رسالة
بين الدوريات العسكرية، وتشديد الرقابة، واعتراض شحنات ايرانية، تتشكل معادلة أبسط لكنها أكثر دقة: تحكم دون إغلاق، من يسيطر على تدفقات الطاقة، يملك القدرة على إعادة تشكيل ميزان القوة العالمي.
أمريكا لا تتحرك بدافع تأمين النفط بالمعنى التقليدي، ولا بهدف رفع أسعاره لتحقيق أرباح مباشرة. ولا بالطبع حصار بدون متنفس لايران، الهدف الحقيقي أوسع: السيطرة على نقطة الاختناق التي يمر عبرها جزء معتبر من تجارة الطاقة العالمية. فالمضيق ليس مجرد ممر، بل أداة نفوذ. ومن يملك القدرة على تهديده، يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد الدولي كله
في هذا السياق، لا يبدو الوجود العسكري الأمريكي في الخليج مجرد "ضمان للاستقرار"، بل أداة لمنع أي قوة إقليمية وفي مقدمتها إيران من التحول إلى مركز تحكم في شريان الطاقة العالمي، "هرمز" فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل نقطة اختناق استراتيجية؛ وأي تهديد له، حتى لو لم يتحقق فعليا، كفيل بإعادة تسعير المخاطر في السوق العالمية
هنا تحديدا تظهر المفارقة التوتر الذي تخلقه واشنطن مع طهران يرفع أسعار النفط، وهو ما يبدو ظاهريا مكسبا لاقتصاد أمريكي اصبح أحد كبار المنتجين. لكن هذه القراءة رغم صحتها تختزل الصورة. فالولايات المتحدة، رغم طفرة النفط الصخري، لا تزال اقتصادا استهلاكيا ضخما، وارتفاع الأسعار ينعكس على التضخم وتكاليف النقل والضغط السياسي الداخلي
الأهم أن هذا الصراع لا يدار نحو نهايته، بل نحو ضبطه. فإلاغلاق الفعلي لمضيق هرمز سيعني صدمة عالمية قد ترتد على الاقتصاد الأمريكي نفسه، وعلى حلفائه، بل وعلى موقع الدولار. لذلك، تبدو الاستراتيجية أقرب إلى إبقاء التهديد حيا، دون السماح له بالتحول إلى واقع كامل
إيران، في هذا الإطار، ليست مجرد خصم يجب تحييده، بل عنصر يعاد توظيفه ضمن معادلة توازن دقيق وجودها كقوة قادرة على الإزعاج يبرر الحضور العسكرى الامريكي
تقارير دولية، بينها وول ستريت جورنال، تشير إلى أن أكثر من 24 سفينة مرتبطة بإيران محملة بالنفط والغاز نجحت في تجاوز القيود الأمريكية داخل نطاق المضيق دون اعتراض، ورصدت بيانات أقمار صناعية وفق بلومبرغ نحو 30 سفينة عادت إلى الموانئ الإيرانية دون احتكاك يذكر
هذا النمط من التصعيد المحسوب يفسر إلى حد بعيد ما يحدث في أسواق الطاقة فالأسعار لم تعد تعكس فقط العرض والطلب، بل أيضا درجة التوتر السياسي. ومع كل جولة جديدة، يعاد تسعير النفط على أساس احتمالات، لا وقائع!
في المدى المتوسط، لا تشير المؤشرات إلى انفجار شامل، بل إلى استمرار هذا التوازن الهش.. توتر كاف لإبقاء النفوذ، واستقرار كاف لمنع الانهيار. في ظل هذا الوضع، ستظل أسعار النفط رهينة السياسة بقدر ما هي رهينة الاقتصاد
النتيجة التي يفرضها هذا التحليل ليست مطمئنة، لكنها واضحة. ما يجري في الخليج ليس صراعا عسكريا بقدر ما هو صراع على من يملك القدرة على التحكم في تدفقه. وفي عالم تحكمه القوة، لا تترك مثل هذه الأوراق دون إدارة دقيقة حتى لو كان ثمنها تقلبا دائما في السوق العالمية