العقيد محمد التميمي.. بطل الصاعقة الذي هزّ إسرائيل في «السبت الحزين» يروي كواليس بطولات أكتوبر
سقوط بارليف كان «الزلزال» الذي لم تتوقعه إسرائيل
استشهد شقيقه في المعركة وكاد يقع أسيرًا يوم عيد ميلاده.. قاتلنا حتى نهاية أكتوبر وكل عملية كانت نصرً
بمناسبة الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر المجيد، استعاد البطل محمد التميمي، أحد ضباط القوات المسلحة وأبطال قوات الصاعقة، عددًا من أبرز ذكرياته خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، متحدثًا عن عمليات عسكرية شارك فيها، من بينها العملية التي عُرفت باسم «السبت الحزين»، وصولًا إلى مهام المجموعة 139 صاعقة خلال حرب أكتوبر.
وروى التميمي جانبًا من رحلته العسكرية، موضحًا أنه التحق بالقوات المسلحة، وتخرج خلال فترة حرب الاستنزاف، ليشارك بعدها في عدد من العمليات العسكرية، مؤكدًا أن من أبرزها عملية «السبت الحزين» التي وقعت يوم 30 مايو 1970.
«السبت الحزين».. عملية هزت إسرائيل
قال محمد التميمي إن عملية «السبت الحزين» كانت من العمليات التي شاركت فيها القوات المسلحة المصرية ردًا على الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت العمق المصري والأهداف المدنية.
وأوضح أن إسرائيل كانت قد نفذت خلال تلك الفترة عددًا من الاعتداءات، من بينها استهداف مدرسة بحر البقر ومصنع أبو زعبل، إلى جانب عمليات أخرى، الأمر الذي استدعى ردًا عسكريًا مصريًا قويًا.
وأضاف أن العملية أسفرت، وفق ما ذكره، عن خسائر كبيرة في صفوف الجانب الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن عدد القتلى بلغ 35 قتيلًا وفق ما أورده من وثائق ومصادر رسمية إسرائيلية ووكالات أنباء عالمية في ذلك الوقت.
وأكد أن العملية كان لها تأثير كبير على مسار حرب الاستنزاف، لافتًا إلى أن إسرائيل طلبت تدخل الولايات المتحدة، التي طرحت مبادرة وزير الخارجية الأمريكي آنذاك ويليام روجرز، والتي تضمنت وقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا.
وأشار إلى أن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أغسطس 1970 أتاح للقوات المسلحة المصرية فرصة لاستكمال بناء حائط الصواريخ والاستعداد للمعركة المقبلة، وصولًا إلى حرب أكتوبر.
المجموعة 139 صاعقة.. مهمة لمدة 6 ساعات تحولت إلى 6 أيام
وعن مشاركته في حرب أكتوبر، قال التميمي إنه كان له شرف المشاركة ضمن عمليات المجموعة 139 صاعقة، التي كانت تضم أربع كتائب، موضحًا أن كتيبتين تم إبرارهما داخل أرض العدو بهدف إغلاق المضايق ومنع قوات النجدة الإسرائيلية من الوصول إلى النقاط الحصينة في خط بارليف.
وأوضح أن التدريبات على هذه المهام بدأت قبل الحرب بفترة، وأن المطلوب من القوات الخاصة كان تعطيل قوات العدو ومنعها من الوصول إلى خط بارليف لمدة 6 ساعات فقط.
وأضاف: «بفضل من الله، تمكنا من إيقاف هذه القوات ومنعها من الوصول إلى خط بارليف 6 أيام كاملة»، مؤكدًا أن ذلك أتاح للقوات الرئيسية من المشاة والمدرعات وباقي الأسلحة استكمال عملية العبور واحتلال النقاط الحصينة على الضفة الشرقية للقناة.
وأشار إلى أن هذه العمليات بدأت مع اليوم الأول للحرب في السادس من أكتوبر، معتبرًا أن النصر تحقق من خلال سلسلة من المعارك والعمليات المتتالية، وليس في لحظة واحدة.
«كانوا بيقولوا بارليف لا يسقط إلا بقنبلة ذرية»
وتحدث التميمي عن وقع العبور المصري على الجانب الإسرائيلي، موضحًا أن خط بارليف كان يمثل بالنسبة لإسرائيل منظومة دفاعية ضخمة، وأنها كانت تراهن على صعوبة اختراقه.
وقال إن الإسرائيليين كانوا يعتقدون أن خط بارليف بنقاطه الحصينة لا يمكن إسقاطه إلا باستخدام قنبلة ذرية، إلا أنهم فوجئوا بما حدث في الساعة الثانية ظهرًا يوم السادس من أكتوبر.
ووصف ما حدث بالنسبة للجانب الإسرائيلي بأنه كان بمثابة «الزلزال»، بعدما تمكنت القوات المصرية من عبور القناة وتحطيم التحصينات التي أقامتها إسرائيل.
«لم يكن هناك يوم واحد للنصر»
وأكد البطل محمد التميمي أن الحديث عن «يوم النصر» باعتباره يومًا واحدًا لا يعكس حقيقة ما عاشه المقاتلون على أرض المعركة.
وأوضح أن القتال استمر لأسابيع، وأن كل عملية ناجحة كانت تمثل انتصارًا مستقلًا، مشيرًا إلى عمليات فتح قنطرة شرق، والوصول إلى المضايق، وسقوط نقاط خط بارليف، إلى جانب عملية لسان بور توفيق.
وأضاف أن قواته واصلت القتال حتى أواخر شهر أكتوبر، مؤكدًا أن المعركة بالنسبة للمقاتلين كانت سلسلة متواصلة من المواجهات والانتصارات.
«في عيد ميلادي كان ممكن أموت»
ومن أكثر المواقف الإنسانية التي استعادها التميمي خلال حديثه، تعرضه لكمين في 23 أكتوبر، الذي يوافق عيد ميلاده.
وقال إنه كان معرضًا في تلك اللحظة للوقوع في الأسر، إلا أنه تمكن من الخروج من الكمين بعد تعرضه لإطلاق نار كثيف، مضيفًا أنه كان يشعر وقتها بالدهشة من احتمال أن تنتهي حياته في يوم ميلاده.
شقيقه الشهيد.. الجرح الأصعب في ذاكرة البطل
لكن أصعب ذكريات الحرب بالنسبة للتميمي لم تكن مرتبطة بكمين أو معركة، وإنما كانت نبأ استشهاد شقيقه المقدم المهندس محمود التميمي، الذي كان يقاتل معه في القطاع نفسه.
وقال إن شقيقه كان أكبر منه بثلاث سنوات، وكان شقيقه الوحيد، مشيرًا إلى أنه كان يعمل ضمن سلاح المهندسين وشارك في العمليات العسكرية في نفس المنطقة.
وأوضح أن نبأ استشهاد شقيقه وصله أثناء العمليات، مؤكدًا أن أصعب ما كان يتمناه وقتها هو الوصول إلى جثمانه.
وكشف أن شقيقه استشهد يوم 19 أكتوبر، بعد أن وقع في الأسر مع أربعة من رجاله، وفق روايته، مشيرًا إلى أن الجانب الإسرائيلي دفنهم في حفرة وردم عليهم بالمعدات الهندسية في منطقة سرابيوم، أثناء محاولات إنشاء معبر لنقل القوات من سيناء إلى غرب القناة.
وقال التميمي إن ذكرى شقيقه ظلت حاضرة في حياته، موضحًا أنه أطلق اسم محمود على نجله تخليدًا لذكراه.
أبوهما تلقى خبر استشهادهما معًا
وروى التميمي جانبًا مؤثرًا من قصة الأسرة، موضحًا أن والده كان من فدائيي القناة، وأن انشغاله بالعمل الوطني لسنوات طويلة جعله يتأخر في الزواج والإنجاب حتى تجاوز الخمسين.
وأشار إلى شدة تعلق والده بأبنائه، موضحًا أنه عندما وصل إليه خبر استشهاد محمود، إلى جانب إبلاغه باستشهاد محمد أيضًا، كان وقع الصدمة شديدًا للغاية.
وأضاف أن والده ظل يعتقد أن نجليه استشهدا، قبل أن يعود محمد حيًا من المعركة، وحينها قال له والده: «يا ابني أنا كنت زي اللي عينيّ الاتنين عميوا»، في وصف لحالة الحزن والصدمة التي عاشها طوال فترة غياب نجله.
أوسمة وتكريمات.. صفحات من تاريخ مقاتل
استعرض محمد التميمي عددًا من الصور والوثائق والأوسمة المرتبطة بمسيرته العسكرية، من بينها نوط الجمهورية من الطبقة الأولى الذي حصل عليه من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، إلى جانب تكريمات مرتبطة بمشاركته في حرب أكتوبر.
كما عرض صورًا لشقيقه الشهيد محمود، وصورًا مرتبطة بأبطال قوات الصاعقة والعمليات التي شارك فيها خلال حرب الاستنزاف.
رسالة إلى الأجيال الجديدة
وفي ختام حديثه، وجه التميمي رسالة إلى الشباب الذين لم يعاصروا حرب أكتوبر، مؤكدًا أهمية معرفة الأجيال الجديدة لتاريخ الحرب والتضحيات التي قدمها رجال القوات المسلحة.
وقال إن هناك، بحسب تعبيره، «صفحات كثيرة مطوية لم تفتح حتى الآن»، مطالبًا الشباب بالتعرف على تفاصيل الحرب والعمليات التي خاضها المقاتلون.
وشدد على أهمية الاستعداد الدائم وحماية الوطن، مؤكدًا أن السلام لا يعني التخلي عن اليقظة، وأن تجربة حرب أكتوبر، بما حملته من تضحيات وانتصارات، يجب أن تظل حاضرة في ذاكرة الأجيال.