعها الذي فشلت في إخفائه رغم صلابتها.. لكنها سرعان ما استعادت سيطرتها على ملامحها وتصنعت ابتسامة صغيرة قائلة:
-    ولكن ليس لك.. أهذا ما تخشى قوله؟
أطلق تنهيدة طويلة ولم يتجرأ بالنظر إليها.. ألقت نظرة أخرى على الصورة بين يديها قبل أن تعيدها ثانية بين أصابعه قائلة:
-    أتمنى لكَ حياة سعيدة. 
أسرعت بعدها لتغادر الغرفة بخطوات تشبه العدو.. لم تحاول مجادلته.. لم تسأله كيف نبذها من حياته فجأة بهذه القسوة.. نظراته إلى صاحبة هذه الصورة كانت كافية لتجيب كل تساؤلاتها.. أنبأتها بأنه لا جدوى لمزيد من الحديث في الأمر.. 
هو أيضًا تقبل تهنئتها وإن كان لم يعلق عليها.. إن كان لم يقل لها أنها أخطأت الفهم.. فهذا يعنى أنها أصابت الحقيقة.. هو مفتون بهذه الفتاة..! 
لن يفيدها إذًا معرفة متى أو كيف أو لماذا؟ 
ما إن اختفت أماندا حتى عاد يحدق في صاحبة الصورة من جديد.. ناردين.. رغم عطرها وعبيرها الذي طل عليه في مفاجأة لم يتوقعها.. إلا أن النصف الأول من اسمها يناسبها أكثر.. كان يكفي أن يلقبوها به.. نار.
***
أنهى آسر اجتماعه مع كبار موظفيه ساخطًا.. تَغيب أماندا عن العمل أربك كل مخططاته.. كان من المفترض أن يسافر غدًا إلى مصر لملاقاة عروسه وأسرتها ومباشرة ترتيبات الزفاف بنفسه.. سيقام الحفل نهاية الأسبوع القادم.. تم حجز قاعة الزفاف بالفندق الذي سيقيمان فيه بعد الحفل.. الدعوات سُلمت إلى أصحابها وليس من السهولة تأجيله الآن.. 
مرض أماندا المفاجئ اضطره إلى إلغاء الحجز على الطائرة.. وحدها كانت بديلًا له.. فهي مَنْ تعلم تفاصيل تلك الصفقة وتستطيع تدبر الأمر.. ولكنها ليست هنا الآن.. هل هي مريضة بالفعل أم أنها تعمدت أن تضعه في هذا المأزق؟ 
هل أخطأ عندما وضع ثقته كلها في شخصها فقط ؟! هل تحولت إلى غريمة ما إن علمت بأمر زواجه من أخرى؟! 
هل قررت أن تنتقم منه؟
عليه أن يستقبل مندوب الشركة الألمانية بعد ثلاثة أيام.. وإلى أن يحين ذلك الموعد عليه تجهيز عينات العطور المقرر عرضها عليه أثناء زيارته والتأكد من كونها مطابقة للمواصفات العالمية.. أي خطأ ولو صغير سيفسد الأمر ويكبده كم من الخسائر لن يعوضها.. يكفي أن يخسر مصداقيته أمام هذه الشركة العملاقة التي بذل قصاري جهده على مدار سنوات حتى حقق حلمه أخيرًا بالعمل معها.. ربما من الأفضل أن يتابع الترتيبات هنا بنفسه.. ويترك ترتيبات زفافه لوكيل أعماله في مصر.
فشلت كل محاولاته في الاتصال بـ أماندا.. لا تجيب على اتصالاته الهاتفية المستمرة.. عندما ذهب إلى مسكنها لم تكن هناك أيضًا.. صديقتها المقربة جانيت أخبرته بأنها لا تعلم عنها شيئًا منذ فترة.. أين اختفت هذه المجنونة..؟  
زفافه غدًا ولم تنتهِ زيارة الرجل بعد..!
لم يجد مفرًا من الاعتراف للرجل بضرورة سفره إلى مصر لحضور حفل زفافه.. سيكون عليه تأجيل تسليمه الصفقة لأيام معدودة لا أكثر.. أخبره بأنه على أتم الاستعداد لتحمل غرامة التأخير كاملة..

انتظروا تكملة الرواية أحبائي





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق