• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
إياد أبو الحجاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

رواية بين العطر والنغم (٧) 

بقلم- أماني عطاالله



الحلقة السابعة من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...


محادثته الهاتفية الغاضبة التي أجراها مع والدته منذ قليل لم تفده كثيرًا.. فوالدته بالكاد كانت تعرف عن رامز اسمه الأول بالإضافة إلى كونه عازف غيتار يعمل في الفنادق.. وإن كانت الحُجج التي قدمتها للدفاع عن نفسها وعن والدي ناردين قد نجحت بالفعل في تخفيف سخطه عليهم.. خاصة تلك التي قالتها عن والده. 
كان يظن بأنه أجاد إخفاء مشاعره وأحاسيسه الملتهبة بها.. وإن سره دفين لا يعلمه إلا فادي وحده بعد أن أخبره به في لحظة عشق محمومة لم يستطع تحملها بمفرده.. ولكن يبدو أنه كان يتوهم.. فها هي والدته الآن تخبره بأنها لاحظت التأثير الذي تتركه ناردين فوق ملامحه ما إن تظهر أمامه.. بل أخبرته أن والده أيضًا رحمه الله قد لاحظ ذلك حتى أنه تقدم لطلب يدها من والدها وقرأ الفاتحة معه. 
ترى هل هناك آخرون لاحظوا بلاهته.. ماذا عن والدها ووالدتها والأصدقاء وكل المحيطين به.. ماذا عنها..؟!
أتراها تكون الوحيدة التى لم تشعر به..؟! وهل ستبقى كذلك للأبد.. ؟! ماذا لو كانت قد لاحظت مشاعره بالفعل ولكنها تستخف بها..؟! 
طرقات خفيفة فوق باب مكتبه ترفقت به وقررت أن تنتشله من قسوة أفكاره.. دخلت كلير.. تلك التي حلت بديلًا لـ أماندا.. مؤقتًا على الأقل.. ابتسمت الفتاة في طريقة دبلوماسية قائلة:
-    آسر بك.. حان موعد انصرافي. 
تطلع إلى ساعته قائلًا:
-    عفوًا كلير.. لم أنتبه للوقت. 
عادت تكرر ابتسامتها الآلية واستدارت لتغادر مكتبه ولكنه استوقفها قائلًا:
-     أليس هناك جديد بشأن أماندا؟
-    كلا.. مازالت مختفية.
هز رأسه في ضيق ولم يعلق.. عندما يعود جيمس بوند من مهمته التي أوكله بها سوف يطلب منه البحث عن أماندا.. اختفاؤها الطويل لا يبشر بالخير.. ربما يكون قد حدث لها مكروه لا قدر الله.. هل يُعقل أن تكون قد انتحرت بعد علمها بنبأ زواجه من دينا..؟!
 هز رأسه في عنف ليطرد منها تلك الفكرة اللعينة.. إن كانت فعلتها حقًا لأنه تراجع عن زواجه منها فلن يسامح نفسه أبدًا.. سوف يظل يشعر بالذنب لفترة طويلة. 
***
في طريق عودته إلى منزله وجد نفسه بلا وعي يتوقف بالقرب من مكتب البريد.. قاوم رغبته الملحة في النزول من السيارة والتوجه إلى الموظف لسؤاله عنها.. هي أخبرته أنه خطابها الأول إلى ذلك العازف.. وكان واضحًا من كلماتها إليه.. والتي قرأها بنفسه.. أنه خطابها الأول بالفعل.. 
ولكنه لا يريد التصديق. 
ترجل من سيارته وبدلًا من دخول مكتب البريد حول خطواته إلى المزارع التي قالت بأنها تنزهت فيها.. انطلق كالسكارى يدهس اللون الأخضر.. أليس هذا ما زعمت أنها قامت به في الصباح..؟!
استغرب الراحة التي شعر بها بعد قليل.. وفي مزيد من الهلوسة.. أغمض عينيه وأطلق لساقيه العنان.. كقرني استشعار امتدت ذراعاه إلى الأمام تتحسس طريقه.. استمر في الضحك حتى توقف أخيرًا لاهث الأنفاس. 
فتح عينيه واستدار حول نفسه مبتسمًا في بعض الخجل.. من الجيد أنه لا يوجد من يراقبه هنا.. لاتهموه بالجنون .. لكنها كانت تجربة في مجملها ممتعة..عليه تكرارها كلما أمكنه.  

كان يظن عندما وصل إلى منزله أنه تخلص تمامًا من حقده وغضبه.. ولكن ما إن تلاقت عيونهما حتى بدأ الهدوء الزائف الذي اعتراه يتسلل هاربًا من أعماقه.. وكيف لا.. وهو قد اكتشف فجأة أنه يحفظ كلماتها التي سطرتها لذلك العازف كاملة..؟ 
لو كانوا سيمتحنونه في ذلك الخطاب بعد قليل لما أتقنه بهذه الطريقة..!
اللعنة عليه وعلى تلك الموسيقى التي عشقتها من أجله وعشقته من أجلها.. فليعتزلها وليذهب للجحيم.. وكأنهم لن يجدوا أحمق آخر يعزف الغيتار من بعده..!

تنبه إلى صوتها:
-    الطعام جاهز.
هتف دون أن ينظر إليها:
-    لا رغبة لي في تناول الطعام.
كان قد وصل إلى نهاية الدرج عندما هتفت به ساخطة:
-    ألم يخبروك أن كثرة تسخين الطعام تفقده قيمته الغذائية أكثر من وضعه في الثلاجة..!
ابتسم مُرغمًا وهو يفتح باب غرفته.. لهذه المجنونة مذاق آخر حتى وهي تجادله وتثيره حتى الموت.
ما كادت تنتهي من تنظيف الأواني وإعادة ترتيب المطبخ حتى وجدته أمامها قائلًا:
-    أين الطعام؟
اتسعت عيناها وهي تتطلع إليه مستنكرة.. إن كان يمزح فمزاحه سيء مثله.. قالت ساخطة:
-    الآن تريدني أن أعد المائدة مرة أخرى؟!
-    إن لم يكن هذا يزعجك. 
-    وماذا لو كان يزعجني؟
مط شفتيه في لامبالاة قائلًا:
-    سأتناول طعامي في كل الأحوال.
تطلعت إليه في تجهم ولكنها ما لبثت أن توجهت إلى الثلاجة لإخراج الطعام من جديد.. يكفيها أنها ستتركه يتناوله بمفرده. 
كادت أن تقذفه بالأطباق في ظهره عندما غادر المطبخ قائلًا بلهجة باردة:
-    عندما تنتهين من إعداد المائدة ستجدينني في مكتبي.
في المساء جلست في فراشها تقرأ كتابًا عن تطور صناعة العطور.. لم يكن واحدًا من الكتب التي تفضلها ولكنه كان الأفضل بين الكتب التي وجدتها في مكتبه.. كانت في حاجة ماسة إلى كسر الملل.. إلى إنعاش ذاكرتها التي شعرت بها تضمحل شيئًا فشيئًا بمرور الوقت.. عقلها بدأ يصدأ.

ابتسمت عندما وجدته يحاول فتح الباب للدخول إلى غرفتها عنوة كعادته.. كانت قد أغلقته بالمفتاح هذه المرة.. تجاهلت عن عمد طرقاته المتتالية والتي بلغت العصبية.. ما الذي يريده منها في هذه الساعة المتأخرة.. ألم تنتهِ من مهامها المملة على الوجه الأكمل..! 

نهضت في تكاسل لتفتح له الباب.. تطلعت إليه في لامبالاة رغم العصبية التي تحدث بها:
-    ماذا كنتِ تفعلين؟
-    ما الذي تريده أنتَ الآن؟
تأملها قليلًا قبل أن يقول عابسًا:
-    غدًا لدينا حفل هنا في المنزل.
-    حفل..!
-    نعم.. زملائي في العمل يصرون على الاحتفال بنا. 
صمتت لتستوعب المفاجأة بينما أردف في تهكم:
-    كانوا ينتظرون الانتهاء من شهر العسل حتى لا يسببوا لنا إزعاجًا.

تحسست شعرها قائلة:
-    ولم تخبرني بذلك سوى الآن..؟!
-    لا تحملي همًا.. رتبت الأمر مع مطعم جيد.. سوف يرسل لنا الوجبات جاهزة مع اثنين من الموظفين للقيام بواجب الضيافة. 

تنهد وأردف فى تهكم:
-    كل ما عليكِ هو تمثيل دور العروس السعيدة.
-    وماذا عن مظهري؟
تأملها فترة كانت كافية لإشعال حنينه إليها.. كاد أن يهرب إلى غرفته ولكنه بدلًا من ذلك وجد نفسه يدخل إلى غرفتها.. أمسك بالكتاب الذى تركته فوق فراشها ونظر إليها في اتهام قائلًا:
-    لاحظتُ مؤخرًا أن هناك من يعبث بمكتبي.

قالت فى تلعثم:
-    كنت سأعيده عندما أنتهي من قراءته.
لم تتغير نظراته الباردة إليها فأردفت ساخطة:     
-    فهو لا يستحق السرقة على أية حال.
-    أرجو أن تتوخي الحذر حتى لا تربكي الأشياء كعادتك دائمًا.

هتفت في تهكم:
-    في المرة القادمة سأشتري أدوات هندسية قبل أن أدخل إلى غرفة مكتبك.. ربما أمكنني ضبط الزوايا التي ترتب بها كتبك.
-    أيتها الفوضوية.. ها أنتِ تسخرين بدلًا من أن تعتذري.
فتحت فمها واسعًا لتعترض ولكنها وجدت نفسها تغلقه بنفس القوة.. كم تكره أن يتهمها بالإهمال رغم كونها تبذل جهدًا لتتجنب انتقاده الدائم لها..!

تظاهر بالتجهم ليخفي ابتسامة مُلحة كادت تفر من شفتيه عنوة.. كيف يُخبرها أن الفوضى ذلك اليوم كانت في عطرها الذي تبعثر في أركان مكتبه قبل أن يخترق أعماقه ليعبث بها ويشتتها هي الأخرى..؟!
أطلق تنهيدة طويلة وهمَّ بمغادرة الغرفة ولكنها عادت تستوقفه قائلة:
-    لم تقل لي بعد.. ماذا سأفعل بمظهري؟
عادت عيناه لتتسمر فوق قسماتها صامتًا.. فأمسكت بخصلاتها المتموجة وأردفت:
-    أحتاج إلى تهذيب شعري و.........
ارتفع صوتها فجأة:
-    أريد الذهاب إلى مركز تجميل.
-    حسنًا.. سأرافقك صباحًا إلى هناك.
-    وماذا عن الشركة؟
-    عُطلة.
-    جيد.

في منتصف النهار وصل مندوبا المطعم المسئول عن تنظيم الحفل.. أرشدتهما إلى المطبخ وصعدت لترتب نفسها استعدادًا لاستقبال المدعوين.. كم كانت في حاجة ماسة لهذا الحفل قبل أن يقتلها الضجر..!
تأملت الفستان الرائع الذي اشتراه لها في طريق عودتهما من مركز التجميل قبل أن ترتديه منتشية.. أطلقت شعرها الأسود المتموج ليغطي ظهرها وكتفيها في نعومة حريرية.. خصلاته اللامعة تتألق كماسات ونجوم.. لم تكن في حاجة إلى المشابك التي أحضرتها لتزيينه.. ألقت بها في الدرج ربما تحتاجها في وقت آخر.. زينت وجهها بقليل من مساحيق التجميل.. ووضعت في أذنيها زوجًا من الأقراط الماسية الكبيرة التي تلائم شعرها الكثيف.. وجدت بعض الصعوبة في غلق القفل الصغير للعقد الماسي.. تحركت لا إراديًا إلى غرفته.. طرقت بابه ودلفت إليها قبل أن يسمح لها بالدخول.. انبهارها بغرفته وديكورها الرائع وأثاثها الفاخر.. أنساها ما جاءت من أجله لبرهة.. 
كان واقفًا أمام المرآة يصفف شعره وما إن لمحها حتى استدار إليها:

-    ماذا حدث؟
تجاهلت سؤاله وهي تتطلع إلى ما حولها في شغف قائلة:
-    غرفتك رائعة.
شعرت بالدهشة عندما قفز فجأة إلى "الكومودينو" الصغير الملتصق بالسرير.. نكس الصورة الموضوعة فوقه قبل أن يغمغم في ارتباك أثار ريبتها:
-    لماذا أتيتِ إلى غرفتي؟
تعلقت عيناها بالصورة المقلوبة لفترة ليست بالقصيرة.. ربما كانت لتلك الآلية التي يعشقها.. هو عاشق بالفعل إذًا.. ولكن لماذا لا يريدها أن تراها.. هل يخشى أن يتقابلا يومًا ما وجهًا لوجه فتتعرف عليها..؟  

ولكن.. إن كان عاشقًا بالفعل.. لماذا تزوجها هي بدلًا من أن يتزوج بمعشوقته؟ هل هجرته تلك المرأة..؟ ربما لم تحتمل روتينه الممل.. ولكن ألم تجد فيه ما يغريها للاستمرار معه.. ألا يكفي كونه أحبها رغم تجبره واستبداده..؟!
-    ناردين..!

استيقظت من أفكارها فرفعت شعرها قائلة:
-    ساعدني في ارتداء هذا العقد.
تأملها ساكنًا قبل أن يتقدم ليساعدها وما إن انتهى حتى أزاحها هاتفًا فيها: 
-    هل ذهبتِ الآن؟ أريد الانتهاء من ارتداء ملابسي قبل وصول الضيوف. 
***

عبارات الاستحسان والإطراء زادتها ثقة وسعادة.. خرجت ابتسامتها تلقائية وهي ترحب بضيوفها واحدًا تلو الآخر.. كان يقدمها لهم في اعتزاز وزهو تعجبت له.. اقتربت منه هامسة:
-    من يرانا الآن يستطيع أن يقسم بأننا عاشقان.
-    نحن كذلك بالفعل. 
تأملته في دهشة.. يبدو أنه صدق ما يحاول إيهام الآخرين به.. برقت عيناه وهو يبادلها نظراتها بأعمق منها.. كادت تتوهم مشاعرَ لم تجرؤ على تخيلها عندما ظهرت تلك الشقراء التي خطفت أنظاره منها....

همس في لهفة لم تخطئها مسامعها:
-    أماندا.. أخيرًا عدتِ.. كدتُ أجن.
تشبث بكفي أماندا بكلتا يديه.. لا.. بل كان يحتضن أصابعها بين أصابعه في سعادة طغت فوق قسماته حتى أنها تساءلت إن كانت ستراه يومًا أسعد حالًا مما هو عليه في هذه اللحظة الحالمة.. شعرت بالحرج من همسات المدعوين ونظراتهم التي تعلقت بـ أماندا في فضول وترقب.. قالت ساخطة:

-    ألن تعرفني بضيفتك العزيزة جدًا كما يبدو..؟!
استدارت إليها الفتاة متفحصة.. في نظراتها كره لها لا يقل عن الحب الكبير الذي حملته لزوجها منذ قليل.. لم يعد لديها شك في أن أماندا هي صاحبة تلك الصورة التي لا يريدها أن تراها. 

همس في هدوء دون أن يرفع عينيه المتوهجة عن وجه ضيفته:
-    أماندا.. سكرتيرتي وصديقتي العزيزة. 
في نبرته ونظراته إليها اعتذار لم تفهمه ناردين.. ورغم هذا تجهمت ملامح أماندا.. يبدو أن كلماته لا ترضيها.. بينما تطلعت إليه ناردين في شك واستنكار.. صديقته..!  
ما الذي يرمي إليه..؟ لماذا لا يصارحها بعشقة علانية كما صارحته هي من قبل بعشقها لـ رامز.. هل سيظل خبيثًا للأبد..؟

حتى ابتسامتها المصطنعة لم تستطع الاحتفاظ بها طويلًا عندما جذب آسر أماندا من يدها التي لم يتركها لحظة واحدة منذ رآها.. واتجه بها إلى غرفة مكتبه غير مبالٍ بزوجته ولا بالمدعوين أيضًا. 

هل فقد سيطرته على مشاعره فجأة..؟!
أخرجت أماندا مرآتها وبعض أدوات التجميل من حقيبتها وراحت تصلح من زينتها التي أفسدها بكاؤها المستمر.. جلس هو بجوارها محاولًا مواساتها بقدر استطاعته.. لم يكن يتخيل أنه سيسبب لها هذا الألم بعد كل ما قدمته له من حب واهتمام. 
وضعت مساحيقها جانبًا وأخذت شهقة طويلة تحجب بها دموعها حتى لا تنحدر مجددًا.. احتضن كفيها بين راحتيه هامسًا:
-    حبيبتي.. الزواج.......
كان يريد أن يخبرها بأن الزواج أمر قدري لا دخل لنا فيه.. حاول أن يهدئ من روعها لا أكثر.. كلمة حبيبتي كانت لفظًا شائعًا بينهما.. اعتاد أن يناديها به مرارًا قبل أن تظهر ناردين في حياته من جديد.. حبيبتي لا تعني بالضرورة ذلك الحب الذي فهمته ناردين عندما دخلت إلى مكتبه فجأة.. تسمرت عيناها قليلًا على كفيه التي احتضنت كفي صديقته.. كما يدعوها كذبًا .. في حميمية لا تخطئها عين.. التفتت بعدها لتتركز على أدوات التجميل التي وضعتها فوق الطاولة بجوارها.. ما الذي دعاها إلى تصليح زينتها..؟ 
هل كان الوضع بينهما أكثر حميمية مما تراه الآن؟!
لم يقصد أن يترك كفي أماندا فجأة ولا أن يخرج صوته مُرتبكًا وهو يهتف وكأنه يدافع عن نفسه حين قال:
-    ماذا حدث؟ ولماذا لم تطرقي الباب قبل أن تدخلي؟ أماندا كانت متعبة قليلًا و..........

قاطعته في حدة أثارت دهشتها قبل أن تثير دهشته:
-    ضيوفك يسألون عنكَ بالخارج بينما أنتَ هنا.........
لم تستطع إتمام عبارتها بل أسرعت تغادرهما فجأة كما جاءت فجأة.. غمغمت أماندا متصنعة القلق:
-    أرجو ألا أكون قد تسببت لكَ في مشاكل مع زوجتك.  
-    لا عليكِ.. لا أظن أن أمرنا سيشغلها كثيرًا. 
أردف بسرعة وكأنه تنبه إلى خطأ ما قاله:
-    ناردين عاقلة.. ولن تعطي الوضع أكثر من حقه. 
تفحصته قائلة:
-    جيد جدًا.

تطلع إليها في تساؤل فأردفت بخبث:
-    الوضع بينكما.. يبدو رائعًا.
الهمسات التي سرت بين المدعوين ونظراتهم التى تسمرت فوق أماندا بمجرد خروجهما من مكتبه أكدت ظنونها بأنها حتمًا ولابد أن تكون صاحبة الصورة بجوار سريره.
شعرت بالحرج عندما التصقت أماندا بزوجها وراحت ترحب وتستقبل معه الضيوف بدلاً منها وكأنها هي صاحبة الدار..!  

أشاحت برأسها ساخطة نحو الفرقة الموسيقية التي بدأت عزفها للتو.. تحركت كالمسحورة لتقف بجوار عازف الغيتار الذي أسعده اهتمامها به فتركزت نظراته فوقها وبدا وكأنه يعزف لها وحدها.. 
زفر آسر بضيق وهو يراقب الاهتمام المتبادل بينهما.. مسكين ذلك المغفل.. حاله لا يختلف عنه كثيرًا.. هل صدق أنه المقصود بنظراتها المتيمة..؟  هل يعلم بأنها ربما كانت لا تراه من الأساس..؟!

امتزج ضيقه بالغضب عندما ازدادت اقترابًا من الرجل وراحت تهمس في أذنه بشيء ما برقت له عينا الأخير وابتسم ترحيبًا.. تطلع إلى ضيوفه في حرج.. كان معظمهم من الأجانب.. ربما لا يهتمون كثيرًا لذلك المشهد الغرامي المفتعل بين ذلك الموسيقي وعروسه الجميلة.. 
ولكن.. ماذا عن الشرقيين منهم..؟ 
عاد ينظر إليها بتمعن أكثر.. من تظن بذلك العازف.. هل تظنه رامز..؟ هل قررت أن تحيا في أحلام اليقظة وتتصرف وفقًا لها..؟ 

انتهت المقطوعة الأولى فتقدم منها عازمًا على إنهاء هذه المهزلة.. كاد أن يمسك بها ليجذبها بعيدًا لولا أن يد ذلك العازف كانت الأقرب وهو يجذبها لتقف بجواره وسط أعضاء الفرقة.. منحها كمان صغير أخذه من أحد رفاقه فراحت تشاركهم في عزف مقطوعة موسيقية جديدة.. حماسها سرى تدريجيًا بين المدعوين الذين اشتعلت حناجرهم هتافًا بالأغنية الشعبية المحببة التي تشارك في عزف موسيقاها. 

تظاهر بالحماس مثلهم وهو يراقبها متصنعًا ابتسامة تخفي بركانًا من الغضب.. لم يسمع شيئًا من معزوفتها ولكنه شاركهم التصفيق والهتاف على مضض.. تنفس الصعداء عندما أنهت الفرقة لحنها الأخير.. 
عادت الابتسامات والهمسات من جديد بينها وبين ذلك العازف.. برقت عيناها وهو يمتدح قدرتها وتمكنها من الكمان.. وإن كان لم ينكر أنها في حاجة إلى المزيد من التدريب حتى تكون أكثر حرفية.. رحبت في امتنان عندما أبدى استعداده لتدريبها بنفسه في المعهد الذي يعمل به.. أخرج مذكرته الصغيرة ودون في قصاصة منها اسم المعهد وعنوانه.. عندما مدت يدها لتلتقطها كانت يد آسر هى الأقرب.. 

توترت رغمًا عنها بينما ابتسم عازف الغيتار قائلًا:  
-    دينا عزفها رائع ولكنها مازالت تحتاج إلى بعض التدريب.. إن لم تكن تمانع.. يسعدني أنا شخصيًا القيام بهذه المهمة.
قطب جبينه ساخطًا.. كيف تجرأ هذا الوقح على تدليلها وكأنه يعرفها منذ زمن.. وكيف سمحت هي له بذلك.. وكيف ومتى أخبرته باسمها المدلل..؟  إن كان هو شخصيًا.. زوجها.. لا يناديها به حتى الآن..!

كبت ضيقه بابتسامة مغتصبة وهز رأسه صامتًا.. وضع الورقة بجيب سترته غير مبالٍ بنظرات الاستنكار التي رماه بها كلاهما.. قال أخيرًا في نبرة جافة وهو يودعه مصافحًا:
-    زوجتي تتسلى فقط.. شكرًا لك.
-    ولكنها ستكون أكثر حرفية عندمـ......
-    ومن قال أنها تنوي الاحتراف..؟
-    أعني.. ربما.... 
لم يمهله الوقت لعرض وجهة نظره.. يكفي جدًا أنه لم يلكمه كما كان يتمنى طوال فترة الحفل.. جذب ذراعها عنوة وتظاهر بمصافحة ضيف آخر حتى يتخلص منه.. أيقن الرجل أخيرًا  أن لا جدوى من إلحاحه فنظر إلى دينا ومط شفتيه مبتسمًا قبل أن يغادر منزلهما بصحبة رفاقه الذين استعدوا للرحيل. 

نجحت فى كبت انفعالاتها وهي تودع ضيوفها بالابتسامة ذاتها التي استقبلتهم بها.. لم تهتم كثيرًا عندما اقتربت منه أماندا وراحت تبتسم وتهمس له في استفزاز مقصود.. فليذهبا للجحيم..  
  أخيرًا ذهب الجميع.. أغلق الباب في هدوء قبل أن يستدير لينفجر بها صارخًا:
-    هل قدمتِ لي تفسيرًا يناسب طيشك هذه الليلة..؟!
-    طيشي..! لا تنكر أن ضيوفك أبهرهم عزفي.
-    ضيوفي..! هؤلاء الذين تركتِ لي مهمة الترحيب بهم وحدي.. وكأنهم لم يأتوا من أجلكِ أيضًا. 
-    ظننتُ أن أماندا قامت بدور العروس المتيمة خير مني.
-    هل تغارين؟
-    كلا بالطبع.. ليس بيننا ما يدفعني للغيرة.
تطلع إليها صامتًا.. حاولت تجاهل نظراته المتفحصة قائلة:
-    في جيب سترتك شيء يخصني.
-    ماذا؟

نظرت إليه فى تحدٍ فوضع يده في سترته ليخرج منها الورقة التي كتب لها فيها ذلك العازف اسمه واسم المعهد الذي يعمل به.. مط شفتيه وهو يتطلع إلى ما كتبه الأخير في لامبالاة قبل أن يمزقها قائلًا:
-    كما أخبرته.. لا أظن أنكِ في حاجة إليها.
هتفت في ثورة:
-    لماذا مزقتها..؟
-    لا رد للوقاحة سوى المزيد منها.
-    ماذا تعني؟ هذا الرجل مُدرس للموسيقى وأنا أريد أن أتعلمها أكثر.. أنتَ تعلم عشقي لها منذ زمن فما المشكلة..؟
-    ما المشكلة..؟! حسنًا.. أنا المشكلة كالعادة.. أنا أكره الموسيقى ولا أريدك أن تتعلميها.
-    وأنا أحبها.. أنا من سأتعلمها وليس أنتَ.
-    وأنا لا أوافق.
-    ولكن هذا ليس إنصافًا.
-    أخبرتكِ من قبل بأنكِ آخر من يتكلم عن الإنصاف.  
استدار ليذهب ولكنها أمسكت به وهي تحاول التحكم في نبراتها لتبدو هادئة حين عادت تستعطفه:
-    بالله دعني أذهب لذلك العازف.
-    مستحيل.
-    لماذا؟
-    لنقل أنني أغار منه.. إن كان هذا يرضيكِ.
مضى وتركها تحدق في ظهره ساخطة.. يا له من متسلط كريه.. كانت تظنه يعشق أماندا ولكن يبدو أنه يتسلى بهما معًا ولا يعشق سوى ذاته..!


 
انتظروا تكملة الرواية أحبائي,


رابط الحلقة الأولى

https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/598319.html

رابط الحلقة الثانية 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/601369.html

رابط الحلقة الثالثة 
https://m.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/604334.html
رابط الحلقة الرابعة 
https://m.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/606895.html
رابط الحلقة الخامسة 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/610556.html
رابط الحلقة السادسة 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/617299.html


No



يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق