رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

جولة السيسي في آسيا.. البحث عن قوة الاقتصاد في عالم تتغير موازين نفوذه

بوابة الجمهورية

لم تعد الزيارات الرئاسية مجرد لقاءات دبلوماسية وتوقيع اتفاقيات، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع على النفوذ والأسواق والتكنولوجيا والطاقة. وفي هذا السياق، تأتي جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الآسيوية، التي شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، لتطرح سؤالاً يتجاوز العلاقات الثنائية: كيف يمكن لمصر أن تستفيد من صعود آسيا لتعزيز اقتصادها وموقعها في النظام الدولي؟


تتحول آسيا إلى مركز رئيسي للصناعة والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار، بينما تواجه الاقتصادات الناشئة ضغوطاً بسبب اضطراب سلاسل الإمداد والصراعات الدولية وارتفاع تكاليف الطاقة. لذلك تسعى القاهرة إلى تنويع شركائها، وفتح أسواق جديدة أمام صادراتها، وجذب استثمارات تدعم الإنتاج وتوفر فرص العمل.
لكن القيمة الحقيقية للجولة لا تقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة مصر على تحويل التقارب السياسي إلى مصانع ومشروعات وصادرات وفرص عمل يشعر المواطن بأثرها.


آسيا وتنويع الشراكات


لم يعد الانفتاح على آسيا خياراً إضافياً، بل أصبح ضرورة للدول التي تريد تقليل اعتمادها على عدد محدود من الشركاء. فكوريا الجنوبية تمتلك خبرات متقدمة في التكنولوجيا والإلكترونيات والصناعات الحديثة، بينما تمثل ماليزيا وإندونيسيا سوقين مهمين وتجربتين جديرتين بالتعاون في الإنتاج والتجارة والاستثمار.
وتدرك مصر أن العقوبات الاقتصادية والتوترات العسكرية واضطراب التجارة يمكن أن تتحول إلى عوامل ضغط خطيرة. ومن هنا تبرز أهمية توسيع العلاقات مع القوى الآسيوية والاستفادة من قدراتها الصناعية والتكنولوجية، بما يمنح الاقتصاد المصري مصادر استثمار وأسواقاً أكثر تنوعاً.
ولا يعني ذلك الابتعاد عن الولايات المتحدة أو أوروبا، بل توسيع دائرة الخيارات في عالم متعدد مراكز القوة. فالاقتصاد الأكثر قدرة على الصمود هو الذي يمتلك شبكة واسعة من الشراكات ومصادر التكنولوجيا والأسواق.


كوريا الجنوبية: الاختبار بعد الاتفاقيات


تحمل الشراكة المصرية الكورية فرصاً مهمة، خصوصاً بعد رفع مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية وتوسيع التعاون في التكنولوجيا والاتصالات والاقتصاد. كما أن لقاء الرئيس السيسي ممثلي 23 شركة كورية يعكس رغبة في فتح مسارات جديدة للاستثمار.
غير أن الاتفاقيات لا تصنع التنمية وحدها. فقيمتها تتحدد بقدرتها على الانتقال من الأوراق إلى خطوط الإنتاج. وتحتاج مصر إلى استثمارات تنقل التكنولوجيا، وتدرب العمالة، وتدمج الشركات المحلية في سلاسل الإنتاج العالمية. والمطلوب ليس مجرد دخول رؤوس أموال، بل إنشاء مصانع، وزيادة الصادرات، وتوفير وظائف مستقرة، ورفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد.
تمتلك مصر موقعاً يربط إفريقيا بالعالم العربي وأوروبا، وسوقاً محلية كبيرة، وبنية تحتية تطورت خلال السنوات الماضية. لكن هذه المزايا تحتاج إلى سياسات تشجع الإنتاج، وتيسر الإجراءات، وتحد من العقبات أمام الصناعة، وتمنح المنتج المحلي فرصة للمنافسة.
والهدف أن تتحول مصر من سوق للمنتجات الأجنبية إلى قاعدة صناعية وتصديرية تنطلق منها المنتجات إلى الأسواق الإقليمية والدولية.


الإنتاج في مواجهة الاستيراد


يواجه الاقتصاد المصري ثلاثة تحديات مترابطة: جذب استثمارات منتجة تضيف طاقات صناعية، وزيادة الصادرات لتوفير العملة الأجنبية، وتوطين الصناعات القابلة للمنافسة لتقليل الاعتماد على الواردات.
ويمكن للشراكات الآسيوية أن تساعد في ذلك إذا قامت على مصالح متبادلة. فالمستثمر يحتاج إلى الاستقرار ووضوح القواعد وسرعة الإجراءات، بينما تحتاج مصر إلى التكنولوجيا وفرص العمل وزيادة القيمة المضافة.
لذلك لا ينبغي تقييم الجولة بحجم الاتفاقيات المعلنة، بل بما يتحقق لاحقاً: كم مصنعاً بدأ الإنتاج؟ ما حجم الاستثمارات التي دخلت فعلياً؟ هل زادت الصادرات؟ وكم فرصة عمل أُنشئت؟ فالمشروع الذي لا يضيف إلى الإنتاج أو يفتح أسواقاً جديدة تظل آثاره محدودة مهما كانت العناوين كبيرة.


الاقتصاد في قلب الجغرافيا السياسية
لا يمكن فصل التحرك المصري في آسيا عن البيئة الإقليمية المضطربة. فالحرب في غزة، والتوترات في الخليج، وأزمات السودان وليبيا، والتحديات في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، كلها تؤثر في الأمن والاقتصاد المصريين.
اضطراب الملاحة ينعكس على التجارة وإيرادات قناة السويس، وارتفاع أسعار الطاقة يزيد تكاليف الإنتاج والنقل، بينما تؤثر حالة عدم اليقين في الاستثمار والسياحة. كما تفرض الصراعات في الدول المجاورة أعباء إضافية على الأمن والاستقرار والتنمية.
في هذا السياق، يصبح تنويع العلاقات الاقتصادية والسياسية ضرورة. فمصر ليست بحاجة إلى الانضمام إلى صراعات المحاور بقدر حاجتها إلى حماية مصالحها واستقلال قرارها وتوسيع خياراتها. والقوة لا تقاس بعدد العلاقات الدبلوماسية فقط، بل بقدرة الدولة على توظيفها لتقليل المخاطر وتأمين احتياجاتها وبناء اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات.


ماذا بعد الجولة؟
المرحلة المقبلة هي الاختبار الحقيقي. فالحكومة مطالبة بمتابعة الاتفاقيات وتحويلها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، والقطاع الخاص مطالب بشراكات إنتاجية وتصديرية، كما ينبغي ربط التوسع الصناعي بالتعليم الفني والتدريب ونقل المعرفة.
ويجب اعتماد مؤشرات واضحة تقيس الاستثمارات التي دخلت حيز التنفيذ، وعدد المصانع وخطوط الإنتاج، ونسبة المكون المحلي، وقيمة الصادرات الجديدة، وعدد الوظائف المباشرة وغير المباشرة.
يمكن أن تتحول الشراكة مع كوريا الجنوبية إلى مشروعات لتصنيع مكونات السيارات والإلكترونيات والأجهزة المنزلية، مع برامج تدريب مشتركة تتيح تصدير المنتجات إلى إفريقيا والدول العربية. وفي ماليزيا وإندونيسيا، يمكن توجيه التعاون إلى الصناعات الغذائية والدوائية والبتروكيماويات والملابس والطاقة والخدمات اللوجستية، مستفيدين من خبراتهما في التصنيع التصديري وسلاسل القيمة.
وينبغي ألا تقتصر الفائدة على تشغيل العمال، بل تشمل نقل التكنولوجيا وتأهيل الموردين المحليين، حتى تستفيد الشركات الصغيرة والمتوسطة من الاستثمارات الأجنبية.


معركة المستقبل تبدأ من الاقتصاد


تفتح جولة الرئيس السيسي في آسيا الباب أمام سؤال أكبر: هل تستطيع مصر تحويل موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها إلى قوة اقتصادية وإنتاجية حقيقية؟
الفرص موجودة، لكن استثمارها يحتاج إلى رؤية تتجاوز توقيع الاتفاقيات نحو بناء المصانع، وتوطين التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، وتقليل مواطن الضعف في الاقتصاد.
في عالم تتغير فيه موازين النفوذ، تحتاج الدبلوماسية إلى اقتصاد يسندها، والموقع الجغرافي إلى صناعة تستثمره، والعلاقات الدولية إلى إنتاج يمنحها قيمة عملية. عندها فقط يمكن أن تتحول جولة آسيا من تحرك دبلوماسي إلى خطوة تجعل مصر شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد متأثر بالتحولات التي يرسمها الآخرون.،،،!؛


محمد سعد عبد اللطيف 

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية،،!!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة