رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نبض الوطن



"المادة 35 " من قانون الشهر العقاري رغم ما أثارته من مطبات وجدل واسع وصل لحد رفضها لما تسببه من أعباء مالية في زيادة الرسوم، ومعنوية في طول الإجراءات ..فإنها أثارت أيضاً أسئلة مهمة مثل: من يصنع الرأي العام في مصر..أهي وسائل الإعلام التقليدية (مقروءة ومسموعة ومرئية) أم وسائل التواصل الاجتماعي..وإذا رجّحت سجالات المادة 35 سالفة الذكر كفة وسائل التواصل الاجتماعي..يصبح السؤال: أي مستقبل ينتظرنا إذا ما استمر هذا التراجع الإعلامي لحساب الواقع الافتراضي..ولماذا يشكل هذا الواقع خطراً لا يستهان به على الدولة والمواطن معا إذا أمر تشكيل الرأي العام لوسائل التواصل الاجماعي وفيها ما فيها من الغث والسمين؛ الحقيقي والمزيف..وكيف يمكن استعادة الرأي العام بصورة منضبطة..؟!

لن أدخل في تفاصيل تعديلات المادة 35 التي أراد واضعوها – وهم بالمناسبة أعضاء مجلس النواب المنتهية ولايته، هكذا قال ياسر منير وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب الحالي الذي أكد أن هذه التعديلات تم إقرارها في الفصل التشريعي الأول بدور الانعقاد الأخير للمجلس السابق بهدف تسجيل العقارات غير الرسمية البالغة نحو مليوني عقار تقبع خارج الإطار الرسمي للدولة .بل تكفينا استخلاص هنا دلالات الرفض والترجع أو الإرجاء حتى حين..وكيف وصلت أصوات الرافضين لها إلى سمع الحكومة التي عمدت إلى تشكيل لجنة وزارية لمراجعة وتبسيط الإجراءات والنظر في ارتفاع الرسوم.

لماذا لم تعد وسائل الإعلام قادرة على العمل المتصل حول موضوع بعينه لتكوين معرفة عميقة حوله تمكن الرأى العام من اتخاذ موقفا منه، و صارت أغلب نقاشات الرأى العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي مبتسرة تتسم بالسطحية وعدم الدقة ناهيك عن الاستناد إلى مصادر مشبوهة وغير دقيقة للمعلومات..؟!

الرأى العام صناعة ثقيلة تتطلب القائمين على صناعة الإعلام إدراك اللحظة الفارقة فى عمر الوطن، وأن العمل على رفع وعى المجتمع صار فريضة وأن طرح القضايا الجدلية أو الإلهائية –إن صح التعبير- يصب في غير صالح الدولة ؛ فأهم وظائف وسائل الإعلام أن تنظم أفكار الرأى العام، و تساعد في تنمية مدارك المجتمع لرفع وعيه بطريقة فعالة وصحيحة ..فماذا حدث بعد إغفال هذه الحقيقة ؟..للأسف تسرب هذا الدور من بين أيدى القائمين على الإعلام، وصارت مواقع التواصل الإجتماعى هى التى تحدد الموضوعات الرائجة والأعلى متابعة، وأيها يتم التعتيم عليه والتغاضى عنها مهما بلغت أهميتها، وبالتبعية استغل محبو الظهور هذه الفكرة وصار هناك مفتعلو الموضوعات الأعلى متابعة عن طريق افتعال الأزمات وتحولت هذه الصفات البغيضة إلى وظيفة تسويقية.

لا يصح أن يُترك ترتيب الموضوعات التى تشغل الرأى العام رهينة فى أيدى المستائين أو مفتعلى الأزمات أو الباحثين عن الإثارة على مواقع التواصل الاجتماعي الذين لا يقف تأثيرهم عند مريديهم أو متابعيهم، بل -وتلك ثالثة الأثافي- ينساق وراءهم ثلة من القائمين على وسائل الإعلام سواء كانت فضائيات أو جرائد أو إذاعات، إما لتفنيد ما يقولون أو ترديده على أنه يمثل رأي الشارع أو جمهور الفضاء الإلكتروني..ما يدعونا للقول إن صناعة الرأى العام تتطلب لعب دور استباقي وتبني قضايا جماهيرية بصورة أكثر تعبيرا عما يدور في نفوس الناس حتى لا نتركهم نهباً للشائعات تارة، ولهواة الصيد في الماء العكر والقفز على الأزمات تارة أخرى..الرسالة الأهم للبرلمان ونوابه أن يطرحوا مشروعات القوانين الحساسة للنقاش المجتمعي قبل إقرارها ودراستها دراسة وافية لآثارها السلبية اقتصاديا واستثماريا واجتماعيا وأمنيا ومعرفة مدى قبولها شعبياً وحتى لا تتكرر أزمة المادة 35 وغيرها.

نريد أن نلتفت قليلاً إلى تأثير «دوامة الصمت» التي توصلت إليها إليزابيث نويل نويمان العالمة الألمانية، مفسرةً من خلالها سلوك الجماهير تجاه الأحداث المجتمعية؛ فالمجتمع المعولم حافلٌ بقدرٍ كبيرٍ من الرموز المشبعة بالمعاني الذاتية التي خلقتها وسائل الإعلام/ أو وسائل التواصل الاجتماعي، ما أدى إلى هيمنة المصطنع واحتجاب الواقع. والنتيجة عالمٌ فوق-واقعي افتراضي تكنولوجي، فقدت فيه الأشياء قيمتها التي صارت مرتبطةً بقدرتها على التأثير والنفاذ إلى العقول. والحاصل هنا أن معظم الأفراد سوف يتحرّكون في اتجاه ما تروج له وسائل التواصل الاجتماعي وتصنعُ من حوله هالةً من الغوايةٍ الجاذبة الخادعة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة