رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كلام بحب

** إذا أردنا بناء الإنسان واستعادة الشخصية المصرية.. فعلينا البدء فوراً فى علاج الخلل الذى حدث فى النسيج الاجتماعى وأدى إلى انفلات أخلاقى قولاً وممارسة.. ربما لم تشهده مصر على مر الزمان.. وإلى تغيرات كبيرة فى الطبائع والعادات والتقاليد وتحطيم الثوابت والأعراف.. ووصل إلى حد تشويه الحقائق والرموز الوطنية والشعبية التى ظلت محط احترام لقرون وسنوات عن طريق تزييف ممنهج ومتعمد للتاريخ حتى يفقد المصرى ثقته فى ماضيه.. ثم يتم تيئيسه من حاضره فلا يرى أى ومضة ضوء فى مستقبلة.. وتنجح بذلك مخططات خارجية وداخلية لجعله محبوساً فى نفق مظلم!!


لن يكون الأمر سهلاً لأسباب متعددة.. فبناء الإنسان وتغيير السلوك واستعادة ما كان يحتاج إلى وقت.. فطبائع البشر تتكون فى سنوات حتى ترسخ فى النفوس وتتحول إلى صفات ثابتة تميز مجموعة من الناس.. ويحتاج الأمر أيضا إلى جهد مجتمعى متكامل تشارك فيه مؤسسات الدولة والمنظمات الأهلية والمؤسسات الدينية والإعلامية للوصول إلى المواطن وإقناعه والتأثير عليه حتى يمكن حثه على التغيير.


وما يزيد من الصعوبة أن تشكيل الوجدان وزرع القيم والمبادئ والأخلاق فى النفوس.. تشارك فيه جهات عديدة تجعل المسألة أكثر تعقيداً.. فلم تعد الأسرة كما كان فى الماضي.. هى وحدها المسئولة عن تنشئة أبنائها.. ولكن تنضم إليها المدرسة من الحضانة إلى الجامعة.. وما يتعلمه الطفل من الشارع والحارة والقرية.. وما تبثه فيه المؤسسات الدينية "الجامع والكنيسة" ثم المجتمع المدنى المتمثل فى انضمامه إلى أندية وجمعيات وأحزاب.. ثم وسائل الإعلام وقصور الثقافة وبيوت الشباب.


أخيراً تخلت الأسرة عن الكثير من أدوارها لضيف جديد أطلقوا عليه "وسائل التواصل الاجتماعي" مع أنه المسئول الأول عن عدم تواصل الأسرة.. يدخل البيوت بلا استئذان وتحول فى زمن قياسى إلى أهم مصدر للتربية والتعليم والتخاطب وأخذ المعرفة.. ويؤثر فى الطفل وفى نشأته أكثر من الأب والأم والمدرس والأستاذ الجامعى ومدرب الكرة وشيخ الجامع وواعظ الكنيسة!
وعى الآباء والمدرسين.. يهزم "المحمول"


تناولنا فى المقالين السابقين كيفية علاج التشوهات التى أصابت الأسرة المصرية والتغيرات الاجتماعية التى قلصت من دورها الحقيقى فى تريبة الطفل.. وكذلك التدهور الذى لحق بالتعليم وأدى إلى التسرب من المدارس وتخريج دفعات من الجامعة لا علاقة لها بسوق العمل ولا تساهم فى بناء الإنسان.. وتطرقنا إلى بدء عملية تطوير التعليم وضرورة الاهتمام بأهم حلقاته وهو المعلم والأستاذ الجامعى سواء من حيث تأهيله أو تحسين مستواه المادى والمعيشي.. مع التشديد على أن يكون أكفأ المدرسين ليسوا فى المرحلتين الإعدادية والثانوية كالمتبع.. ولكن لابد أن يكون الأنشط والأمهر والأكثر إبداعاً وابتكاراً منهم هم من يعملون فى الحضانات والمدارس الابتدائية.. فتلك المرحلة هى المسئولة عن تشكيل الطفل واكتشاف قدراته ومواهبه واكتسابه للأخلاق والمهارات والعادات و......!!


مساعدة الدولة فى ضمان تكوين أسرة متماسكة وقادرة على تحقيق مستوى مادى معقول وتوفير العلاج للأطفال وتطوير التعليم ليجتذبهم ولا يجعلهم يتسربون يساهم بشكل كبير فى استعادة الشخصية المصرية والحد من التأثيرات الأخرى وأهمها وسائل التواصل.. فالأسرة الواعية لا يمكن أن تعطى طفلاً فى الحضانة أو تلميذاً فى الابتدائى تليفوناً محمولاً يشغله عن كل شيء فى الحياة لدرجة أنه ينسى أن يلعب ويخرج للتنزه ليعيش مرحلته وطفولته.. والمدرس الواعى الذى يعامل التلميذ كالأب ويكون له قدوة.. فبالتأكيد سيجعله يحب المدرسة ويأتى إليها ويلعب ويتعلم ويكتشف قدراته.. فيترك "المحمول" ويندمج مع أقرانه.. وقد يتجه للقراءة أو على الأقل استخدام الإنترنت فى الحصول على المعلومات والبحث عن الأشياء المفيدة والاستفادة من إيجابياته بدلاً من سلبياته.


وإن كان لابد من إعطاء الطفل الصغير الموبايل لتسهيل الوصول إلى مكانه بالحضانة أو المدرسة فى حالات الطوارى أو ليستنجد بأهله فى الأزمات "كما تدعى معظم الأسر" فليكن من نوع الهواتف التى تستقبل المكالمات أو يتصل بها فقط.. ولا داعى أبداً أن يكون على أحدث طراز وبه إنترنت.


نعم.. الأسرة والمدرسة يشكلان 90٪ من بناء الطفل.. وذلك لو قاما بدورهما المنوط بهما.. ثم تأتى باقى الجهات المشاركة فى التربية وأهمها الشارع والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والمجتمع المدنى و......!!


أطفال الشوارع.. وانضباط المرور
** يؤثر الشارع كثيراً فى سلوك الأفراد.. وبعد يناير 2011 بالتحديد تغيرت تماماً لغة الشارع وأصبحت السلوكيات أكثر عنفاً واستفزازاً.. والحوار خرج على المألوف وانحدرت المفردات إلى أدنى المستويات وتحول السباب والشتائم إلى أسلوب تعامل معتاد.. كما تزايدت أعداد العالقين على الطرق والمتسولين فى الشوارع.. أما عن التسيب المرورى فحدث ولا حرج.. وإضافة إلى ذلك فقد سادت العشوائيات ووصلت إلى معظم المناطق فى المدن والقري!!


وكما قلنا إن تغيير العادات واستعادة السلوك القويم يحتاج إلى وقت وجهد وعمل شاق من كل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.. فإنه لكى نسمو بلغة التحاور ونبذ العنف المجتمعى فلابد أن نُعلى من قيم التسامح والتآلف وأن يقوم الإعلام من خلال الأفلام والأعمال الدرامية بعدم تصدير مشاهد العنف والدماء والتعصب.. وإعطاء الأولوية لبرامج المحبة والتفاهم والارتقاء بأسلوب الحوار وكلام البرامج والأغانى والمسلسلات.


أما بالنسبة لأطفال الشوارع والمتسولين والعالقين بالطرقات.. فلابد أن تجد لهم الدولة حلاً.. مثل أن تجمعهم فى معسكرات عمل لاستصلاح الأراضى الصحراوية وإقامة مجتمعات صناعية بها وورش مهنية ليتعلمون فيها حرفاً ومهناً تساعدهم على العيش والحياة الكريمة وتجعلهم يعملون ويربحون وتنشئ لهم المساكن.. وتبيع الدولة من خلال شركات تعاونية إنتاجهم الزراعى والصناعى وتأخذ ما صرفته وتمنحهم الباقى ثم تملكهم تلك المشروعات بعد فترة.. وذلك أفيد لهم وللمجتمع وللدولة بدلاً من انتشارهم فى الشوارع وممارسة أعمال خارجة على القانون والبلطجة على الناس.. فهؤلاء لهم حق علينا جميعاً إذا كانت أسرهم قد تخلت عنهم.. ولابد من تحويلهم إلى مواطنين صالحين منتجين ونافعين لأنفسهم ولبلدهم.


ويمكن للمتسولين والعالقين فى الطرقات أن يتم دمجهم فى برامج الحماية الجماعية مثل "تكافل وكرامة" ومراقبتهم.. ومن يعد منهم للتسول يحول إلى معسكرات العمل.


أما إصلاح المرور فيحتاج إلى استراتيجية تقوم على جناحين.. الأول قصير الأجل ويأتى بثماره سريعاً وهو القانون.. يتم وضع لوائح وقوانين بشرط تنفيذها على الجميع ويكون المصريون سواسية ولا استثناء لأحد لا وزير ولا خفير.. لا صحفى ولا شرطى ولا ضابط ولا مستشار.. وأعتقد أن تشديد العقوبات فى البداية وسداد رسوم المخالفات فوراً سيجعل السائقين حذرين.. فالكل يدفعون المخالفة ولا ترفع عنهم.. فلن يردع السائق شيء مثل علمه أن كل خطأ يستلزم خروج الأموال من جيبه.


الجناح طويل الأجل هو التربية من الحضانة على احترام حق الطريق والالتزام بقواعد المرور حتى يكبر الأطفال وهم متعودون على الوقوف فى الإشارات وعدم السير بالعكس أو الركن فى الممنوع وتصبح عادة يلتزم بها منذ الصغر.. فالقانون مع العدالة والتربية مع المداومة كفيلان بخلق أجيال تعيد الانضباط لشوارعنا.


ولأن الشارع يتأثر بما تبثه وتنشره وسائل الإعلام فى تنوير العقول وخلق الوعى والارتقاء بالأخلاق وأيضا فى التحذير من مخالفة القانون والاعتداء على حقوق الأخرين.. فلابد أن نهتم بمن يقومون بهذا الدور ويشكلون الرأى العام.. ولا مناص من حسن اختيار العاملين فى الإعلام بوسائله المختلفة من صحافة وإذاعة وتليفزيون وسينما و...!


وتلك حدوتة أخرى نتناولها بإذن الله فى مقال قادم لو كان فى العمر بقية.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة