فى ظل العالم الرقمي الذي أصبحنا نعيش فيه الآن؛والذي فرض كثير من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية طغت الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي على عقول وأوقات الأبناء فبات بر الوالدين أمر غائب يكاد بصعوبة أن يتحقق وهو الأمر الذي حرصت دار الإفتاء المصرية على مناقشته وطرحه عبر مؤتمرها الدولي الحادي عشر هذا العام والذي عُقد تحت عنوان:"تحديات الأسرة فى ظل التحولات الكبرى".
فى حوار خاص لـ"بوابة الجمهورية" تُجيب أمينة الفتوى"مروة سعد الدين" عن كيفية إحسان الأبناء بر آبائهم وتوضح الأبعاد التربوية للحديث الشريف "رحم الله والدًا أعان ولده على بره"؛كما تكشف عن الطرق التي قد يكون بها الآباء سببًا في عقوق أبنائهم دون قصد من خلال القسوة أو غياب القدوة.إلى نص الحوار:
**"رحم الله والدًا أعان ولده على بره"..فما المقصود بذلك؟
-وردت تلك المقولة في أكثر من رواية، منها:"رحم الله والدًا أعان ولده على بره، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يقبل إحسانه، ويتجاوز عن إساءته"؛وهي من الكلمات التي وإن اختُلف في ثبوت لفظها بالضبط عن النبي ﷺ، إلا أن أهل العلم أجمعوا على أن معناها صحيح تمامًا، وتشهد له نصوص أخرى ثابتة قطعًا، مثل قوله تعالى ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، وحديث "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته".
ومعناها أن الوالد له دور في أن يكون ابنه بارًّا به، لا أن البر يقع على الابن وحده من فراغ.
**وما الذي تضيفه العبارة السابقة إلى فهمنا لبر الوالدين؟
-تضيف بُعدًا غائبًا تمامًا عن حديثنا المعتاد. نحن نتعامل مع البر وكأنه واجب يقع على الابن وحده، بينما الصورة الكاملة أن البر علاقة بين طرفين، لا هبة يمنحها طرف لآخر. فالابن مأمور بالبر لذاته، نعم، لكن الوالد أيضًا مطالَب بأن يُمهّد الطريق لهذا البر: بالعدل، وبحسن التربية، وبالتجاوز عن هفوات ابنه بدل تصيدها.
**إذا وقع تقصير من الوالد،فهل يسقط عن الابن واجب البر؟
-لا، بتاتًا، وهذه نقطة أحرص أن تكون واضحة؛فالبر عبادة مستقلة لا تتوقف على حسن معاملة الوالد لكن الفرق أن تقصير الوالد - وإن لم يُسقط الواجب عن الابن - يجعل الطريق إليه أصعب وأشق،فالخطاب هنا موجّه للوالد بمسؤوليته، لا للابن بالتنصل من واجبه.
**فى ظل عالمنا الرقمي..كيف نرى هذا المعنى في واقع الأسرة اليوم؟
-الابن اليوم يعيش في عالم رقمي بعيد كل البعد عن عالم والديه، وإذا تُرك هذا التباعد دون جسر، يتحول من مجرد اختلاف إلى جفاء عاطفي حقيقي كما أن ضغط العمل وطول ساعاته قلّصا من حضور الأب في حياة ابنه، مع أن الحضور - لا الإنفاق وحده - هو جوهر ما تعنيه كلمة "يقبل إحسانه"، فكيف يُقبل إحسان مَن لا يُرى؟.
أسر كثيرة تتأرجح بين التسلط الذي يزرع الخوف والتسيّب الذي يُفقد الابن مرجعيته، وكلاهما يجعل البر عبئًا لا شعورًا صادقًا. وفي حالات الطلاق والخلافات الزوجية، يتحول الابن أحيانًا إلى أداة صراع بين والديه، وهذا أبعد ما يكون عن معنى أن يكون الوالد "معينًا" له،وأخيرًا هناك غياب القدوة، في زمن ينافس فيه مؤثرون على الشاشة تأثير الأب والأم أنفسهما.
**كيف يوازن الأبناء بين البر والعقوق إذا أعاق الآباء بر أبنائهم؟
-حين يُقال "رحم الله والدًا أعان ولده"، يخطر ببالنا سؤال طبيعي: فماذا عن الوالد الذي لم يُعِن ولده؟ أقصى ما يمكن أن يُفهم أن هذا الوالد لا ينال هذا الثناء الخاص، هذا كل ما في الأمر لكن لا يصح أن نتوسّع فنقول إنه بذلك يكون قد "أعان على عقوق" ابنه له، فهذه قفزة أبعد مما يحتمله الكلام.
فعدم إعانة الابن على البر شيء، والتسبب الفعلي في عقوقه شيء آخر مختلف تمامًا، ولا يصح الخلط بينهما.
**هناك قصة متداولة تُنسب لسيدنا عمر بن الخطاب عن العقوق فما صحتها؟
-يتداول البعض عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع رجل جاءه يشكو عقوق ابنه، فسأل عمر الابن، فذكر تقصير أبيه معه منذ صغره، فقال له عمر: "لقد عققته قبل أن يعقك".
هذه القصة، رغم جمال أثرها وكثرة تردادها في الخطب والمجالس،لا يصح نسبتها إلى عمر رضي الله عنه فهي غير موثقة بأي إسناد يُعتمد لكن المعنى الذي تحمله له في الحقيقة ما يشهد له من كلام أهل العلم المعتبَرين
فالإمام ابن القيم رحمه الله ذكر في كتابه "تحفة المودود بأحكام المولود" أن الله يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، وأن أكثر فساد الأبناء ناشئ أصلًا من تقصير آبائهم،وهذا معنى يتوافق أيضًا مع الحديث النبوي الثابت: "من سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده"، فمن علّم ابنه بسوء معاملته نمطًا سيئًا في التعامل، شارَكَه في تبعة ما آل إليه هذا النمط.
**هل إعانة الآباء للأبناء تقتصر على الجانب الاجتماعي والنفسي؟
-لا، فإعانة الآباء للأبناء مفهوم واسع وشامل وهى في الجانب الديني أظهر ما تكون، ومن أهم صورها أن يتصرف الوالد بحكمة لا بانفعال حين يتعلق الأمر بالفرائض والطاعات، ومنها البر نفسه، فحين يقصّر الابن في صلاته، أو يبدر منه ما يُشبه التطاول مع والده، يسهل جدًا أن ينجرّ الوالد إلى ردة فعل غاضبة فورية،وإن بدا "دفاعًا عن الدين" أو "حقًّا مشروعًا" للوالد، إلا أنه غالبًا يُنتج نتيجة عكسية تمامًا، فيكره الابن الفرض نفسه بسبب طريقة إيصاله لا بسبب الفرض ذاته.
فعلى الوالد أن يتعامل بالحكمة ويوازن بين حزمه في أصل الطاعة وبين رفقه في طريقة الوصول إليها.
**بماذا تُنصحي القرّاء فيما يخص بر الآباء؟
-أوصيهم بأن البيت الذي يُثمر برًّا من أبنائه غالبًا بيت مهّد فيه الوالدان الطريق أولًا،فالبر ليس معجزة تحدث فجأة، بل هو ثمرة سنوات من العدل والقدوة والحضور الحقيقي.
اترك تعليق