قهوة الصباح
تذكّرت ذلك المشهد العبقري للفنان الكبير يحيى الفخراني حينما دخل سرادق عزاء وهو في حالة من الضحك الهستيري بسبب تعاطيه مخدر الحشيش الذي أطلق عليه في الفيلم اسم “البهججة”. كان المشهد مزيجًا من الكوميديا السوداء والحرج الاجتماعي؛ فالرجل يضحك بلا توقف في مكان يفترض أن تسوده السكينة والوقار. اقترب منه أحد أصحاب العزاء وسأله بحدة ممزوجة بالاستياء:
“إنت جاي تعزي ولا جاي تهرج؟”
فأجابه بسرعة وتلقائية:
“أنا جاي أهرّج.”
هذا المشهد السينمائي الطريف قفز إلى ذهني وأنا أتابع بعض الذين يظهرون هذه الأيام على الشاشات وفي المنصات المختلفة. أحيانًا يخيل إليك أن بعضهم قد تعاطى جرعة من “البهججة الإعلامية” قبل أن يجلس أمام الكاميرات، ثم قرر أن يمارس فن التهريج وسط أجواء شديدة التعقيد والحساسية. العالم يمر بمرحلة شديدة الاضطراب، الأزمات الاقتصادية تتلاحق، وأسواق الطاقة تتقلب، والممرات البحرية تحولت إلى نقاط اشتعال جيوسياسي، بينما يخرج هؤلاء ليقدموا عروضًا من الكلام المرتجل الذي لا يقوم على علم ولا على معرفة.
المشكلة ليست في اختلاف الرأي، فالرأي حق للجميع، والاختلاف سنة من سنن النقاش العام. لكن المشكلة حين يتحول الحديث في القضايا الكبرى إلى ما يشبه “الارتجال الإعلامي”، حيث يتكلم البعض في أمور لا يعرفون عنها إلا عناوين عابرة قرأوها في قصاصات الصحف أو في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.
تجد أحدهم يتحدث بثقة مذهلة عن الطاقة العالمية وأسعارها وتكلفتها، وكأنه عضو في مجلس إدارة منظمة “أوبك”. وآخر يخوض في الاستراتيجيات العسكرية والممرات الملاحية وقوانين البحار الدولية وكأنه خبير استراتيجي قضى عمره في دراسة الجغرافيا السياسية. وثالث يطلق نظريات اقتصادية عجيبة دون أن يكلف نفسه عناء البحث أو الدراسة أو حتى سؤال أهل الاختصاص.
والقاسم المشترك بين كثير من هؤلاء ليس المعرفة، بل الثقة المتضخمة في فراغ المعرفة. ثقة هائلة في الكلام، يقابلها فقر شديد في المعلومات. هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، ولا يسعون إلى الوعي، ولا يهمهم الصالح العام بقدر ما تهمهم الصورة التي يقدمون بها أنفسهم أمام جمهورهم، أو “التريند” الذي يمكن أن يصنعوه بأي ثمن.
إنهم لا يمانعون أن يتحدث الناس عنهم حتى لو كان ذلك بالانتقاد أو بالسخرية أو حتى باللعنات، فالمهم أن يظلوا في دائرة الضوء. ولذلك تجد أحدهم يتحدث عن “ملايين الحمير التي ذُبحت في مصر”، وآخر يتحدث عن نفوق الماشية، وثالث عن العسل المغشوش والزيت المضروب والدواء المصنع تحت “بير السلم”. ثم لا يلبث بعضهم أن يتحول فجأة إلى خبير اقتصادي بمجرد ارتفاع سعر سلعة زراعية في موسم البشاير أو فترة العروات.
ومن هنا ظهرت المؤشرات العجيبة: مؤشر ورق العنب، ومؤشر البامية، ثم دخلنا أخيرًا إلى مرحلة “مؤشر البطيخ” لقياس قوة الاقتصاد أو ضعفه. وكأن اقتصاد دولة بحجم مصر يمكن اختزاله في سعر ثمرة فاكهة موسمية.
الحقيقة أن المشكلة ليست في البطيخ ولا في البامية، بل في هذا التهريج الذي يرتدي أحيانًا ثوب التحليل. فالإعلام ليس مسرحًا للتهريج، ولا منصة للارتجال، بل مسؤولية أمام الناس والتاريخ.
ولذلك حين أستمع إلى بعض هؤلاء لا أملك إلا أن أتذكر السؤال القديم:
“إنت جاي تعزي ولا جاي تهرج؟”
لكن الإجابة هذه المرة تبدو واضحة جدًا:
هم بالفعل… جايين يهرّجوا.