رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قهوة‭ ‬الصباح

المعجزة‭ ‬الكورية .. كيف‭ ‬نصبح‭ ‬أغنياء‭ ‬فى‭ ‬نصف‭ ‬قرن؟

بوابة الجمهورية

عندما‭ ‬يسألنى‭ ‬سائل‭ ‬ماذا‭ ‬تعنى‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬مصر‭ ‬دولة‭ ‬متقدمة‭ ‬؟‭ ‬أجيب‭ ‬بسرعة‭ ‬ودون‭ ‬تفكير‭ ‬وباختصار‭ ‬بقولى‭ ‬‮«‬‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬مصر‭ ‬دولة‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬أو‭ ‬كوريا‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬فيتنام‮»‬‭ ! ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬مصر‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬وعشرة‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة‭ ‬ناتجهم‭ ‬الإجمالى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬بكثير‭ ‬ونصيب‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الناتج‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬3‭ ‬آلاف‭ ‬دولار‭ ‬وتبلغ‭ ‬صادراتنا‭ ‬ما‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬فقط‭! ‬أما‭ ‬كوريا‭ ‬فعدد‭ ‬سكانها‭ ‬يزيد‭ ‬قليلا‭ ‬على‭ ‬50‭ ‬مليون‭ ‬نسمة‭ ‬ناتجهم‭ ‬الإجمالى‭ ‬1800‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭! ‬ويصدرون‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬700‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬ونصيب‭ ‬الفرد‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬وثلاثين‭ ‬ألف‭ ‬دولار،‭ ‬فكيف‭ ‬تعبر‭ ‬دولة‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الفقر‭ ‬والغنى‭ ‬فى‭ ‬نحو‭ ‬خمسين‭ ‬عامًا؟‭ ‬وكيف‭ ‬يخرج‭ ‬شعب‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬أنقاض‭ ‬الحرب‭ ‬ليحجز‭ ‬لنفسه‭ ‬مكانًا‭ ‬بين‭ ‬كبار‭ ‬المنتجين‭ ‬والمصدّرين؟‭ ‬حين‭ ‬نتأمل‭ ‬التجربة‭ ‬الكورية،‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يشغلنا‭: ‬ماذا‭ ‬فعل‭ ‬هؤلاء‭ ‬حتى‭ ‬تحولت‭ ‬بلادهم‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬تنتظر‭ ‬المساعدة‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬تقدمها‭ ‬للآخرين؟
خرجت‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬امتدت‭ ‬بين‭ ‬عامى‭ ‬1950‭ ‬و1953،‭ ‬وقد‭ ‬تهدمت‭ ‬مدنها‭ ‬وتضررت‭ ‬بنيتها‭ ‬الأساسية،‭ ‬واستنزفت‭ ‬الحرب‭ ‬البشر‭ ‬والموارد‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نقطة‭ ‬البداية‭ ‬مريحة،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬البلاد‭ ‬تجلس‭ ‬فوق‭ ‬بحر‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬تنتظر‭ ‬استخراج‭ ‬ثروته‭. ‬كانت‭ ‬أمام‭ ‬مجتمع‭ ‬فقير،‭ ‬واقتصاد‭ ‬ضعيف،‭ ‬ودولة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء،‭ ‬فى‭ ‬ظل‭ ‬انقسام‭ ‬جغرافى‭ ‬وسياسى‭ ‬وعسكرى‭ ‬ظل‭ ‬يرافق‭ ‬رحلتها‭.‬
ولكى‭ ‬ندرك‭ ‬حجم‭ ‬المسافة،‭ ‬يكفى‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬نصيب‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالى‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬158‭ ‬دولارًا‭ ‬عام‭ ‬1960،‭ ‬ثم‭ ‬تجاوز‭ ‬31‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬مادييرا‭ ‬كما‭ ‬أوضحت‭ ‬الأم‭ ‬عن‭ ‬360‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬الجاري‭. ‬وهى‭ ‬مقارنة‭ ‬لا‭ ‬تقيس‭ ‬وحدها‭ ‬تحسن‭ ‬المعيشة‭ ‬بسبب‭ ‬تغير‭ ‬الأسعار،‭ ‬لكنها‭ ‬تكشف‭ ‬حجم‭ ‬التحول،‭ ‬وتؤكدها‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكورى‭ ‬أصبح‭ ‬عام‭ ‬1996‭ ‬أكبر‭ ‬بنحو‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬ضعف‭ ‬حجمه‭ ‬الحقيقى‭ ‬عام‭ ‬1960‭ ‬نحن‭ ‬إذن‭ ‬أمام‭ ‬رحلة‭ ‬صعود‭ ‬امتدت‭ ‬عقودًا،‭ ‬كان‭ ‬نصف‭ ‬القرن‭ ‬قلبها‭ ‬الحاسم‭ ‬بدأت‭ ‬الحكاية‭ ‬بقرار‭ ‬واضح‭: ‬الصناعة‭ ‬طريق‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الفقر،‭ ‬والتصدير‭ ‬امتحان‭ ‬نجاحها‭. ‬فمنذ‭ ‬الستينيات،‭ ‬تبنت‭ ‬الدولة‭ ‬خططًا‭ ‬للتنمية،‭ ‬ووجهت‭ ‬التمويل‭ ‬والاستثمار‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬القدرة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ثم‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬إحلال‭ ‬الواردات‭ ‬إلى‭ ‬تشجيع‭ ‬الصادرات‭. ‬كان‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬السلعة‭ ‬الكورية‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتنافس،‭ ‬وتحقق‭ ‬عائدًا‭ ‬يسمح‭ ‬بالتوسع‭ ‬والتطوير‭. ‬فالمنتج‭ ‬الذى‭ ‬يرضى‭ ‬عنه‭ ‬المسؤول‭ ‬داخل‭ ‬بلاده‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬ناجحًا‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يختاره‭ ‬المستهلك‭ ‬خارجها‭ ‬لم‭ ‬تقفز‭ ‬كوريا‭ ‬إلى‭ ‬الصناعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭. ‬بدأت‭ ‬بصناعات‭ ‬أبسط،‭ ‬ثم‭ ‬صعدت‭ ‬إلى‭ ‬الصلب‭ ‬والسفن‭ ‬والسيارات،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬الإلكترونيات‭ ‬والتكنولوجيا‭. ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬بنت‭ ‬فوق‭ ‬ما‭ ‬سبقها،‭ ‬وأضافت‭ ‬معرفة‭ ‬وخبرة‭ ‬وقدرة‭ ‬جديدة‭. ‬وهذا‭ ‬فى‭ ‬تقديرى‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أسرار‭ ‬التجربة‭: ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للدولة‭ ‬سلم‭ ‬تصعد‭ ‬عليه،‭ ‬وأن‭ ‬تعرف‭ ‬موقعها‭ ‬على‭ ‬درجاته،‭ ‬فلا‭ ‬تحتقر‭ ‬البداية‭ ‬الصغيرة،‭ ‬ولا‭ ‬تتوهم‭ ‬أن‭ ‬إعلان‭ ‬الطموح‭ ‬يساوى‭ ‬تحقيقه‭.‬
وكان‭ ‬التعليم‭ ‬حاضرًا‭ ‬فى‭ ‬قلب‭ ‬المشروع‭. ‬احتاج‭ ‬المصنع‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬مؤهل،‭ ‬واحتاجت‭ ‬الصناعة‭ ‬إلى‭ ‬مهندس،‭ ‬واحتاج‭ ‬التطوير‭ ‬إلى‭ ‬باحث؛‭ ‬فتوسعت‭ ‬كوريا‭ ‬فى‭ ‬التعليم‭ ‬وتنمية‭ ‬المهارات،‭ ‬ثم‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭. ‬التعليم‭ ‬هنا‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬عمله‭ ‬وإضافة‭ ‬قيمة‭ ‬إليه‭. ‬وما‭ ‬جدوى‭ ‬آلاف‭ ‬الشهادات‭ ‬إذا‭ ‬ظلت‭ ‬المصانع‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مهارة‭ ‬لا‭ ‬تجدها،‭ ‬وظل‭ ‬الخريجون‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬وظائف‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬أدواتها؟
ومن‭ ‬الإنصاف‭ ‬ألا‭ ‬نحول‭ ‬التجربة‭ ‬إلى‭ ‬حكاية‭ ‬عن‭ ‬الإرادة‭ ‬وحدها‭. ‬استفادت‭ ‬كوريا‭ ‬من‭ ‬المساعدات‭ ‬والتمويل‭ ‬الخارجي،‭ ‬ومن‭ ‬فرص‭ ‬التجارة‭ ‬ونقل‭ ‬المعرفة‭. ‬لكن‭ ‬الدرس‭ ‬الذى‭ ‬أراه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الموارد‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬نفعًا‭ ‬حين‭ ‬تدخل‭ ‬فى‭ ‬مشروع‭ ‬لبناء‭ ‬القدرة‭ ‬الذاتية؛‭ ‬طريق‭ ‬يخدم‭ ‬الإنتاج،‭ ‬ومدرسة‭ ‬ترفع‭ ‬الكفاءة،‭ ‬ومصنع‭ ‬يتعلم‭ ‬ثم‭ ‬يطور‭. ‬فالمساعدة‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تسند‭ ‬البداية،‭ ‬أما‭ ‬استمرار‭ ‬الرحلة‭ ‬فيحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬تعرف‭ ‬ماذا‭ ‬تريد‭.‬
ولم‭ ‬يكن‭ ‬الطريق‭ ‬مفروشًا‭ ‬بالورود‭. ‬كشف‭ ‬النموذج‭ ‬عن‭ ‬اختلالات،‭ ‬خاصة‭ ‬فى‭ ‬ديون‭ ‬الشركات‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬بالبنوك،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الآسيوية‭ ‬عام‭ ‬1997‭ ‬لتضرب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بعنف‭. ‬اضطرت‭ ‬كوريا‭ ‬إلى‭ ‬طلب‭ ‬مساعدة‭ ‬طارئة،‭ ‬ودفعت‭ ‬ثمنًا‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬مؤلمًا،‭ ‬لكنها‭ ‬أعادت‭ ‬هيكلة‭ ‬الشركات‭ ‬وطورت‭ ‬قواعد‭ ‬إدارتها‭. ‬كان‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالخلل‭ ‬وإصلاحه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬الصعود‭.‬
وحين‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬التجربة‭ ‬بعيون‭ ‬مصرية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬التى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستفيد‭ ‬منها‭: ‬تعليم‭ ‬يخدم‭ ‬التنمية،‭ ‬وصناعة‭ ‬تقاس‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬المنافسة،‭ ‬وتمويل‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬الإنتاج،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬تراجع‭ ‬النتائج‭ ‬وتصحح‭ ‬الأخطاء‭. ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬ظروفها،‭ ‬لكن‭ ‬الجدية‭ ‬فى‭ ‬التنفيذ‭ ‬تصلح‭ ‬لكل‭ ‬الظروف‭.‬
فى‭ ‬عام‭ ‬2010،‭ ‬انضمت‭ ‬كوريا‭ ‬إلى‭ ‬لجنة‭ ‬المساعدة‭ ‬الإنمائية‭ ‬بمنظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادى‭ ‬والتنمية؛‭ ‬لتكتمل‭ ‬دلالة‭ ‬انتقالها‭ ‬من‭ ‬تلقى‭ ‬العون‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬فى‭ ‬تقديمه‭. ‬وهنا‭ ‬تستحق‭ ‬التجربة‭ ‬التأمل‭: ‬شعب‭ ‬غيّر‭ ‬موقعه‭ ‬فى‭ ‬العالم‭ ‬حين‭ ‬راكم‭ ‬المعرفة‭ ‬والعمل‭ ‬والإنتاج‭. ‬فهل‭ ‬نقرأ‭ ‬رحلته‭ ‬باعتبارها‭ ‬قصة‭ ‬تثير‭ ‬الإعجاب،‭ ‬أم‭ ‬باعتبارها‭ ‬تجربة‭ ‬تفتح‭ ‬أمامنا‭ ‬بابًا‭ ‬للعمل؟
 

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة