رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الإعلام غير الهادف في عصر السوشيال ميديا.. أزمة محتوى أم أزمة مجتمع ؟!

بوابة الجمهورية

لم يعد ما نشاهده يومياً عبر شاشات التلفاز ومنصات التواصل الإجتماعي مجرد انعكاس لواقع المجتمع، بل أصبحَ عاملاً مؤثراً في تشكيل الوعي والذوق العام، وصناعة نماذج تتصدر المشهد دونَ أن تمتلك من الموهبة أو الفكر أو الإنجاز ما يؤهلها لتكون قدوة أو نموذجاً يحتذى به.

لقد أصبحنا أمامَ مشهد إعلامي يزدحم، في بعض جوانبه، بمحتوى سطحي يطارد الشهرة السريعة، ويصنع الضجيج على حساب القيمة، ويمنح مساحات واسعة لأشخاص لا يقدمون ما يستحق الاهتمام، بينما تتراجع الموضوعات الجادة، وتغيب القضايا التي تمس حياة المواطنين ومستقبل الأجيال، فأينَ البرامج التي تناقش مشكلات التعليم والصحة والشباب والأسرة ؟! وأين المساحات التي تحتفي بالعلم والثقافة والفن الحقيقي، وتمنح أصحاب الفكر والإبداع مكانتهم المستحقة ؟!

إن المؤسف ليسَ ظهور محتوى ضعيف فحسب، وإنما أن تُسهم بعض وسائل الإعلام في تضخيمه، حينَ تُحول أصحاب الشهرة العابرة إلى نجوم، وتمنحهم ساعات من البث لمجرد قدرتهم على إثارة الجدل أو تصدر ما يُعرف بـ"التريند" وهكذا تختلط الشهرة بالموهبة، والانتشار بالإنجاز، ويصبح الصخب معياراً للنجاح، حتى لو خلا المحتوى من رسالة أو هدف.
ويمتد هذا الخلل إلى بعض المهرجانات والفعاليات الفنية التي يُفترض أن تكونَ منصات لتكريم المبدعين والاحتفاء بالأعمال المتميزة، فإذ بها تنشغل أحياناً بالمظاهر والاستعراضات، على حساب قيمة الفن وجوهر الإبداع.
وليسَ المقصود رفض الوجوه الجديدة أو مصادرة حق الأجيال الشابة في الظهور، وإنما التأكيد أن الفن الحقيقي لا يُصنع بالضجيج، بل بالموهبة والعمل الجاد والقدرة على تقديم ما يضيف إلى وجدان المجتمع.

إن الإعلام المصري يمتلك تاريخاً عريقاً من الريادة والفن الراقي، أسهمت فيه أسماء صنعت الوعي وأثرت الحياة الثقافية والفنية في مصر والعالم العربي، ومن حق هذا التاريخ علينا أن نستعيد روح التميز فيه، وأن نواكب العصر بأدواته الحديثة، دونَ أن نتخلى عن المعايير المهنية أو نسمح بأن تُصبح نسب المشاهدة المعيار الوحيد للحكم على جودة المحتوى.

ومن هنا، تبرز ضرورة مراجعة السياسات الإعلامية، وإعادة الاعتبار للبرامج الثقافية والتوعوية، ودعم المواهب الحقيقية، ووضع معايير واضحة لاختيار مَن يظهرون على الشاشات، مع الالتزام بالقانون، واحترام حرية التعبير، والتمييز بينَ حرية الإبداع والفوضى، وبين التنوع الفني والإسفاف.

فالإصلاح لا يتحقق بمجرد إغلاق الصفحات أو وقف البرامج، وإنما ببناء بديل جاد وجذاب يحترم عقل الجمهور ويقدم له ما يستحق المتابعة.

كما أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تمتد إلى الأسرة والمدرسة والجامعة، وإلى الجمهور نفسه، الذي يستطيع بوعيه واختياراته أن يُسهم في تغيير خريطة الاهتمام، وألا يمنح كل محتوى رائج قيمة لا يستحقها.

إن معركتنا ليست ضد أشخاص بأعينهم، ولا ضد جيل جديد، وإنما هي معركة من أجل استعادة التوازن بين الشهرة والقيمة، وبين الترفيه والمعرفة، وبين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية. فالمجتمع الذي يحترم ثقافته لا يحارب الجديد، بل يفتح الطريق أمام الموهوبين، ويرفض أن تتحول الرداءة إلى قاعدة، أو أن يُصبح الابتذال طريقاً مختصراً إلى النجومية.

إن الإعلام الذي يحترم جمهوره لا يبث أشياء لا قيمة لها ولا طائل من ورائها، والفن الذي يبقى في الذاكرة لا تصنعه الضوضاء، بل تصنعه الموهبة، أما الثقافة الحقيقية، فلا تُقاس بما يشغل الناس للحظات، وإنما بما يضيف إلى عقولهم ووجدانهم، ويترك أثراً باقياً في حياة المجتمع.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة