هذه حقيقة وليست مَنًّا ولا تبَاهيًّا بشئ غير حقيقى، وربّما قد لا يشعر بها الكثيرون منَّا إلا إذا سافر أو قضى شهر رمضان أو بعضه خارج أرض الكنانة، أو حتى جلس مع غير المصريين يسمع منهم عن مظاهر الشهر الكريم فى بلادهم، ليعرف بل يتأكّد أن "رمضان المصرى" بالفعل هو غير فى كل شئ، فالمسألة ليست مجرّد عبادات أو شعائر تُقام أو تُؤدَّى، إنما "روح".. وهنا يكمن الفرق والتميّز بل التفرُّد المصرى، وهو ما ما نسمّيه "التمصير" أو هضم واستيعاب كل وافِد- أيًّا كان- وصبْغه بالصِبْغة المصرية واستخراج نسخة مختلفة تماما.
وقد أكرمنى الله بحضور أيام رمضانية قلائل خارج مصر، كما أسعدنى تلبيّة العديد من دعوات الإفطار، على موائد دبلوماسية وحزبية وسياسية وشعبية، وأيضا موائد "دينية"- إذا جاز التصنيف- ولمستُ بنفسى هذا التفرُّد المصرى للاحتفال بالشهر الكريم، وقد أفصَح عن هذا السفيرُ الأذربيجانى بالقاهرة د. إلخان بولوخوف- خلال حفل الإفطار الذى أقامته السفارة لعدد من الصحفيين والإعلاميين، مؤخّرا بمتحف الحضارة المصرية- مُعبِّرا عن سعادته بقضائه ثانى رمضان بـ"الطعم والنكهة المصرية"، متمنّيا "استنساخ" رمضان المصرى فى المجتمع الأذربيجانى، بما فيه من "روح" التواصل والمحبّة والترابط الأُسرى والاجتماعى فيما بين الجميع.
وأعتقد أن الكثيرين منَّا يعايشون هذه "الروح" من خلال رؤيتهم أو مشاركتهم فى الكثير من موائد "المحبَّة" التى يقيمها "شركاء الوطن" لإخوتهم الصائمين، وهى منتشرة فى كافّة ربوع المحروسة، بل إن بعضها توارثتها الأجيال ومازالت حريصة على إقامتها.
والمُتابِع للمشهَد المصرى يجد حالة فريدة من التسابق فى إقامة "موائد الأُسْرَة" التى تجمع المصريين وضيوفهم من مختلف الجنسيات، رغم تباين أغراض تواجدهم على أرض الكنانة، ما بين الدراسة والعمل أو الاستضافة لأسباب سياسية أو غيرها. وأذكر فى هذا الشأن، بالفخر والاعتزاز ما تقوم به "رابطة أزهرى من أجل مصر"، بقيادة مؤسِّسها الشاب الوطنى المخلِص عبدالله سليم، وجميع زملائه الأوفياء المحبّين للعمل التطوّعي، وتسخير كل جهودهم طوال الشهر الكريم لإخراج ألف وجبة إفطار يومياً للطلبة الوافدين وأُسَرِّهم بمنطقة الحىّ السابع بمدينة نصر.
فضلا عن المبادرات الفردية والمتنوّعة- كلٌّ حسب إمكاناته وقُدراته- فهناك من يقيم الموائد أو يوزّع ما يجود به عليه المولى عزَّ وجلَّ من خيرات ولو بِضْعِ تَمَرَاتٍ أو زجاجات مياه أو مشروبات رمضانية سريعة على المارَّة فى الشوارع والمُتأخِّرين عن الّلحاق بموعد الإفطار فى منازلهم.
وما زاد الجمال المصرى هذا العام بهاءً وإبداعًا، هذا التزامن الإلهى بين صيام شهر رمضان المعظَّم، والصيام الكبير عند الإخوة المسيحيين، ليجمع "الصيامُ" بين المصريين، ويزيدهم محبًّة وترابطًا على محبّتهم وتماسكهم.
وهكذا يُثبت المصريون دائما وأبدا أنهم بارعون ليس فقط فى انسجامهم وتعايشهم الاجتماعي الفريد، بل حتّى فى تحدّيهم للصعاب ومواجهتهم للأزمات الطارئة عليهم، ففى ظلّ الظروف الراهنة والصعوبات الاقتصادية التى تعصِف بالعالم أجمع، والاعتداءات الإسرائيلية النازيّة على أهلِنا المستضعَفِين فى غزّة وفلسطين، لم يتوان الشعب المصري العظيم عن الوقوف بجانب أشقّائه فى الجانب الشرقّى، أو حتى الذين يستضيفهم على أرضه من مختلف الجنسيات العربية والأجنبية، وكأنّهم أصحاب الأرض.
فاللهم احفظ مصر وأهلها ولـ"تحيا مصر أُمُّ الدنيا" دائماً وأبدا.