المنير.. قلعة القلقاس والفراولة في الشرقية
القرية تنتج 1200 فدان قلقاس..
700 فدان فراولة.. و600 فدان بطاطس
تنوع زراعي يفتح الطريق
لتعظيم القيمة المضافة للمحاصيل
ليست قيمة القرية الزراعية في عدد الأفدنة التي تزرعها فقط، وإنما في قدرتها على تحويل ما تنتجه الأرض إلى قيمة اقتصادية أكبر. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام قرية المنير بمركز مشتول السوق في الشرقية؛ فالمحصول الذي يخرج من الحقل خامًا يمكن أن يتحول، بالفرز والتعبئة والتبريد والتخزين والتصنيع والتسويق، إلى منتج أعلى قيمة، يوفر دخلاً أكبر للمزارع وفرص عمل جديدة لأبناء القرية.
وتملك المنير مقومات هذه المعادلة؛ فهي تشتهر بالقلقاس، وتزرع نحو 1200 فدان منه، إلى جانب 700 فدان فراولة و600 فدان بطاطس و100 فدان خضر و160 فدان حدائق و340 فدان قمح و520 فدان برسيم. وتبلغ المساحة الزراعية بمركز مشتول السوق نحو 14 ألفًا و764 فدانًا، فيما تنفرد المنير بطبيعة تربة تجمع بين الأراضي الطينية والصفراء، وهو ما أتاح لها خريطة زراعية متنوعة، خاصة في الخضر والفاكهة والفراولة.
هذه الخريطة ينبغي ألا تتوقف عند إنتاج المحاصيل وبيعها في صورتها الأولية، وإنما يمكن أن تؤسس لمنظومة تبدأ من الحقل، وتمر بالتجميع والفرز والتعبئة والتخزين والتصنيع، وتنتهي بالأسواق المحلية والتصدير. فكل جنيه يضاف إلى المنتج قبل خروجه من القرية هو فرصة جديدة للمزارع والعمالة والمشروعات الصغيرة.
محصول تتوارثه الأجيال
ارتبط اسم المنير بالقلقاس عبر أجيال متعاقبة، وأصبحت خبرة المزارعين في زراعته وحصاده وتسويقه جزءًا من رأس المال الحقيقي للقرية.
تشير أحدث البيانات المنشورة عن الإدارة الزراعية بمشتول السوق إلى أن مساحة القلقاس في المنير تبلغ نحو 1200 فدان، وهو ما يمثل قرابة نصف المساحة المخصصة للمحصول على مستوى المركز. كما تؤكد مصادر زراعية سابقة أن القلقاس يتركز بصورة أساسية في المنير والصحافة، وأنه أصبح محصولًا استراتيجيًا لعدد كبير من مزارعي المنطقة.
يبدأ موسم زراعة القلقاس عادة من فبراير ويمتد حتى أبريل، بينما يبدأ الحصاد في أكتوبر ويستمر خلال نوفمبر. وتبلغ إنتاجية الفدان، وفق أحدث تقديرات الإدارة الزراعية المنشورة، نحو 15 إلى 16 طنًا بحسب جودة التربة ومستوى الخدمة الزراعية، بينما سجلت تقديرات سابقة إنتاجية تراوحت بين 12 و14 طنًا؛ وهو ما يعكس اختلاف الإنتاجية من موسم إلى آخر وفق التربة والتقاوي وموعد الزراعة والخدمة الزراعية.
يحتاج الفدان إلى نحو طن ونصف إلى طنين من التقاوي، بينما يمكن للمزارع، وفق الخبرات المحلية، تحميل محاصيل أخرى على القلقاس، مثل الثوم والذرة والفاصوليا، بما يسمح باستغلال الأرض لأكثر من محصول ورفع العائد من وحدة الأرض. وقد سجلت مصادر زراعية محلية بالفعل ممارسة تحميل أكثر من محصول في الأرض نفسها بالمنير.
هذه ليست مجرد حيلة زراعية، وإنما خبرة اقتصادية متوارثة؛ فالفلاح لا ينظر إلى الفدان باعتباره محصولًا واحدًا، وإنما يحاول أن يستخرج منه أكبر عائد ممكن، مستفيدًا من طبيعة الأرض ومواعيد الزراعة واحتياجات السوق.
حلقات ما بعد الحصاد
لا تتوقف أهمية القلقاس بالنسبة لأبناء المنير عند كونه محصولًا مطلوبًا على المائدة المصرية، خاصة خلال فصل الشتاء، وإنما يمثل مصدر دخل رئيسيًا لعدد من الأسر الزراعية، كما يوفر نشاطًا موسميًا للعمالة التي تشارك في التقليع والتنظيف والفرز والتعبئة.
وتبدأ رحلة القلقاس بعد وصوله إلى درجة النضج المناسبة بتقطيع العرش، ثم تقليع الدرنات وتنظيفها وتشوينها وفرزها وتجهيزها وفقًا لاحتياجات المشترين والأسواق، وتحتاج هذه العمليات إلى عمالة لديها خبرة في التعامل مع الدرنات حتى لا تتعرض للتلف أو تنخفض جودتها أثناء التداول.
لكن تجربة القلقاس تكشف في الوقت نفسه أن زيادة الإنتاج لا تعني تلقائيًا زيادة الأرباح؛ فالسعر يتأثر بحجم المعروض وتوقيت الحصاد وجودة المنتج وطريقة تسويقه.
ولهذا فإن الفرصة الأكبر أمام المنير هي الانتقال من بيع المحصول عقب الحصاد إلى تطوير حلقات ما بعد الحصاد: الغسيل، والتنظيف، والفرز، والتعبئة، والتخزين، والتبريد، ثم التصنيع الغذائي متى توافرت الجدوى الاقتصادية.
فالفارق بين محصول يباع خامًا ومحصول يصل إلى المستهلك في عبوة مناسبة أو يدخل مصنعًا غذائيًا ليس فرقًا في الشكل فقط، وإنما في القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تبقى داخل القرية.
الفراولة.. الذهب الأحمر
قرية المنير لا تشتهر فقط بالقلقاس، فالفراولة تزرع بها على مساحة تقدر بنحو 700 فدان، مستفيدة من طبيعة التربة الخفيفة التي تساعد على زراعة الخضر والمحاصيل البستانية.
تمنح الفراولة القرية مصدرًا آخر للدخل، كما تفتح مجالًا أوسع للقيمة المضافة؛ فهي من المحاصيل التي يمكن فرزها وتعبئتها وتبريدها وتجميدها، كما يمكن توجيه المنتجات المطابقة للمواصفات إلى أسواق التصدير.
وتشير بيانات منشورة عن الشرقية إلى أن المحافظة تضم مساحات واسعة من زراعات الفراولة، مع وجودها في مركز مشتول السوق إلى جانب مراكز أخرى، بما يعكس خبرة زراعية متراكمة في إنتاجها والتعامل معها.
ومن هنا تصبح الفرصة أمام المنير أكبر من مجرد التوسع في المساحات؛ فزيادة القيمة يمكن أن تأتي من تحسين الجودة، والفرز حسب الأحجام، والتعبئة المناسبة، وسلاسل التبريد، والتصنيع، وربط المنتج بمشترين وأسواق أكثر انتظامًا.
600 فدان بطاطس.. و340 قمحًا.. و520 برسيم
خريطة المحاصيل في المنير تكشف عن تنوع لافت يتجاوز القلقاس والفراولة؛ فهناك نحو 600 فدان بطاطس، و100 فدان خضر، و160 فدان حدائق، و340 فدان قمح، و520 فدان برسيم.
وهذا التنوع يمثل عنصر قوة حقيقيًا؛ فهو يقلل الاعتماد على محصول واحد، ويوزع المخاطر، ويوفر إنتاجًا متنوعًا على مدار العام، ويفتح أبوابًا متعددة أمام الأنشطة المرتبطة بالزراعة.
فالبطاطس يمكن أن ترتبط بالفرز والتخزين والتصنيع، والخضر بالتعبئة والتجهيز، والفراولة بالتبريد والتجميد، والقلقاس بالتنظيف والفرز والتعبئة والتصنيع الغذائي.
وبذلك تصبح المنير أمام فرصة لبناء منظومة منتجات زراعية لا منتجًا واحدًا، بحيث تتوزع مشروعات القيمة المضافة وفق الخريطة الحقيقية لإنتاج القرية.
محافظ الشرقية:
التوسع في التصنيع الزراعي
وتعظيم القيمة المضافة للمحاصيل
أكد المهندس حازم الأشموني، محافظ الشرقية، أن قرية المنير تمثل نموذجًا متميزًا للقرية الزراعية المنتجة، بما تمتلكه من مقومات طبيعية وخبرات متراكمة لدى المزارعين، أسهمت في التوسع في زراعة القلقاس والفراولة وعدد من المحاصيل الأخرى.
وأوضح أن القلقاس يمثل إحدى المزايا الزراعية التي تتميز بها المنير، لافتًا إلى أهمية الحفاظ على هذه الميزة وتطويرها من خلال تحسين أساليب الإنتاج ورفع جودة المحصول، بما يعزز قدرته على المنافسة ويفتح آفاقًا أكبر أمام تسويقه خارج الأسواق المحلية.
وأشار المحافظ إلى أن تنوع المحاصيل بين القلقاس والفراولة والبطاطس والخضر والقمح والبرسيم يعكس قدرة الفلاح الشرقاوي على التعامل مع طبيعة الأرض واختيار المحاصيل الملائمة لها، مؤكدًا أن هذا التنوع يمثل عنصر قوة للاقتصاد الزراعي بالمحافظة، ويدعم دخول الأسر العاملة في القطاع الزراعي.
وشدد الأشموني، على أهمية التوسع في التصنيع الزراعي وإضافة القيمة إلى المحاصيل المنتجة داخل المحافظة، موضحًا أن تعظيم الاستفادة من القلقاس والفراولة وغيرها من المنتجات لا يجب أن يتوقف عند مرحلة الزراعة والبيع، وإنما يمتد إلى الفرز والتعبئة والتخزين والتصنيع، بما يقلل الفاقد ويحسن العائد للمزارع ويخلق فرص عمل جديدة أمام أبناء القرى.
وأكد أهمية تشجيع الاستثمار في المشروعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي، وبناء سلاسل إنتاج وتسويق متكاملة، بحيث تتحول المزايا الزراعية التي تتمتع بها قرى الشرقية إلى قيمة اقتصادية أكبر تعود بالنفع على المزارع والمستهلك والاقتصاد المحلي.
الخبراء:
الإرشاد الزراعي.. كفاءة أعلى للمياه
والأسمدة وجودة أفضل للمحصول
التصنيع والتعبئة.. لتعظيم القيمة المضافة للمحاصيل
توظيف التكنولوجيا.. لتطوير الزراعة
وفتح أسواق جديدة
أوضح المهندس عماد جنجن، وكيل وزارة الزراعة بالشرقية، أن زراعة القلقاس في المنير تمثل نموذجًا لخبرة المزارعين في اختيار المحاصيل التي تتلاءم مع طبيعة التربة والظروف الزراعية، مشيرًا إلى أن استمرارهم في زراعة المحصول يعكس نجاحهم في التعامل مع متطلباته والوصول إلى إنتاجية جيدة.
وأشار إلى أن القلقاس يحتاج إلى عناية دقيقة منذ إعداد الأرض وحتى الحصاد، خاصة فيما يتعلق بالري والتسميد ومقاومة الآفات والحشائش، مؤكدًا أهمية الالتزام بالتوصيات الفنية التي يقدمها الإرشاد الزراعي، بما يسهم في رفع جودة المحصول وتقليل الفاقد وتحسين العائد الاقتصادي.
وأضاف جنجن أن التوسع في المحاصيل ذات القيمة الاقتصادية لا يعني بالضرورة زيادة المساحات بلا ضوابط، وإنما الاستفادة من الخبرات المحلية ونقلها إلى مناطق تتوافر بها الظروف المناسبة، مع مراعاة الدورة الزراعية والحفاظ على خصوبة التربة.
وأكد أن مرحلة ما بعد الحصاد أصبحت عنصرًا أساسيًا في تعظيم الاستفادة من الإنتاج الزراعي، بداية من الجمع والفرز والتداول وحتى التعبئة والتسويق، لافتًا إلى أن تحسين هذه المراحل يساعد على الحفاظ على جودة المنتج وتقليل نسبة التالف وفتح فرص أكبر أمام تسويق المحصول بصورة منظمة.
قال الدكتور خالد وهدان، الخبير الزراعي وعميد كلية الزراعة بجامعة الزقازيق السابق، إن تجربة زراعة القلقاس والفراولة والبطاطس بالمنير تؤكد أهمية اختيار المحاصيل وفقًا لطبيعة التربة والظروف المناخية واحتياجات الأسواق، موضحًا أن نجاح أي محصول يبدأ من الممارسات الزراعية السليمة منذ إعداد الأرض وحتى الحصاد.
وأشار إلى أن القلقاس يحتاج إلى إدارة جيدة للري والتسميد، بينما تتطلب الفراولة والبطاطس متابعة دقيقة لمواعيد الزراعة والتغذية ومكافحة الآفات والأمراض، لافتًا إلى أن الاستعانة بالإرشاد الزراعي والتوصيات الفنية يساعد على رفع كفاءة استخدام المياه والأسمدة وتحسين جودة المحصول.
وأضاف وهدان أن التعامل مع المخلفات الزراعية يجب أن يكون جزءًا من المنظومة الإنتاجية، من خلال الاستفادة منها في إنتاج الأسمدة العضوية أو الأعلاف متى كان ذلك مناسبًا، مؤكدًا أن تطوير الزراعة لا يتوقف عند زيادة الإنتاج، وإنما يشمل تقليل الفاقد ورفع كفاءة استخدام الموارد.
وأكد الدكتور خالد محروس، عميد كلية التنمية والتكنولوجيا السابق، أن المنير يمكن أن تقدم نموذجًا مهمًا لربط النشاط الزراعي بالتنمية المحلية، خصوصًا مع تنوع المحاصيل بها.
وأوضح أن التكنولوجيا تستطيع أن تؤدي دورًا مهمًا في تطوير الزراعة، من خلال أساليب الري الحديثة، وتحسين عمليات الفرز والتعبئة والتخزين، والاستفادة من أدوات التسويق الإلكتروني للوصول إلى أسواق جديدة.
وأشار محروس إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب زيادة التعاون بين المزارعين والجهات البحثية والإرشادية والقطاع الخاص، وربط الإنتاج باحتياجات التصنيع والأسواق، حتى لا تظل القرية مجرد منتج للمواد الخام، وإنما تصبح طرفًا في سلسلة قيمة تحتفظ بجزء أكبر من العائد داخل مجتمعها.
المزارعون والتجار:
تعزيز الدعم الفني ومستلزمات الإنتاج
والتسويق.. لتحسين العائد
أما المزارعون والتجار فقد طالبوا بتعزيز الدعم الفني ومستلزمات الإنتاج والتسويق.. لتحسين العائد.
يقول محمد السيد ومحمود أحمد وعماد توفيق، مزارعون وتجار من أبناء المنطقة، إن القلقاس يختلف في طريقة التعامل معه عن كثير من المحاصيل، إذ يمكن تركه في الأرض فترة أطول للوصول إلى درجة مناسبة من النضج، بينما تبدأ الزراعات المبكرة في الحصاد اعتبارًا من أكتوبر ويستمر الموسم خلال نوفمبر.
ويضيفون أن رحلة المحصول تبدأ بتقطيع العرش، ثم تقليع الدرنات وتنظيفها وتشوينها، قبل فرزها وتجهيزها وفقًا لاحتياجات الأسواق والمشترين.
ويحتاج الحصاد إلى عمالة لديها خبرة في التقليع والتنظيف والتعامل مع الدرنات، خاصة أن المنتج النهائي يحتاج إلى عناية خلال مراحل التداول حتى يصل إلى المستهلك بالحالة المطلوبة.
ويؤكد أبناء القرية أن موقع المنير يمثل أحد عناصر القوة في النشاط الزراعي، في ظل قربها النسبي من القاهرة، إلى جانب توافر مصادر الري وطرق النقل، وهو ما يسهل نقل المحاصيل إلى الأسواق ويقلل الوقت اللازم لوصولها إلى المستهلك.
كما تمثل الخبرة المتراكمة لدى المزارعين في اختيار الأصناف ومواعيد الزراعة والحصاد والتعامل مع المحاصيل عنصر إنتاج حقيقيًا، تتناقله الأجيال ويزداد رسوخًا مع الممارسة.
أكد المهندس ماهر محمد موسى، والسيد محمود سليم، وأحمد محمد بدر الدحلوب، من مزارعي القرية، أن موسم حصاد القلقاس يمثل فرصة جيدة لتحسين دخل الأسر الزراعية، موضحين أن المحصول يلقى إقبالًا في الأسواق، وأن خبرة المزارعين في اختيار مواعيد الزراعة وطرق الخدمة والحصاد تساعد على تحقيق إنتاج جيد.
وأشاروا إلى أن القلقاس أصبح من المحاصيل التي يحرص عدد من أبناء القرية على زراعتها لما يحققه من عائد مناسب، مؤكدين أهمية توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة ودعم المزارعين فنيًا.
وهنا يلتقي صوت المزارع مع رؤية الخبراء: فالمطلوب ليس فقط أن تنتج قرية المنير أكثر، وإنما أن تكسب أكثر من كل ما تنتجه.
فالقلقاس والفراولة والبطاطس والخضر ليست مجرد محاصيل تغادر الحقول إلى الأسواق، وإنما مواد خام يمكن أن تقوم حولها صناعات وخدمات: تجميع وفرز، تعبئة وتغليف، تبريد وتخزين، نقل وتسويق، تصنيع غذائي، ثم تصدير.
وهذه هي الخطوة التي يمكن أن تنقل المنير من قرية تشتهر بما تزرعه إلى قرية تشتهر بما تنتجه وتعبئه وتصنعه وتسوقه؛ فتتحول الميزة النسبية للأرض وخبرة الفلاح إلى قيمة مضافة، وتبقى نسبة أكبر من عائد هذه القيمة داخل القرية، بما يخلق فرص عمل ويدعم دخل الأسر ويمنح التجربة قابلية للتكرار في قرى أخرى، كل منها وفق ميزتها النسبية ومحصولها المميز.