إلى الأمام
لا اعرف من اين اكتسب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون كل هذه الثقة وكيف جاءته الجرأة للحديث عن الاسلام كدين بهذه الطريقة خروجا على كل الاعراف السياسية والدينية واللياقة واللباقة الدبلوماسية..ليقول بالنص في خطاب ألقاه امام تجمع انتخابي بضواحي باريس:إن الإسلام “ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم”!
ما كنت اتخيل ان يسقط ماكرون هذه السقطة وهو يصدعنا والعالم حديثا عن العلمانية والحرية المزعومة وحمايتها
ولا ان يكون هو شخصيا كرئيس دولة احد اذرع الحملة المشرعة ضد الاسلام لترسيخ الخلط بين الاسلام كدين وحالة المسلمين كاتباع.
الحقيقة انه لا يمكن فهم تصريحات ماكرون بمعزل عن السياق العام على الساحة الدولية عامة والفرنسية خاصة والحالة الاسلامية و موقف للاسلام كدين على الساحة العالمية والصورة المزرية والمخزية للمسلمين.
كلام ماكرون يحتاج مزيدا من الضبط حتى يمكن فهم الصورة فهما صحيحا والوصول الى حكم واضح وعقلاني دون افتئات على الواقع ودون محاولة للتضليل والانحراف بالفكر نحو مقاصد واهداف سياسية وايديولوجية لم تعد خافية على احد.
واضح ان السيد ماكرون يعيش حالة قلق وارتباك سياسي وخوف من تدني شعبيته في المعركة الانتخابية القادمة لذلك بدا مبكرا الصراع مع اليمين المتطرف وسبق الى استغلال ورقة المتأسلمين والاسلام السياسي.
الوقائع على الارض وتداعياتها المشهودة تؤكد بما لا يدع مجالا لشك ان الاسلام كدين والمسلمين يدفعون وسيدفعون ضريبة حالة الارتباك في الساسة الغربية وحالة القلق وفقدان التوازن العلماني التى تتمدد بشكل يومي وتتلقى ضربات موجعة حتى من انصارها ودعاتها ورافعي رايات حماية العلمانية وايضا من قبل ذلك حالة الهوس التى تضرب اليمين المتطرف وتجد في التهجم على المسلمين مرتعا خصبا لها ولانصارها.
هناك حلم غربي قديم بتفتيت الاسلام للانتقاص من قوته الحقيقية التى يعرفونها ويدركونها جيدا وجندوا لذلك القوى الفكرية من فلاسفة علماء اديان واجتماع وغيرهم ساهموا في الحركة الاستشراقية اياها وانتهوا الى انه لا مجال لمواجهة قوة الاسلام الا بتفتيته اولا وخلق عدة اسلامات وحتى لا يكون هناك اسلام واحد فشاهدنا خططا غريبة في اختراع الاسلامات المتعددة على سبيل المثال الاسلام الامريكي وصل حد تاليف مصحف خاص سمي بالقران الامريكي وفشلت محاولة ترويجه في الدول العربية والاسلامية وهناك رغبات وتطلعات بانشاء اسلام الماني وانجليزي وفرنسي وغير ذلك الا ان المحاولات الاكثر نشاطا الان في المانيا وفرنسا حيث تتخذ خطوات عملية على الارض مثل انشاء مساجد خاصة مختلفة مختلطة للرجال والنساء يؤم الرجال فيها النساء وتخطب هي الجمعة ولا تلتزم المراة بالحجاب اوغطاء الراس حتى في الصلاة ولا في ترتيب الصفوف ويسمونها مساجد ليبرالية وهناك مساجد للشواذ بائمة من الشواذ واشياء اخرى ويتم استضافتهم على القنوات الفضائية والترحيب بهم واشياء اخرى اكثر عجبا وغرابة في الدين الجديد الذي يخترعونه ويريدون تسميته اسلاما.
يبدو ان حماس ماكرون نحو اختراع اسلام فرنسي جديد اوقعه وسيوقعه في الكثير من الاخطاء والخطايا..اخطاء منهجية ومطبات سياسية قد يدفع ثمنا غاليا لها.
اختراع اسلام فرنسي حلم وهم ماكروني يشغله وينغص عليه حياته وقد اعلن عن ذلك مرارا وعين شخصية لهذا الغرض مسلم فرنسي من اصل تونسي وهو خبير اقتصادي اسمه حكيم القروي ورغم الانتقادات والاعتراضات سواء من المسلمين او حتى المفكرين الفرنسيين على الاختيار وانه ليس الشخص المناسب في المهمة الا ان ماكرون يصر على ان يكون القروي هو ذراعه اليمنى على طريق الاسلام الفرنسي.وقدم بالفعل دراسات ومقترحات لانشاء هيئة اسلامية فرنسية..وتكوين ائمة فرنسيين ليبراليين بعيدا عن اي دولة اسلامية ليكونوا شخصيات فرنسية تخاطب المسلم الفرنسي وليس المسلمون في فرنسا.
ماكرون لا يفعل ذلك رغبة في اصلاح اسلامي حقيقي كما يروج البعض ولكنها لعبة سياسية كشف عنها وفضحها كثير من الكتاب الفرنسيين ومن بينهم الحقوقي والكاتب الفرنسي المعروف الان جريش والذي اتهم ماكرون صراحة بانه يستخدم الاسلام السياسي في لعبة سياسية داخلية فاعلن عن خطة للاصلاح الاسلامي من اجل جذب جمهور الناخبين ويقول ان شعبية ماكرون انخفضت بشكل كبير وهولايريد خسارة الانتخابات البلدية او الرئاسية المقبلة.
ماكرون وهو في طريقه لعمل تنظيم للاحتواء والسيطرة على المسلمين في فرنسا يشهر سلاح العلمانية ويركز عليه الا انه لم يستطع ان يكون مقنعا بعلمانيته واتهم بانه يمارس نفاقا علمانيا غير مسبوق حتى قال احد المفكرين الفرنسيين المشهورين جون سكوت ان ماكرون يريد تعزيز العلمانية في مواجهة دين واحد ولو انه قال ما يقوله عن الاسلام عن اليهودية لكان قد جرم وفقا للقاتون الفرنسي.
حالة النفاق العلماني من جانب ماكرون ظهرت واضحة في موقفه الفج بانه لن يدين اعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من قبل صحيفة شارل ابدو "ففي فرنسا هنالك أيضا حرية التجديف(السخرية من الأديان)وأنا هنا لحماية هذه الحريات".
وكان موقفا مثيرا للعجب والسخرية ايضا واثار غضب الكثيرين ليس فقط في العالم الاسلامي ولكن في بعض الاوساط الفكرية الفرنسية ايضا .
من بين كل الردود على ماكرون لم اجد افضل من رد المؤرخ والانثروبولوجي الفرنسي الشهير ايمانويل تود حين قال:ان ادانة العمل الارهابي لا يترتب عليه تقديس شارل ابدو وان حق المرء في ازدراء دينه لا يجب ان ينسحب على حقه في ازدراء دين الغير وبشكل خاص في السياق الاجتماعي والاقتصادي الصعب الذي يميز المجتمع الفرنسي حاليا..
وكان لتود موقف مميز ابان احداث شارل ابدو اذ عبر عن دهشته من طريقة وطبيعة الحشود لادانة العمل الارهابي وقتها وسخر تود من محاولة الاعلام الفرنسي استنطاق الاقلية المسلمة وجعلها تردد معه انا شارلي ابدو عبر شاشات التلفزيون مرغما اياها على قبول التجديف في حق مقدساتهم عنوة وهي التى سماها تود بالومضة الفاشية.
الموقف الفرتسي وتصريحات ماكرون يفرض بقوة ضرورة الاجابة عن السؤال الجوهري:ماذا فعل الغرب بالاسلام والمسلمين. ليعلم ماكرون وكل ماكروني السبب الحقيقي لازمات المسلمين وليس الاسلام فانها من صنع ايديهم وتنفيذ مجرميهم في الشرق والغرب بما في ذلك تلك الكيانات والتنظيمات التى ترفع الراية الاسلامية مثل داعش واخواتها حتى انقلب عليهم سحر الساحر.
اما الاسلام كدين للبشرية جمعاء فكل قادة الغرب ومفكريه يعلمون انه الدين الحق والاقوى والاوسع انتشارا في العالم رغم الموجات العاصفة من الحروب عليه لتشويهه حتى محاولة جعله مرادفا للارهاب.وارتد كيدهم في نحرهم..وهم يعرفون ان هذا النجاح هو الذي ولد لديهم حالة الخوف من الاسلام او الاسلاموفوبيا وهي التى تحرك وتتحكم في سياساتهم وخططهم تجاه المنطقة العربية والاسلامية.لذا لم يكن غريبا ان نسمع عن خطط لمواجهة اسلمة اوروبا ومنع وصول المهاجرين او دعوات طرد المسلمين من القارة العجوز التى يعيش عليها اليمين المتطرف.
ينسى ماكرون والسائرون على دربه في اختراع الاسلامات القاعدة الشهيرة التى اكدها النبي صلى الله عليه وسلم.ان الله ينصر دينه بالبر والفاجر.
والله المستعان..