تحديات غير مسبوقة فرضتها التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية المتسارعة فى الآونة الأخيرة والتى ألقت بظلالها على الأسرة وهددت استقرارها،ومع ظهور العزلة الرقمية وتراجع الحوار المباشر بين الآباء والأبناء، بات الكيان الأسري أمام اختبار حقيقي للحفاظ على هويته وثوابته.
ولأن الفتوى الرشيدة هي طوق النجاة الذي يوازن بين معاصرة التقنية وأصالة القيم، وضعت دار الإفتاء المصرية"الأسرة"فى أولوياتها حيث يُعقد المؤتمر الدولي الحادي عشر للإفتاء هذا العام على مدار يومي ٢ و ٣ سبتمبر الجاري، ليطرح مقاربة إفتائية وعلمية رصينة تتناول "التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى"وكيف للفتوى أن تحمي الأسرة وتصون هويتها.
فى حوار خاص لـ"بوابة الجمهورية"،يكشف الدكتور نظير عيّاد_مفتي الجمهورية_معالم المقاربة الإفتائية والعلمية التي تبنتها دار الإفتاء المصرية لحماية الأسرة وعن رؤية دار الإفتاء لتفكيك أزمة العزلة الرقمية وصيانة الهوية وحفظ الثوابت..إلى نص الحوار:
*بدايةً.. كيف ترى فضيلتكم تأثير التحولات الرقمية والتكنولوجية على ترابط الأسرة؟
-التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة أصبحت واقعًا يفرض نفسه على مختلف تفاصيل الحياة اليومية، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد أدوات تقنية، بل هي مؤثرات عميقة تتغلغل في المنظومة القيمية والسلوكية للأسرة.
وتظهر الآثار السلبية لهذه التحولات في صور متعددة، أبرزها ظاهرة "العزلة الرقمية" أو التفكك الأسرى المستتر، حيث يعيش أفراد الأسرة تحت سقف واحد لكنهم ينفصلون عن بعضهم البعض داخل عوالم افتراضية خاصة، هذا الانفصال أضعف الحوار المباشر بين الوالدين والأبناء، وأوجد فجوة جيلية وفكرية تسببت في تراجع مظاهر الدفء والتضامن الأسري، فضلاً عن ظهور مشكلات الإدمان الرقمي التي أصبحت تهدد المنظومة الأخلاقية والنفسية للنشء.
ومن هنا جاء تركيز دار الإفتاء المصرية في موضوع المؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم على محور التحولات الرقمية، للتشخيص الدقيق للآثار النفسية والسلوكية الناجمة عن عولمة القيم والمنصات الرقمية، والهدف هو الخروج بمقاربة إفتائية وعلمية توازن بين الاستفادة من الثورة التقنية، وبين حماية الكيان الأسري وصيانة هويته من الذوبان والانسلاخ عن قيمه وأصوله الأصيلة.
*ما الآليات التنفيذية التي سيتضمنها مؤتمر الإفتاء لتحويل توصياته إلى مبادرات واقعية؟
-دار الإفتاء المصرية تحرص دومًا على ألا تظل مؤتمراتها مجرد ملتقيات بحثية أو خطابات نظرية تنتهي بانتهاء فعالياتها، بل تُصمم الفعاليات لتكون نقطة انطلاق لمبادرات عمل وشراكات استراتيجية ملموسة من خلال علمية تشرف على تنفيذها.
وتتضمن الآليات التنفيذية ترجمة مخرجات المؤتمر وأبحاثه المقترحة إلى مشروعات وبرامج تدريبية وتوعوية يتكامل فيها الدَّور الإفتائي مع الأدوار المجتمعية والتنفيذية.
كما تتجسد هذه الآليات في إطلاق الدار والمؤسسات المشاركة لمجموعة من المبادرات النوعية والبرامج التأهيلية الشاملة للشباب المقبلين على الزواج والمجتمع بوجه عام، إضافة إلى إعداد أدلة استرشادية ووحدات دعم متخصصة تتعامل مع المشكلات الأسرية والنفسية المعاصرة، كما تشمل الآليات تفعيل المنصات والتطبيقات الرقمية التابعة للدار لتقديم الدعم الإرشادي والإفتائي المباشر للأسرة بشكل يعتمد على التقنية الحديثة لخدمة القضايا الاجتماعية.
ولضمان المتابعة والاستدامة، تشهد مؤتمرات الدار إعلان ميثاق إفتائي أو وثيقة عمل استرشادية للمؤسسات الإفتائية في العالم ترسم معالم التناول الإفتائي لقضية المؤتمر، إلى جانب التنسيق مع الجهات الوطنية والدولية المعنية لاستثمار نتائج الأبحاث العلمية في صياغة سياسات عامة وتشريعات داعمة لبناء الإنسان وحماية الكيان الأسري واستشراف مستقبله.
*في رأيكم ما السبيل لتحقيق الاستقرار الأُسري في وقتنا الحالي؟
-يتطلب تحقيق الاستقرار الأسري في ظل التحولات المعاصرة نهجًا متكاملاً يجمع بين التأصيل المقاصدي الشرعي والآليات التربوية والنفسية والاجتماعية الحديثة، والسبيل الأهم يبدأ من التوعية والتأهيل المتكامل، بحيث لا يُقبل الشباب على تكوين الأسرة إلا وهم على دراية كاملة بالحقوق والواجبات والمقاصد الشرعية للزواج، وهو ما تسعى الدار لترسيخه عبر دورات الإرشاد الزواجي والبرامج التأهيلية المتخصصة.
كما يعتمد الاستقرار على إحياء قيم الحوار والمودة والرحمة داخل البيت، وبناء "مرجعية أخلاقية ورشيدة" داخل الأسرة تتعامل بوعي مع المتغيرات الاقتصادية والنفسية والتقنية.
إضافة إلى ذلك، يؤدي "مركز الإرشاد الزواجي" والإفتاء المؤسسي الرشيد دورًا محوريًّا في حماية الاستقرار الأسري، من خلال تقديم الفتوى القائمة على مراعاة الواقع والوصول إلى الحلول الوسطية التي تحفظ على الأسرة كيانها، فاللجوء إلى أهل الذكر والمتخصصين عند ظهور المشكلات، وتجنب الفتاوى العشوائية، يضمن المعالجة الحكيمة للأزمات واستشراف مستقبل أفضل للأسرة.
*كيف يوازن المفتي اليوم بين أصل الفتوى وتغير الزمان خاصة فتاوى الخلاف الأسري؟
-المفتي لا ينظر إلى الخلاف الأسري باعتباره مسألة مجردة عن سياقها الاجتماعي والإنساني، وإنما يتعامل معه من خلال منظومة متكاملة تجمع بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع، فالأصول والقواعد والأحكام القطعية لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وإنما الذي يتغير هو كيفية تنزيل الحكم على الواقعة، بحسب ظروفها وملابساتها وأعراف الناس ومآلاتها.
ومن هنا تأتي أهمية فقه الواقع وفقه المآلات؛ فقد تكون المسألة في أصلها واحدة، لكن تختلف الفتوى باختلاف الأشخاص والظروف والأعراف والنتائج المتوقعة، وهذا بالطبع ليس خروجًا عن الشريعة، بل هو من صميم الفقه الصحيح؛ لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد ورفع الحرج عنهم، مع الالتزام بضوابط الاجتهاد وأصوله.
وفي الخلافات الأسرية تحديدًا، لا ينبغي أن تتحول الفتوى إلى أداة لتغليب طرف على آخر أو لتصعيد النزاع، وإنما ينبغي أن تكون جزءًا من منظومة الإصلاح وحماية الأسرة، وأن تسعى إلى بيان الحقوق والواجبات، وتقريب وجهات النظر، وفتح أبواب الصلح متى كان ذلك ممكنًا، مع حفظ حق كل طرف وعدم إهدار أي حق شرعي.
*عام طرح التحديات الأسرية.. ففي رأيكم هل تقتصر تلك التحديات على المجتمع المصري؟
-بالتأكيد لا، فالتحديات الأسرية لم تعد شأنًا محليًّا يخص مجتمعًا بعينه، وإنما أصبحت قضية إنسانية عالمية، وإن اختلفت صورها ودرجة حضورها من مجتمع إلى آخر، فالتغيرات الاجتماعية والثقافية، والتحولات الاقتصادية، والتطور التكنولوجي والرقمي، وتبدل أنماط التواصل والتربية، كلها عوامل ألقت بظلالها على الأسرة في مختلف المجتمعات.
ومن هنا جاء اهتمام مؤتمر الإفتاء الدولي هذا العام بقضايا الأسرة؛ انطلاقًا من إدراك أن استقرارها يمثل أساسًا لاستقرار المجتمعات، وأن مواجهة تحدياتها تتطلب تضافر الجهود وتبادل الخبرات بين المؤسسات الدينية والفكرية والاجتماعية في مختلف دول العالم. ونحن لا نسعى إلى تقديم نموذج واحد لجميع المجتمعات، وإنما إلى استلهام القيم والمبادئ المشتركة التي تعزز المودة والرحمة والمسؤولية وتحفظ كيان الأسرة، مع مراعاة خصوصية كل مجتمع وثقافته وظروفه.
*كيف تتصدى دار الإفتاء للفتاوى الشاذة غير المنضبطة؟
-تتصدى دار الإفتاء للفتاوى الشاذة وغير المنضبطة من خلال ترسيخ المنهج الوسطي المنضبط في الإفتاء، والرد على ما يخالف أصول الشريعة ومقاصدها بالعِلم والحجَّة، بعيدًا عن التشدد أو الإثارة.
ويأتي المؤشر العالمي للفتوى بوصفه إحدى الأدوات البحثية المهمة في هذا المجال، من خلال رصد الفتاوى والآراء المتداولة، وتحليل اتجاهاتها، والكشف عن أنماط الفتاوى المتطرفة أو الشاذة، بما يساعد على فهم الظاهرة والتعامل معها بصورة علمية واستباقية.
كما تعمل الدار على نشر الفتوى الصحيحة عبر مختلف المنصات، وتوضيح الفارق بين الاجتهاد الفقهي المعتبر والآراء غير المنضبطة. فمواجهة الفتاوى الشاذة لا تكون بمجرد نفيها، وإنما ببناء وعي إفتائي رشيد، وتعزيز ثقة الناس بالمؤسسات العلمية الموثوقة، وتحصينهم من الآراء التي تفتقد التأصيل أو تراعي مصالح الناس ومآلات الفتوى.
*في النهاية..ما الرسالة الأبرز التي توجهها فضيلتكم لكل أسرة تخشى على أبنائها من التحولات الثقافية والقيمية؟
-رسالتي لكل أسرة:لا تواجهوا التحولات الثقافية بإغلاق الأبواب، وإنما ببناء وعي يحصِّن أبناءكم؛ فالحماية الحقيقية لا تكون بالعزل، وإنما بالحوار والقدوة الحسنة وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، وتعليم الأبناء كيف يميزون بين ما يتوافق مع ثوابتنا وما يتعارض معها، ونحن نقول دائمًا إن الأسرة الواعية هي التي تمنح أبناءها الثقة والقدرة على الاختيار الرشيد، مع الحفاظ على هويتهم وقيمهم.
اترك تعليق