رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قهوة الصباح


كانت جدة أحدهم تبيع حبات الدوم أمام الكُتّاب، وكان جدّ آخر يحمل بلاص العسل الأسود على ظهره، ويجوب الحوارى والأزقة بحثًا عن قروش معدودة. وثالثهم سليل عائلة عُرفت بخدمة القصور ومن يسكنها من هوانم وباشوات، ورابعهم صعدت أسرته درجة فى السلم الاجتماعي، حتى بلغ جده منزلة «خولى الأنفار» فى عزبة الباشا. أما الخامس، فقد ورث عن أبيه وجده حلمًا كبيرًا: أن يرتدى حذاء يغادر به عالم الحفاة.

لا أرى فى شيء من هذا عيبًا؛ فالعمل الشريف لا يخجل منه إلا من لا يعرف قدره. العيب أن هؤلاء الخمسة نسوا ما ذُكّروا به، وقطعوا حبل ذكرياتهم بسكين «قلة الأصل»، ثم راح كل منهم يطمس معالم الطريق الذى جاء منه. تنكروا لعائلاتهم وأقاربهم وقراهم، وللترعة التى جلسوا على كباريها يتطلعون إلى نجوم السماء، يناجونها أن تلقى عليهم لحافًا يقيهم برد الشتاء.

نسوا البيوت المبنية من الطين، والفرن والكانون وزريبة المواشي، وعيدان الذرة الجافة وأقراص الروث وعيدان القطن وقش الأرز التى كانت تُوقد بها النار. نسوا الكُتّاب والقلم الكوبيا والمريلة الدمور والكوتشى الأبيض وشنطة المدرسة المحاكة من قماش المريلة. نسوا، أو تناسوا عمدًا، أنهم تعلموا مجانًا، ونالوا شهاداتهم الجامعية، ووجدوا طريقًا يصعدون به إلى مواقع لم تكن متاحة لآبائهم وأجدادهم.

ولكى تكتمل القطيعة مع الحقيقة، بدأ كل واحد منهم ينسج لعائلته سيرةً على مقاس المكانة الجديدة. وبقدرة قادر، تتحول الجدة التى اشتهرت ببيع اللبان الدكر والبخور فى الحارة إلى «مى زيادة وزيادة»! يجلس حفيدها أمام الكاميرات ليحكى عن مآثرها فى مواجهة الملكة نازلى دفاعًا عن حقوق المرأة المصرية. ويتحول الجد الذى كان يبيع العسلية أمام المدرسة إلى أكبر تاجر أقطان فى بر مصر المحروسة.

ثم يخرج علينا حفيد «الآلاتية الطيبين»، الذين كانوا يجوبون الموالد والأفراح على عربة كارو، يقدمون للناس فقرات الغناء والرقص والساحر العجيب، لقاء بضع قروش ووجبتين وبعض البيض. يخرج مرتديًا رابطة عنق مرسومًا عليها سرب من الطواويس، ويقدم نفسه ناقدًا فنيًا أبًا عن جد، ويقول دون أن يطرف له جفن إن عائلته كانت تحيى الحفلات فى باريس وبيروت قبل أن تُرسم الخرائط، وإن جده الأكبر هو من اكتشف أم كلثوم، وربما أبا كلثوم أيضًا!

تمضى الحكايات، وتجد من يصدقها فى مجتمع لا يضع كل رواية على ميزان العقل. لكن ما أعاد هؤلاء إلى ذاكرتى اليوم ليس مبالغاتهم المضحكة فى أنسابهم، بل خروج بعضهم علينا فجأة كأنه مونتسكيو أو فولتير أو جان جاك روسو، يوزع أحكامه على تاريخ مصر ورجالها. ومن حق أى إنسان أن ينتقد عبدالناصر والسادات، وأن يناقش قراراتهما وأخطاءهما؛ فالتاريخ ليس مقامًا للتحريم. لكن النقد شيء، والهجوم الذى يمحو الوقائع ويُنكر أثر التحولات الاجتماعية التى صنعت فرصة صاحبه شيء آخر.

تذكروا، يا سادتي، أن التعليم الذى فتح لكم أبوابه لم يكن تفصيلًا صغيرًا فى تاريخ هذا البلد. ولولا أبواب فُتحت لأبناء الفلاحين والبسطاء، لبقى حلم الحذاء والشهادة الجامعية أبعد منالًا لكثيرين منكم، لا تخجلوا من الجدة التى باعت الدوم، ولا من الجد الذى حمل بلاص العسل الأسود. اخجلوا فقط إن تنكرتم لهما، ثم أنكرتم الطريق الذى عبرتموه بفضلهما.. استقيموا يرحمكم الله.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة