ترك الغربة واختار الاستثمار في الصحراء..
من مدرس إلى مستثمر زراعي.. رحلة بدأت بـ30 مليونا وتصدير التمور لأوروبا
أبوحلوة راهن على نخيل المجدول وحلم الألف فدان في الفرافرة
-علي الشباب ألا ينتظروا الوظيفة.. بل اصنعوا فرصكم بأيديكم
لم تبدأ الحكاية من مكتب رجل أعمال، ولا من قاعات اجتماعات المستثمرين، بل من مشهد شاهده مدرس كيمياء على شاشة التلفزيون عام 2017، خلال افتتاح مشروع استصلاح وزراعة مليون ونصف المليون فدان في سهل بركة بالفرافرة.. يومها، لفت انتباهه مشهد زراعة القمح في قلب الصحراء، فبدأت تتشكل في ذهنه فكرة مختلفة.. لماذا لا يكون الريف المصري والصحراء الغربية بوابة لمستقبل أفضل، بدلًا من أن تظل الغربة هي الطريق الوحيد لتحسين الدخل؟
عطية محمد فتح الله أبوحلوة 56 عامًا، مدرس كيمياء ومدير مدرسة بمركز مطوبس في محافظة كفر الشيخ، خاض تجربة العمل في إحدى دول الخليج، قبل أن يقرر الاستقالة والعودة إلى وطنه، حاملًا حلمًا استثماريًا اختار له سهل بركة بالفرافرة مسرحًا للتنفيذ.
بدأ عطية رحلة البحث والدراسة، التي استمرت ثلاث سنوات، قبل أن يتحول الحلم إلى مشروع زراعي بدأه باستثمار بلغ 30 مليون جنيه، مستهدفًا زراعة النخيل، وإنتاج تمور المجدول، والتوسع تدريجيًا حتى الوصول إلى ألف فدان، مع طموح لتعزيز التصدير إلى الأسواق الأوروبية.
وفي هذا الحوار، يكشف أبو حلوة تفاصيل رحلته من الغربة إلى الصحراء، وكواليس تأسيس مشروعه، والتحديات التي واجهته في تسعير الأراضي والسداد، وأهمية الاستعانة بالخبرات الزراعية، كما يوجه رسالة إلى الشباب حول فرص العمل والاستثمار في الصحراء الغربية.. من الفكرة إلى التنفيذ. خلال ثلاث سنوات.
كيف بدأت فكرة الاستثمار الزراعي لديك، رغم أنك تعمل في مجال التعليم؟
.. بدأت الفكرة عام 2017، عندما افتتح الرئيس مشروع استصلاح وزراعة مليون ونصف المليون فدان في سهل بركة بالفرافرة. شاهدت على شاشة التلفزيون مساحات مزروعة بالقمح في قلب الصحراء، وكان المشهد نقطة تحول في تفكيري. وقتها أدركت أن الريف المصري والصحراء الغربية يمكن أن يكونا مستقبلًا حقيقيًا للاستثمار والإنتاج.
بدأت دراسة المشروع لمدة ثلاث سنوات، وكنت أتابع كل ما يتعلق بالمنطقة وإمكاناتها الزراعية. وفي الوقت نفسه، كانت هناك تداعيات اقتصادية دفعت بعض دول الخليج إلى تقليص العمالة، وهو ما جعلني أعيد التفكير في مستقبلي المهني.
كنت أعمل مدرسًا في إحدى دول الخليج، لكنني آمنت بأن الاستثمار في وطني أكثر استدامة من الاعتماد على راتب أحصل عليه في الغربة لسنوات طويلة. ومن هنا بدأت تتبلور فكرة العودة إلى مصر وإقامة مشروع زراعي خاص بي.
لماذا اخترت محافظة الوادي الجديد وسهل بركة بالفرافرة تحديدًا؟
.. اخترت الوادي الجديد لما تتمتع به من مساحة جغرافية واسعة وإمكانات زراعية، وبدأت البحث عن المكان المناسب من حيث التربة والمناخ ومصادر المياه.
لم أتخذ القرار بصورة عشوائية، بل استعنت بمهندسين متخصصين، وذهبت لمعاينة مناطق زراعية ومتابعة تجارب الإنتاج على أرض الواقع، حتى استقر اختياري على سهل بركة بالفرافرة، لما وجدته فيها من مقومات تناسب طبيعة المشروع الذي كنت أخطط له.
كان عام 2020 البداية الحقيقية للتنفيذ، بعد سنوات من الدراسة والبحث. وكنت أريد تأسيس مشروع كبير لا يقتصر على زراعة عدد محدود من النخيل، وإنما يمتلك القدرة على التوسع المستقبلي والإنتاج المستمر.
ألف فدان.. وكانا البداية بـ200 فدان
: ما الخطة التي وضعتها للمشروع منذ البداية؟
.. كان هدفي الحصول على مساحة كبيرة تصل إلى ألف فدان، على أن أبدأ بزراعة نحو 200 فدان بالنخيل، ثم أستفيد من الفسائل الناتجة عن النخيل المزروع في التوسع تدريجيًا وزراعة بقية المساحة.
كنت أفكر في مشروع متكامل يستطيع أن ينمو من خلال إنتاجه، بدلًا من الاعتماد الكامل على شراء فسائل جديدة كلما أردت التوسع. وبذلك تصبح المساحة الكبيرة استثمارًا طويل الأجل، وتكون هناك خطة واضحة للانتقال من مرحلة التأسيس إلى الإنتاج ثم التوسع.
لماذا اخترت نخيل المجدول تحديدًا؟
.. بعد دراسة أنواع النخيل، اتجهت إلى نخيل المجدول، ودرست طبيعة زراعته وإمكانات تسويق إنتاجه وتصديره. كنت أبحث عن محصول له قيمة تسويقية جيدة، ويمكن أن يفتح أمام المشروع فرصًا في الأسواق الخارجية.
الاستثمار الزراعي يحتاج إلى دراسة قبل ضخ الأموال؛ فاختيار الصنف المناسب، والفسائل الجيدة، والمكان الصحيح، والاستعانة بالمتخصصين، كلها عوامل مؤثرة في نجاح المشروع.
كم بلغت تكلفة البداية، وكيف بدأت شراء الأراضي؟
.. بدأت مشروعي بمبلغ يقارب 30 مليون جنيه. وكان سعر الفدان في بداية تعاملي مع المشروع نحو 70 ألف جنيه، وكنت أشتري المساحات كلما توافرت لديّ الأموال اللازمة.
وتعاملت مع احدي الشركات واشتريت منها مساحة بلغت نحو 1250 فدانًا. ولم يكن الهدف مجرد امتلاك الأرض، بل تأسيس مشروع زراعي له مستقبل وخطة توسع واضحة.. وأشكر المهندس شربجي غريب على ما قدمه لي من مساعدة وخبرة في بداية الاستثمار، فقد تعلمت منه الكثير عن طبيعة العمل، وأهمية متابعة الإنتاج، وكيفية التعامل مع المشكلات التي تواجه المستثمر في مراحل التأسيس.
ما أبرز التحديات التي واجهتك في بداية المشروع؟
.. من أبرز التحديات مسألة تسعير الأراضي وطريقة السداد. فقد ارتفع سعر الفدان، وفقًا لما واجهته في المشروع، من نحو 16 ألف جنيه إلى 70 ألف جنيه، وهو ما شكّل عبئًا كبيرًا عليّ في تدبير المبالغ المطلوبة للسداد.. لكن بعد تشكيل لجنة لتسعير الأراضي وإعادة تقييم الأسعار، أصبح الوضع أكثر قابلية للتعامل معه. وأرى أن تحديد سعر عادل للأرض، مع توفير تسهيلات مناسبة في السداد، يساعد المستثمر على الاستمرار ويشجعه على ضخ المزيد من الأموال في الإنتاج.
وأشيد بالدور الذي قامت به الدكتورة حنان محافظ الوادي الجديد آنذاك، في دعم المستثمرين والعمل على تيسير إجراءات السداد وإزالة بعض المعوقات التي تواجههم.
فالمستثمر يحتاج إلى بيئة واضحة ومستقرة، وإجراءات تساعده على العمل والإنتاج، لأن نجاح المشروع لا يعود بالنفع على صاحبه وحده، بل يخلق فرص عمل ويسهم في تنمية المنطقة.
من الفرافرة لأوروبا.
هل نجح المشروع في الوصول إلى الأسواق الخارجية؟
.. نعم استطعت الوصول بإنتاج المشروع من التمور إلى التصدير بمساعدة الشركة التي تولت تصدير الإنتاج إلى هولندا وعدد من الدول الأوروبية.. وهذه خطوة مهمة في مسيرة المشروع؛ لأن الهدف من زراعة المحاصيل ذات القيمة التسويقية ليس الإنتاج فقط، وإنما الوصول إلى الأسواق التي تستطيع استيعاب هذا الإنتاج وتقديره.
والتصدير يحتاج إلى الاهتمام بجودة المنتج، واختيار الصنف المناسب، والالتزام بالمتطلبات التي تفرضها الأسواق المستهدفة. ولذلك أرى أن الاستثمار الزراعي يجب أن يقوم على رؤية واضحة تبدأ من اختيار الأرض وتنتهي بتسويق المحصول.
الشباب وفرص العمل
ماذا عن فرص العمل التي يوفرها المشروع؟
.. المشروع يوفر فرص عمل للعمالة اليومية والدائمة، إلى جانب الاستعانة بالمهندسين والاستشاريين المتخصصين. وأنا أرى أن هذه من أهم فوائد الاستثمار الزراعي؛ لأنه لا يحقق عائدًا للمستثمر فقط، وإنما يفتح أبواب رزق أمام آخرين. فالصحراء تحتاج إلى عمالة مدربة، ومهندسين زراعيين، وخبرات فنية وإدارية. وكلما توسعت المشروعات وزادت المساحات المزروعة، زادت الحاجة إلى الكفاءات القادرة على إدارة الإنتاج ومتابعته.
: بصفتك مدرسًا ومدير مدرسة، كيف ترى الفارق بين العمل في التعليم والاستثمار الزراعي؟
.. أنا أعمل في مجال التعليم منذ نحو 35 عامًا، وما زلت بمركز مطوبس بمحافظة كفر الشيخ. وكان راتبي في عملي بالتدريس نحو 9 آلاف جنيه، بينما أصبحت أجور العاملين في مشروعي تصل إلى نحو 12 ألف جنيه شهريًا، وفقًا لطبيعة العمل.
كما أن المهندس الزراعي حديث التخرج يستطيع، بحسب ما أراه في سوق العمل بالمنطقة، أن يبدأ براتب يقارب 15 ألف جنيه شهريًا، وقد يصل راتب المهندس ذي الخبرة إلى 20 أو 30 ألف جنيه، وفقًا لكفاءته وخبرته.
هذه الأرقام توضح أن هناك فرصًا حقيقية في الصحراء، لكنها تحتاج إلى الاستعداد للعمل واكتساب الخبرة، بدلًا من حصر الطموح في انتظار وظيفة حكومية قريبة من المنزل.
ما النصيحة التي توجهها إلى الشبابالراغبين في دخول مجال الاستثمار الزراعي؟
.. أنصح الشباب بالتوجه إلى العمل والإنتاج، وعدم انتظار الفرصة المثالية أو الوظيفة التي يريدونها. فهناك مساحات واسعة تحتاج إلى من يستثمر فيها، وهناك فرص عمل متاحة لمن يمتلك الرغبة في التعلم والاجتهاد.
وأقول للشباب: ابدأوا بما تستطيعون، ولا تجعلوا محدودية الإمكانات عائقًا أمام التفكير في المستقبل. فمن الممكن أن يبدأ الشاب بفدان واحد، ويدرس احتياجاته وتكاليفه، ويختار الصنف المناسب، ويستعين بأهل الخبرة قبل أن يتوسع.
وبالنسبة إلى نخيل المجدول، فإن الفدان يمكن أن يستوعب نحو 65 نخلة وفقًا لتصميم الزراعة، لكن الوصول إلى عائد جيد يحتاج إلى سنوات من الرعاية والخدمة الزراعية، وليس مجرد زراعة النخيل وانتظار الأرباح.. وأتمنى أن يفكر الشباب في الصحراء باعتبارها مجالًا للعمل والاستثمار، لا مجرد مكان بعيد عن المدن. فهناك فرص حقيقية لمن يستعد لها ويعمل بجد.
هل ترى أن الاستثمار في الصحراء يمكن أن يغيّر مستقبل الشباب؟
.. بالتأكيد، أرى أن الصحراء الغربية تمثل مجالًا مهمًا لمستقبل الزراعة في مصر، لما تمتلكه من مساحات وإمكانات يمكن استغلالها في مشروعات الإنتاج الزراعي.
لكن النجاح يحتاج إلى دراسة حقيقية، واختيار الأرض المناسبة، ومعرفة مصادر المياه، وتقدير تكاليف الزراعة والتشغيل، والاستعداد لتحمل المسؤولية. ولا بد أن يدرك الشاب أن الاستثمار الزراعي ليس طريقًا سريعًا للربح، بل مشروع يحتاج إلى صبر وخبرة وإدارة جيدة.
وأقول لكل شاب يعاني من قلة الفرص: لا تنتظر أن يأتيك كل شيء جاهزًا، بل ابحث عن الفرصة وابدأ في بناء مستقبلك بما تملكه من إمكانات.
كيف ترى مستقبل سهل بركة والفرافرة خلال السنوات المقبلة؟
.. أرى أن المنطقة تمتلك مقومات مهمة للتوسع الزراعي، وأن استمرار استصلاح الأراضي وزراعتها يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للإنتاج والتشغيل.
ما يحدث في الصحراء يؤكد أن استغلال الأراضي الجديدة يمكن أن يضيف مساحات منتجة إلى الرقعة الزراعية، ويوفر فرصًا للشباب والمهندسين والعمال، ويدعم الإنتاج المحلي والتصدير.. وأتمنى أن تستمر جهود تيسير الإجراءات أمام المستثمرين، وأن يجد الشباب المعلومات والخبرات التي تساعدهم على اتخاذ قرارات سليمة قبل الدخول في المشروعات الزراعية.


