رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

طيب القول




تظل انتصارات أكتوبر 1973 واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري الحديث، ليس فقط لأنها أعادت الثقة والكرامة وفتحت الطريق لاستعادة الأرض، وإنما لأنها قدمت للأجيال نموذجًا خالدًا في الإيمان والصبر والتخطيط والعمل والتضحية. ومن هنا فإن استحضار أكتوبر اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد احتفال بذكرى مضت، بل مناسبة لاستخلاص القيم التي نحتاج إليها في حاضرنا لبناء مستقبل أفضل.
لقد أثبت رجال القوات المسلحة المصرية في أكتوبر أن الإيمان لا يتعارض مع العمل، بل يدفع إليه، وأن التوكل الحقيقي على الله لا يعني ترك الأسباب، وإنما الأخذ بها ثم تفويض النتائج إلى الله. يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. فقد كان النصر ثمرة إعداد طويل وتخطيط دقيق وإرادة لم تستسلم لآثار الهزيمة.
وهذه القيمة تظل حاضرة في حياتنا اليوم؛ فكما احتاج العبور إلى العلم والتخطيط والانضباط، تحتاج مصر في حاضرها إلى أبناء يؤمنون بأن بناء الوطن مسؤولية، وأن التقدم لا يتحقق بالأمنيات، وإنما بالعلم والعمل والإتقان.
ويعلمنا أكتوبر أيضًا أن المستحيل قد يصبح ممكنًا عندما تتوافر الإرادة. فقد مر المصريون بظروف صعبة، لكنهم لم يسمحوا لليأس أن يهزمهم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. وهذه الآية تحمل رسالة مهمة إلى شباب اليوم: لا تجعلوا الصعوبات سببًا للاستسلام، بل اجعلوها دافعًا إلى الاجتهاد والابتكار وتحقيق الطموح.
ومن دروس أكتوبر كذلك قيمة الوحدة؛ فقد التف الشعب حول جيشه في لحظة تاريخية فارقة، وأصبح الهدف واحدًا والهم واحدًا والمصير واحدًا. واليوم تحتاج المجتمعات إلى هذه الروح في مواجهة تحديات العصر، من خلال احترام الاختلاف، والحفاظ على النسيج الوطني، والابتعاد عن الشائعات وخطاب الكراهية، ووضع المصلحة العامة فوق المصالح الضيقة.
كما أن ذكرى أكتوبر تذكرنا بقيمة الأمانة والمسؤولية. فالجندي الذي حمل سلاحه دفاعًا عن وطنه أدى أمانته، والطبيب الذي يعالج مرضاه بإخلاص، والمعلم الذي يبني عقول أبنائنا، والعامل الذي يتقن عمله، والموظف الذي يؤدي واجبه، والشاب الذي يحافظ على وطنه ومقدراته؛ جميعهم يشاركون في معركة البناء.
وإذا كان جيل أكتوبر قد خاض معركة تحرير الأرض، فإن أجيال الحاضر تخوض معركة أخرى: معركة بناء الإنسان، وحماية الوعي، وترسيخ الأخلاق، وتحقيق التنمية، ومواجهة اليأس والشائعات والتطرف، والحفاظ على مقدرات الوطن.
إن الوفاء لشهداء أكتوبر لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بأن نحافظ على ما ضحوا من أجله، وأن نحول ذكراهم إلى عمل وإنتاج وإتقان وانتماء. فالوطن الذي دافع عنه الأبطال بأرواحهم يستحق من أبنائه أن يدافعوا عنه بعلمهم وأخلاقهم وعملهم.
وهكذا يبقى أكتوبر رسالة متجددة: بالإيمان نصمد، وبالعلم نتقدم، وبالعمل نبني، وبالوحدة نحمي وطننا، وبالأخلاق نحفظ مستقبله. وتلك هي أعظم هدية يمكن أن نقدمها لجيل أكتوبر وشهدائه؛ أن نحول نصر الأمس إلى طاقة بناء في حاضرنا، وأمل في مستقبل أجيالنا.
ولـ"تحيا مصر" دائما وأبدا بعقول وسواعد أبنائها المخلصين الأوفياء.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة