رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

سيوة.. واحة الملوك والأسرار تفتح أبواب الاستشفاء العالمي

بوابة الجمهورية

الواحة تمتلك مقومات صناعة عالمية
للسياحة البئئية والعلاجية الطبيعية

ليست سيوة مجرد واحة في قلب الصحراء الغربية، إنها حكاية مفتوحة بين التاريخ والطبيعة، وبين الملح والماء والرمال، هنا وقف الإسكندر الأكبر أمام معبد آمون، وهنا ظل سحر المكان يجذب الملوك والشخصيات العامة، حتى زارها الأمير تشارلز وزوجته كاميلا عام 2006، كما ارتبطت بزيارات الملك عباس حلمي الثاني والملك فاروق والرئيسين أنور السادات وحسني مبارك.


لكن قوة سيوة اليوم لا تستمدها من التاريخ وحده، فقد أعلنتها وزارة البيئة محمية طبيعية عام 2002، وتجمع بين البحيرات الملحية والعيون الطبيعية والكبريتية والكثبان الرملية، إلى جانب شالي وجبل الموتى وجبل الدكرور، ومنتجات النخيل والزيتون والملح والحرف المحلية.

وتضم الواحة 4 بحيرات ملحية رئيسية و9 بحيرات أخرى وعشرات البحيرات الصغيرة، يقدر مخزون الملح بها بأكثر من 60 مليون طن، فضلًا عن نحو 200 عين طبيعية وكبريتية ومعدنية، أشهرها عين كليوباترا «عين الشمس» وفطناس والعرايس.

هنا تتشكل ميزة سيوة النادرة: موارد طبيعية، وبيئة محمية، وتراث، وهدوء، وتجربة استشفاء متوارثة. والسؤال هو: كيف تتحول هذه الكنوز إلى منتج سياحي عالمي يضيف إلى اقتصاد الواحة ولا يستنزف طبيعتها؟

سنوسي الواحي:
الردم في الرمال تجربة علاجية شعبية متوارثة من150 عاما
6 آلاف زائر يقصدون الواحة للاستشفاء بالرمال الساخنة سنويًا

"بوابة الجمهورية" قامت بجولة داخل مستشفى الحرية بسيوة والتقت المعالج سنوحي الواحي الذي يحمل واحدة من أقدم حكايات العلاج بالردم في الرمال بواحة سيوة.

يحكي الواحي أن تقليد الاستشفاء بالرمال في أسرته يعود إلى أكثر من 150 عامًا، مستندًا إلى رواية عائلية متوارثة تقول إن بداية الحكاية ارتبطت بسائحة إيطالية كانت تعاني من الروماتويد، وإن سطوحي الواحي كان أول من خاض معها تجربة الردم بالرمال، ومن هذه الرواية، بحسب الأسرة، بدأت حكاية تناقلتها الأجيال حتى وصلت إلى سنوسي.

بدأ سنوسي العمل مع عمه وهو في التاسعة من عمره، وتعلم منه التعامل مع الزائر ومتابعته من لحظة دخوله الرمال حتى خروجه منها، واليوم يقدر عدد المترددين على الردم بنحو 5 إلى 6 آلاف شخص سنويًا، مع نحو 12 منشأة ومركزًا، فيما تمتد مناطق الردم حول جبل الدكرور لنحو 17 كيلومترًا.

ويستغرق البرنامج، بحسب سنوسي، من 3 إلى 7 أيام، تبدأ بالتعرف إلى الحالة الصحية للزائر، خاصة مرضى الضغط والسكر والقلب، وتجرى الجلسات عادة في ساعات الظهيرة، يمكث خلالها الزائر داخل الرمال الساخنة من 10 إلى 20 دقيقة، ثم ينتقل إلى خيمة للتعرق والراحة وتناول السوائل والمشروبات الساخنة.

ويرى سنوسي، من واقع خبرته، أن حرارة الرمال تمنح بعض الزائرين شعورًا بالراحة في حالات مختلفة، ويذكر آلام المفاصل والظهر والروماتيزم وغيرها، لكنه يضع حدًا واضحًا لدور العاملين في الردم قائلًا: «إحنا مش دكاترة».

ويؤكد أن ما يقدمونه خبرة شعبية متوارثة، وليس بديلًا عن الطب، وأن ما يرويه الزائرون من تحسن يظل في إطار التجارب الشخصية التي تحتاج إلى تقييم طبي مستقل.

ويضيف أن تحسن الطرق ساعد على زيادة الإقبال، وأن تنظيم الاستشفاء الطبيعي وإخضاعه للبحث والتدريب والتسويق الاحترافي يمكن أن ينقل التجربة إلى نطاق أوسع، مع الحفاظ على البيئة والهوية السيوية.

الــــــــزوار:
نشعر بتحسن ملحوظ ..ونتطلع لتكرار التجربة العلاجية بالواحة
الطبيعة الهادئة لسيوة تجلب الشعور بالراحة النفسية

يحتفظ خميس محمد علي، 50 عامًا، من البحيرة، بعلاقة خاصة مع سيوة منذ عام 2004، يكرر تجربة الردم لما يقول إنه شعور بالراحة في ساقه، ويجمع بينها وبين بحيرات الملح والعيون الكبريتية.

أما المهندس أشرف الدوموطي، 63 عامًا، من الإسكندرية، فكانت أسرته بوابة تجربته الأولى؛ سمع من زوار سابقين عن الردم، وخاضه للمرة الأولى، قبل أن يدفعه ما شعر به من تحسن إلى التفكير في تكراره.

وبالنسبة إلى البراء أحمد عادل، 13 عامًا، تبدو الحكاية مختلفة؛ فالهدف هو تنشيط الجسم والعضلات، لكن الطبيعة كانت جزءًا من التجربة، حتى بات يفكر في العودة مع أصدقائه.

وبعد تجارب متكررة مع الأطباء والمستشفيات، بحث عبد الباسط شيح، 56 عامًا، عن طريق آخر لآلام القدم والعظام. ويقول إن الردم منحه شعورًا بالتحسن، فيما أضاف إلى رحلته المياه المالحة والعيون الكبريتية ومعالم الواحة.

وفي تجربته مع والده، وجد محمود عبد الباسط، 20 عامًا، من البحيرة، نفسه أمام وسيلة مختلفة للتعامل مع آلام الظهر والفقرات؛ ويقول إن جلستين جعلتاه يشعر بتحسن ملحوظ.

أما عبد الحليم سعد الله، 66 عامًا، فلا يختزل سيوة في الاستشفاء؛ فأكثر من 13 عامًا من الزيارات جعلته متعلقًا بأهلها وأصدقائه وهدوئها وأمانها، ويرى أن هذه العناصر جزء أصيل من قيمة المكان.

وبعد إصابة سببت له آلامًا في القدم، اختار عبد الباري حسن محمد درويش، 71 عامًا، تجربة الردم، ويقول إن شعوره بالراحة جعله يتمنى لو عرف سيوة في وقت مبكر.

ومن زاوية مختلفة تمامًا، قرأت ألان هونجو، 42 عامًا، من اليابان، المقيمة في مصر منذ خمس سنوات، عن الردم عبر الإنترنت، فاختارت تجربته للمرة الأولى، قبل أن تستكمل يومها بجولة في الواحة.

وتبحث ميرنا أشرف، 26 عامًا، مدرسة، عن مساحة للراحة وسط آلام العظام والعضلات والظهر. وتقول إن الرمال منحتها شعورًا بالراحة، بينما أكملت طبيعة سيوة الهادئة الجانب النفسي من التجربة.

أما وفاء فتحي، 57 عامًا، من القاهرة، فكانت زيارتها الثانية لسيوة هي الأولى مع الردم، بعد معاناة مع الروماتويد وآلام الظهر. وهي، بحذر، تنتظر استكمال التجربة قبل أن تحكم على نتائجها.

سيوة من الميزة النسبية إلى القيمة المضافة
هكذا تتعدد الحكايات: ألم يبحث عن راحة، وتجربة تبحث عن جديد، وأسرة تبحث عن تجربة مشتركة، وسائح أجنبي يختبر ما قرأ عنه، وزائر يعود من أجل المكان وأهله. لكن الجميع يلتقون عند حقيقة واحدة: سيوة تقدم أكثر من الرمال؛ تقدم الطبيعة والماء والملح والتراث والهدوء في تجربة واحدة.

تملك سيوة ما لا يمكن استيراده أو تقليده: التاريخ، والبيئة، والموارد الطبيعية، والثقافة المحلية.

ويبقى التحدي في تحويل هذه المزايا إلى صناعة منظمة، عبر مراكز متخصصة، ومعايير سلامة واضحة، ودراسات علمية، وتدريب للعاملين، وتسويق دولي، وربط الاستشفاء بالإقامة والسياحة البيئية والتراثية.

عندها يمكن أن تصبح سيوة علامة مصرية عالمية في السياحة البيئية والاستشفاء الطبيعي، فتطول إقامة الزائر، وترتفع القيمة المضافة، وتتسع استفادة المجتمع المحلي، دون أن تفقد الواحة طبيعتها وهويتها التي صنعت سرها عبر آلاف السنين.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة