رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح

الوعي . . ضرورة لا رفاهية

محمد الأبنودي
محمد الأبنودي


لم تعد معركة الإنسان اليوم مع الجهل في صورته التقليدية، فالمعلومة أصبحت في متناول الجميع، بضغطة زر يمكن أن نعرف ما يحدث في أقصى الأرض، ونقرأ عشرات الآراء حول القضية الواحدة خلال دقائق.. لكن التحدي الأكبر أصبح في شيء آخر: كيف نميز الحقيقة من الزيف؟ وكيف نفرق بين المعلومة والشائعة، وبين الرأي والحقيقة، وبين النقد المسؤول ومحاولات التشويه؟
هنا يأتي الوعي.. ولا بديل.
فالوعي ليس مجرد امتلاك قدر كبير من المعلومات، وإنما هو القدرة على الفهم الصحيح، وقراءة الأحداث بعقل مفتوح، وعدم الانسياق وراء كل ما يصل إلينا عبر مواقع التواصل الاجتماعي. المواطن الواعي لا يصدق كل ما يسمع، ولا يرفض كل ما يختلف معه، وإنما يسأل ويتحقق ويفكر قبل أن يحكم.
وفي زمن أصبحت فيه الشائعة أسرع من الحقيقة، أصبح الوعي خط الدفاع الأول عن المجتمع. فخبر كاذب قد يثير القلق، ومعلومة غير دقيقة قد تشعل خلافًا، ومقطع فيديو مجتزأ قد يصنع قضية كاملة من لا شيء. والأخطر أن البعض يتعامل مع ما يقرأه على هاتفه وكأنه حقيقة مؤكدة، ثم يعيد نشره دون أن يسأل عن مصدره أو يتأكد من صحته.
ومن هنا تبدأ مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية. فبناء الإنسان الواعي لا يتم في يوم وليلة، وإنما هو عملية مستمرة تبدأ منذ الطفولة، عندما يتعلم الطفل أن يسأل ويبحث ويفكر، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني الخصومة، وأن احترام الآخر جزء من احترام المجتمع كله.
والإعلام عليه مسؤولية مضاعفة؛ لأن الكلمة يمكن أن تبني وعيًا أو تصنع ارتباكًا. والإعلام المهني لا يكتفي بنقل الخبر، وإنما يضعه في سياقه الصحيح، ويفسر أبعاده، ويفتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر، ويبتعد عن الإثارة التي قد تحقق انتشارًا سريعًا لكنها تترك آثارًا خطيرة في وعي الناس.
كما أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة رئيسية لتشكيل وعي المواطنين، وهو ما يفرض على كل مستخدم مسؤولية أخلاقية. ليس كل ما يصلح للنشر يستحق النشر، وليس كل ما يثير الغضب يستحق المشاركة. أحيانًا يكون الامتناع عن إعادة نشر معلومة مجهولة المصدر عملًا وطنيًا، لأن حماية المجتمع من الشائعة لا تقل أهمية عن نشر الحقيقة.
والوعي كذلك يعني أن يدرك المواطن حقوقه وواجباته، وأن يعرف أن الدولة والمجتمع لا يمكن أن يتقدما إلا بشراكة حقيقية بين الجميع. فلا يمكن أن نطالب بالحقوق وننسى الواجبات، ولا أن نبحث عن القانون عندما يحمي مصالحنا ثم نتجاهله عندما يتعارض مع رغباتنا.
نحن في حاجة إلى وعي يجعل المواطن أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر صبرًا في التعامل مع المشكلات، وأكثر ثقة في نفسه ووطنه، دون أن يتحول ذلك إلى قبول أعمى أو رفض أعمى. فالوعي الحقيقي لا يلغي النقد، بل يجعله أكثر مسؤولية، ولا يمنع الاختلاف، بل يجعله أكثر احترامًا.
إن بناء الوعي ليس مهمة جهة واحدة، ولا قضية موسمية تظهر عندما تنتشر شائعة أو تحدث أزمة، وإنما هو مشروع مجتمع كامل. نحتاج إلى إعلام يوعي، ومدرسة تعلم التفكير، وأسرة تربي على الحوار، ومؤسسة دينية تعزز القيم، ومؤسسات ثقافية تفتح أبواب المعرفة، ومواطن يدرك أن الكلمة مسؤولية وأن ما يكتبه أو ينشره قد يؤثر في آلاف الآخرين.
وفي النهاية، قد نختلف في الآراء، وقد تتباين وجهات النظر، وقد تتعدد طرق التفكير، لكن هناك أمرًا لا ينبغي أن نختلف عليه: أن الوعي هو الحصن الحقيقي للمجتمع.
فالجهل يفتح الباب للشائعة، والانفعال يفتح الباب للفتنة، أما الوعي فيفتح الطريق أمام الاستقرار والبناء.
ولهذا نقولها بوضوح: الوعي.. ولا بديل.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة