دقائق قليلة صنعت حكاية طويلة.. «كلمتين وبس» الذي كشف وجهًا آخر من موهبة فؤاد المهندس
لم يكن مجرد برنامج إذاعي عابر، بل مساحة يومية لمواجهة عيوب المجتمع بسلاح السخرية.. حكاية تجربة جمعت فؤاد المهندس وأحمد بهجت، وتركت أثرًا تجاوز زمن إذاعتها.
هناك أعمال فنية تظل مرتبطة بصورة صاحبها على الشاشة، وأعمال أخرى تكتشف قيمتها الحقيقية عندما نعيد الاستماع إليها بعد سنوات طويلة. وفي حالة الفنان الراحل فؤاد المهندس، تبدو حكاية «كلمتين وبس» مختلفة؛ لأن الجمهور الذي اعتاد الضحك معه في المسرح والسينما وجد نفسه أمام تجربة إذاعية تستخدم الكوميديا في اتجاه آخر، لا يكتفي بإضحاك الناس، بل يدفعهم إلى التفكير في حياتهم اليومية.
لم يكن التحدي في هذا البرنامج أن يقدم حكاية طويلة أو يستعرض قضية معقدة، وإنما أن يختار مشكلة يعرفها المستمع جيدًا، ثم يضعها أمامه بطريقة تجعله يراها من زاوية جديدة. ومن هنا بدأت خصوصية التجربة التي ارتبطت بصوت المهندس، وبالكلمات التي كتبها أحمد بهجت.
حين أصبحت تفاصيل الحياة اليومية مادة للفن
انطلقت تجربة «كلمتين وبس» عام 1968 عبر إذاعة البرنامج العام، واستمرت لسنوات طويلة، حتى ارتبط موعدها الصباحي بذاكرة أجيال من المستمعين. وشارك في صناعة هذا العمل الكاتب أحمد بهجت والمخرج يوسف حجازي، في تجربة جمعت بين الكتابة الاجتماعية والأداء الإذاعي المميز.
لكن أهمية البرنامج لم تكن في موعد إذاعته وحده، وإنما في طبيعة الموضوعات التي اختارها. فقد اتجه إلى مشكلات تتكرر في حياة الناس، من الروتين والإهمال إلى الواسطة وعدم تقدير قيمة الوقت، وهي موضوعات لا تحتاج إلى مقدمات طويلة حتى يفهمها الجمهور.
كان البرنامج ينطلق من فكرة بسيطة: المشكلة التي نراها كل يوم قد تتحول إلى أمر معتاد، حتى نتوقف عن ملاحظتها. وعندما تُعرض هذه المشكلة في قالب ساخر، يصبح من الممكن اكتشاف جوانبها التي تجاهلناها، وربما نعيد النظر في مواقف كنا نتعامل معها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة.
فؤاد المهندس.. موهبة لا تحتاج إلى صورة
اعتاد الجمهور رؤية فؤاد المهندس وهو يتحرك على خشبة المسرح، أو يقدم شخصيات كوميدية في السينما والتليفزيون، لكن الميكروفون منح موهبته مساحة مختلفة.
ففي العمل الإذاعي، لا توجد تعبيرات وجه أو حركة جسدية تساعد الفنان على توصيل المعنى؛ كل ما يملكه هو صوته، وطريقة إلقائه، وقدرته على منح الكلمات إحساسًا يجعل المستمع يتخيل الموقف وكأنه يراه أمامه.
وهنا تظهر قيمة تجربة «كلمتين وبس». فقد استطاع المهندس أن يجعل الكلمة البسيطة تحمل أكثر من معنى، وأن ينتقل بالأداء من خفة الظل إلى الجدية من دون أن يفقد التواصل مع المستمع. لم يكن حضوره الإذاعي نسخة من حضوره السينمائي، بل كان وجهًا آخر لفنان عرف كيف يتعامل مع اختلاف الوسيلة والجمهور.
أحمد بهجت.. القلم الذي التقط ما يمر أمام الجميع
لا تكتمل حكاية «كلمتين وبس» بالحديث عن فؤاد المهندس وحده؛ فالبرنامج ارتبط أيضًا بقلم الكاتب الصحفي أحمد بهجت، الذي قدم مادته في صورة قريبة من الحياة اليومية.
وتكمن أهمية هذا الجانب في أن النقد الاجتماعي لا يحتاج دائمًا إلى لغة ثقيلة أو مواقف استثنائية. أحيانًا تكون الحكاية الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تبدأ من تصرف بسيط، أو موقف يتكرر في الشارع ومكان العمل، ثم تكشف ما وراءه من خلل في التفكير أو السلوك.
ومع أداء المهندس وإخراج يوسف حجازي، تحولت هذه النصوص إلى مادة إذاعية لها إيقاعها الخاص، وتمنح المستمع فرصة لفهم الرسالة من خلال الموقف نفسه، بدلًا من الاكتفاء بنصيحة مباشرة.
لماذا ظل البرنامج قابلًا للاستماع بعد سنوات؟
الاختبار الحقيقي لأي عمل يتناول المجتمع هو قدرته على الاحتفاظ بمعناه بعد تغير الزمن. فبعض البرامج ترتبط بأحداث تنتهي بانتهاء ظروفها، بينما تعتمد أعمال أخرى على أسئلة تتكرر بأشكال مختلفة.
وهذا ما يجعل العودة إلى «كلمتين وبس» جديرة بالاهتمام؛ فالقضايا التي ناقشها البرنامج تتيح للمستمع المعاصر أن يقارن بين ما تغير وما لا يزال حاضرًا في الحياة اليومية.
ولا يعني ذلك أن المجتمع لم يتغير، أو أن كل مشكلة طُرحت قد بقيت على حالها، بل إن قيمة التجربة تكمن في طريقة النظر إلى السلوك الإنساني، وفي قدرتها على تحويل الموقف العادي إلى فرصة للمراجعة والتفكير.
من الميكروفون إلى ذاكرة أجيال جديدة
استمرار حضور «كلمتين وبس» لم يتوقف عند تسجيلاته الإذاعية القديمة؛ فقد عادت أفكاره إلى الظهور في صيغ أخرى، من بينها عمل رسوم متحركة عُرض عام 2016، مستلهمًا قضايا اجتماعية سبق أن تناولها البرنامج.
وهذه العودة تفتح بابًا مهمًا لفهم طبيعة العمل نفسه؛ فالمادة التي يمكن تقديمها في أكثر من شكل، مع احتفاظها بقدرتها على مخاطبة الجمهور، تمتلك عنصرًا يتجاوز ارتباطها بمقدمها أو بزمن إنتاجها.
ومع ذلك، يظل صوت فؤاد المهندس جزءًا أساسيًا من هوية التجربة الأصلية، لأن طريقة أدائه ارتبطت في ذاكرة الجمهور بروح البرنامج وأسلوبه.
حكاية لم تنتهِ بانتهاء البث
لم يصنع «كلمتين وبس» مكانته بطول الحلقات أو ضخامة الإنتاج، وإنما بفكرته التي جعلت دقائق قليلة كافية لطرح قضية تستحق النقاش. ومن خلال هذا العمل، ظهر فؤاد المهندس في مساحة تتجاوز صورته بوصفه نجمًا كوميديًا، ليصبح صوتًا يشارك في مناقشة تفاصيل المجتمع بلغة قريبة من الناس.
وربما تكمن الحكاية الأهم في أن البرنامج لم يتعامل مع الجمهور باعتباره متلقيًا للضحك فقط، بل باعتباره شريكًا في التفكير؛ يسمع الموقف، يبتسم لما فيه من مفارقة، ثم يجد نفسه أمام سؤال يتعلق بحياته هو.
وهكذا بقي «كلمتين وبس» أكثر من عنوان لبرنامج إذاعي قديم؛ فقد تحول إلى تجربة تكشف كيف يمكن للفن أن يناقش القضايا العامة من دون أن يفقد بساطته، وكيف يستطيع صوت واحد، حين يجتمع مع كتابة واعية، أن يترك وراءه حكاية أطول بكثير من دقائق البث.