إلى الأمام
الارض الزراعية في مصر المحروسة حمالة الاسية في كل عصر وحين. تعرضت ولا تزال لعمليات اغتصاب واستباحة بلا هوادة لا يمكن تخيلها..كل القوى الشريرة والخيرة ايضا لم تكن تجد متنفسا لرغباتها الا في الارض الزراعية بصورة عجيبة.اي مشروع لم يكن امامهم الا التضحية بالارض الزراعية وقتلها دون ان يطرف لهم جفن.
اذا ارادوا اقامة مستشفى تبرعوا بالافدنة اذا ارادوا بناء مسجد او كنيسة او دير ليس هناك منفذ الا الارض الزراعية حتى المصانع الكبرى اقيمت على ارض زراعية بما فيها شركات الغزل والنسيج ومصانع الكيماويات والاسمدة والمنتجات الغذائية وغيرها.. الجامعات انتزعوا اجود واخصب الاراضي بمئات الافدنة لها بدم بارد حتى في الاماكن التى يتوفر فيها ظهير صحراوي والمشروعات السكنية والمدن الخاصة بالعمال والطلبة وغيرها على ارض زراعية.الحكومات المتعاقبة هي من تفعل وتبارك عمليات الاغتصاب والاستباحة والاعجب انها كانت بعد الجريمة كانت تبحث عن وسيلة لتقنين وشرعنة الاغتصاب والاستباحة.
لذلك عرفت مصر على طول تاريخها السياسي مواسم مخصوصة لاستباحة الارض الزراعية ومنذ ايام الملكية والاقطاع كان الملك يتكرم على من يتكرم وينعم عليه بمنحه هدية مئات واحيانا الاف الافدنة وابحثوا في نشأة الابعاديات والاقطاعيات الكبرى والصغرى في مصر.
ثورة يوليو رغم ماقدمته للفلاح الا انها لم تكن بعيدة عما حدث من خلل واخلال في الارض الزراعية وقوانين الاصلاح الزراعي التى فتحت بوابات جهنم لاستباحة الارض الزراعية وجعلها كلأ مباحا فيما بعد لمن يريد ان يتبرع او يقيم اي مشروعات خدمية او باي صفة تحملها كانت اراضي الاوقاف والاصلاح الاقرب والاسهل للقضم والالتهام بنهم وشهوة دون اعتبار لاي حرمة شرعية او حتى قانونية..وكانت اقرب فكرة الى عقل وقلب اي مسئول هو البحث عن ارض اصلاح اواوقاف وتخصيصها فورا لاي شيئ نافع او حتى ضار.
ايضا مع توجه مصر الى التخفيف من وخلع صفة الزراعية عنها ولو قليلا والتحول نحو المجتمع الصناعي جاءت الثورة الصناعية على حساب الارض الزراعية..حتى في الاوقات التى كانت السياسة العامة والتوجهات السياسية الاهتمام بتوسيع رقعة الارض الزراعية ورفع شعار الخروج من الوادي الضيق والتوسع في استصلاح الاراضى الزراعية وخلق ظهير صحراوي في معظم المحافظات لتخفيف الضغط على الرقعة الزراعية وشهدت مصر تجارب ناجحة خاصة بعد السد العالي ودوره الكبير في الحماية من الفيضان وتنظيم الري وشق الترع وتوصيلها الى اماكن جديدة خلقت معها مجتمعات ورقعات زراعية مهمة ومع الامتدادات التى حصلت في عمق الصحراء والاتجاه جنوبا في الوادي الجديد والعوينات وتوشكي وغيرها هي الان لا نقول صمام امان ولكن كانت سندا وظهيرا قويا وساهمت في جعل الصورة اقل سودا مع التهام مساحات كبيرة من الارض الاصلية في الوادي.
لذلك فان التحرك الحالي على مستوى القيادة السياسة والرئيس عبدالفتاح السيسي وغضبته من اجل الارض الزراعية وتحرك الحكومة ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي والنزول الى ارض الواقع وعرض الخرائط والصور المفزعة لاغتصاب ونهب الارض الزراعية هو انتفاضة وصحوة جادة لانقاذ الثروة الزراعية.
للحقيقة ليست صور الخصوص هي الابشع والافظع ولكن هناك عشرات الخصوص على امتداد المحافظات ة شمالا وجنوبا وهي حقيقة مخجلة ومزعجة يدركهاببساطة من يتحرك بالسيارة على الطرق السريعة وسيشاهد بام عينيه حقيقة الاجرام بحق الزراعة والكتل الخرسانية البغيضة التى تغطى الفضاء حتى تشعر في بعض الاماكن انها كتل خرسانية وطوب احمر وابيض يتخللها شواهد من نباتات وبعض الاشجار تذكر فقط هنا حياة زراعية.
ولك ان تتخيل الصورة على حدود 4500 قرية في المحافظات بعض القرى تداخلت حدودها واختلطت ولم يعد هناك فواصل بعد ان كان يتم السير اليها وبنيهما كيلومترات احيانا..وكثير من الترع اصبحت داخل حدود القرى وتبذل حهود لتغطيتها ومدها عبر مواسير لتجنب الناموس واشياء اخرى..
اهم واخطر ما في التحرك الرسمي الاخير لانقاذ الارض الزراعية انه جاء قبل اهم موسم لاستباحة الارض الزراعية موسم معروف ومشهور ينتظره الجميع على احر من الجمر.هو الفرصة الذهبية لتقنين الفساد ومنحه قبلة الشرعية الفاسدة وهي جريمة شاركت فيها كل الحكومات المتعاقبة والحزب الحاكم واعوانه وزبانيته وصكوك الاستباحة كان يحملها الامناء العامون للحزب ويصدق عليها البرلمان.وكان الشغل الشاغل لاي عضو اونائب محتمل هو استخراج التصاريح وكان الحزب الوطنى و مقر وزارة الزراعة اشبه بالمولد الذي لا ينفض ولا يهدأ له غبار ولا تنطفئ له نار من اجل التصاريح ليل نهار وما استتبع ذلك من انتعاش سياسة الدفع تحت وفوق الترابيزة والتبرع للحزب واعوان الحزب ومؤتمرات الحزب وكواليس الحزب وابناء الحزب الاشقاء وغيرالشرعيين وورثته المحتملين والمنتفعين.
يمكن القول ان الحياة الحزبية انتعشت في كثير من فترات حياتها بطين الارض ولا يهم ان ياكل الشعب الطين..لذلك فان فترة الحياة النيابية في العقود الاخيرة تحتاج الى دراسة شاملة ومتانية لمعرفة حجم الكارثة التى سببتها المواسم الانتخابية في ضياع ثروة مصر الزراعية وكيف كان يتم التلاعب بالاحوزة العمرانية لصالح افراد ونواب بعينهم ويتم اعادة التصوير الجوي وادخال مناطق بعينها داخل الكردون وكيف كانت تعطل خرائط الاحوزة العمرانية وخاصة للقرى والمدن لسنوات وسنوات لاغراض في نفس كثير من اليعاقبة لا رضي الله عنهم.
ارقام الاحصائيات مزعجة واذا استمر الحال على ما هو عليه فلن نحتاج سوى دورتين اوثلاثة للبرلمان لاعلان وفاة الرقعة الزراعية القديمة تماما..
اخر الاحصائيات تشير إلى أننا فقدنا 400 ألف فدان منذ عام 1983 منها نحو 90 ألف فدان بعد ثورة يناير 2011 اي ما يعادل ربع المساحة الضائعة.
وفقدنا أراض زراعية خصبة بنحو 2907 افدنة في عام فقط لمشاريع النفع العام وخدمة الإنتاج الزراعي.فقد وافقت وزراة الزراعة على إقامة 612 مشروعا ذات نفع عام من المشروعات التى تقيمها الحكومة بمساحة 2607 أفدنة والتى وردت من الوزراء والمحافظين المختصين للوزير و تمت الموافقات خلال الفترة من 11/6/2018 حتى 1/7/2019 وكذلك الموافقة على إقامة 2815 مبنى ومشروعا للنفع الخاص لخدمة الإنتاج الزراعي والحيواني بمساحة 294 فدانا.
كماتسببت أعمال البناء المخالف والتبوير فى ضياع مليون و١٢٨ ألف فدان أى ما يعادل نسبة ١٢٪ من جملة الارض الزراعية بحسب المستشار نادر سعد المتحدث باسم رئاسة مجلس الوزراء.
النهب والاعتداء مستمر حتى بموافقة الحكومة ولا اعتراض من احد ويتم التحايل على القوانين والتشريعات من اجل الاختراق وتسهيل السطو على الارض الخصبة.
لابد من الاشارة الى اهمية التحرك الحكومي في الوقت المناسب وبلا تاخير والنزول الى الجماهير وتقديم شرح واف للقرارات والسياسات قبل اتخاذ القرارات حتى يستوعبها الراي العام ويفهمها ويتفاعل معها بصورة صحيحة وحتى لاندخل في دوامات جدلية فوضوية حول الاهداف والمقاصد التى قد تفهم على غير المراد ويستغلها المتربصون واعداء الوطن في الداخل والخارج.
والله المستعان ..