لم تكن رحلةُ الإسراء والمعراجِ حدثًا عاديًا.. بل كانت معجزةً إلهيَّة متكاملةً أيَّدَ الله بها نبيَّهُ محمدًا عليه الصَّلاة والسَّلام، ونَصَر بها دعوتَهُ، وأظهَرهُ علي قومِه بدليلي جديدي ومعجزةي عظيمة يعجزُ عنها البَشر.. وعن موضِعُ بدايَة الرحلة هناك قولانِ: أوّلهما أن البداية كانت من المَسجِدِ الحَرامِ.. إذ كانَ رسولُ اللهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَائِمًا فِي الْحِجْرِ. فَكانَت انطلاقةُ الرِّحلةِ من موضِعه، أما القول الآخر فهو أن بداية الرحلة كانت من بَيْتِ أُمِّ هَانِئي بِنْتِ أَبِي طَالِبي.
وتبدأ أحداث رحلة الاسراء - كما وردت في كتب السيرة ويرويها صاحِبُها عليهِ أفضَل الصَّلاةِ والسلام- بِقدومِ ثلاثة من الملائكةِ الكِرامِ، بينَهم جبريلُ وميكائيلُ، فجعلوا جَسدَ رسولِ اللهِ لِظهرهِ مستقبِلًا الأرضَ وهو نائم، ثمَّ شقُّوا بطنَهُ، فغسَلوا ما كانَ بهِ من غليّ بماءِ زمزمَ، ثمَّ ملؤوا قلبَه إيمانًا وحِكمةً، ثمَّ عَرَضَ له لبنًا وخمرًا، فاختارَ الرَّسولُ الكريمُ اللَّبنَ فشَرِبهُ، فبشَّرهُ جبريلُ بالفِطرة، ثمَّ أركبَهُ جبريلُ دابَّةً يُقالُ لها البُراقُ، فانطَلَق بهِ البُراقُ إلي المسجدِ الأقصي يسوقُهُ جبريل، فأنزَلَهُ طيبَةَ، فصلَّي بها، وأخبرهُ ما يكونُ من هجرتِه إليها، ثمَّ أنزلَهُ طورَ سيناءَ.. حيثُ كلَّمَ الله موسي عليهِ السَّلامُ، فصلَّي بهِ، ثمَّ أنزَلهُ بيتَ لحم مولِدَ عيسي عليهِ السَّلامُ، فصلَّي فيها، ثمَّ دنا بهِ إلي بيتِ المقدِسِ فأنزَلهُ بابَ المَسجِدِ، ورَبَطَ البراقَ بالحلقةِ التي كان يربط بها الأنبياءُ، ثمَّ دخلَ المسجد ليَلتقي أنبياءَ الله المبعوثينَ قبلَه، فسلَّموا عليهِ، وصلّي بهم ركعتَين.
.jpg)
وبعدها تبدأ أحداثُ رحلة المعراجِ بصعودِ الصَّخرة المُشرَّفة.. إذ سارَ جبريلُ بالرّسول "صلي الله عليه وسلم" إليها،ثمَّ حملَهُ منها علي جناحِهِ.. ليصعَدَ بهِ إلي السَّماءِ الدُّنيا، ويتجلَّي بها بعدَ أن استفتَح واستأذن، فاطَّلعَ الرَّسولُ علي بعضِ أحداثِ السَّماءِ الأولي، ثمَّ ارتقي بهِ جبريل إلي السَّماء الثَّانيةِ، فاستفتحَ، فأُذِنَ لهُ، فرأي فيها زكريا وعيسي بن مريمَ عليهم سلام الله جميعًا، ثمَّ ارتقي به جبريلُ إلي السَّماءِ الثَّالثةِ، فرأي فيها يوسف عليه السَّلام، ثمَّ ارتقي به جبريلُ إلي السَّماءِ الرَّابعةِ وفيها إدريسُ، ثمَّ إلي الخامسةِ وفيها هارون، ثمَّ ارتقي بهِ إلي السَّادسةِ وفيها موسي، ثمَّ إلي السّابعة وفيها إبراهيمُ عليهم صلواتُ الله عليهم جميعًا وسلامه، ثمَّ انتهي بهِ جبريلُ إلي سدرةِ المُنتهي.
تقدَّمَ جبريلُ بالرّسول "صلي الله عليه وسلم" إلي الحِجابِ وفيهِ مُنتهي الخَلق، فاستَلمَهُ مَلَكى، وتخلَّفَ عنه جبريل، فارتقي بهِ المَلَكُ حتَّي بَلَغَ العرشَ، فأنطقَهُ اللهُ بالتَّحيَّاتِ، فقال عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: (التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ)، وفيهِ فُرِضت الصَّلاةُ خمسينَ صلاةً علي النَّبيِّ وأمَّتِهِ كلَّ يومي وليلة.
ثمَّ صَحِبهُ جبريلُ فأدخلهُ الجنَّةَ، فرأي من نَعيمها ما لا عينى رأت ولا أذنى سمعت، ثمَّ عرضَ عليهِ النَّارَ، فَنَظَرَ في عذابِها وأغلالِها، ثمَّ أخرجَهُ جبريلُ حتَّي أتيا نبيَّ اللهِ موسي، فأرجَعهُ إلي ربِّهِ يسألهُ التَّخفيفَ علي قومه في الصلاة، فخفَّفَ عنهُ عشرًا، ثمَّ أرجَعهُ موسي فسألهُ التَّخفيفَ، فخفَّفَ اللهُ عنهُ عشرًا، ثمَّ لم يَزلْ بينَ ربِّهِ وموسي حتَّي جَعلَها الله خمسَ صلواتي في اليومِ واللَّيلَةِ، ثمَّ أرجَعَهُ موسي إلي ربِّهِ يسألهُ التَّخفيف، فأعرَض الرَّسولُ عليه الصَّلاة والسَّلامُ عن ذلكَ.. استحياءً من الله تعالي وإجلالًا، فناداهُ ربُّه: "إنِّي قد فرضْتُ عليكَ وعلي أمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَالْخَمْسُ بِخَمْسِينَ، وَقَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي".
وبعدها عادَ بهِ جبريلُ إلي مضجَعِهِ، وكلُّ ذلِكَ حدث في ليلة واحدة.
.jpg)
ماذا رأي النبي في رحلة المعراج ؟
من أجمل ما رأي النّبي "صلي الله عليه وسلم" خلال رحلته المباركة نهر الكوثر، وهو النّهر الذي اختصّه الله لنبيّه "صلي الله عليه وسلم" وذلك تكريمًا له، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أنّ النّبي "صلي الله عليه وسلم" قال: "بينما أنا أسير في الجنّة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدرّ المجوّف، قلت ما هذا يا جبريل، قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربّك، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر" رواه البخاري.
وقد رأي النّبي - "صلي الله عليه وسلم" - الجنّة وما فيها من النّعيم، وفي المقابل رأي أيضًا بعض أحوال النّاس الذين يعذّبون في نار جهنّم، ومنهم من يقعون في الغيبة. والذين يخوضون في أعراض المسلمين، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله "صلي الله عليه وسلم: "لما عُرِجَ بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم النّاس ويقعون في أعراضهم" رواه أبوداود.
اترك تعليق