مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لغة القرآن

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ

من الإعجاز البياني والتشريعي والتربوي في قوله تعالى: "لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ..." [جزء من الآية 11 من سورة النساء] تُعد هذه الجملة القرآنية من أوجز وأحكم ما ورد في التشريع القرآني؛ إذ اشتملت في كلمات معدودة على قاعدة كلية تُبنى عليها صور متعددة لا حصر لها من مسائل المواريث، مع إحكام في الصياغة، ودقة في البيان، واتساق تشريعي يربط الجزئيات بالأصل العام دون اضطراب. فمن جهة الدلالة التشريعية، لم يأتِ النص بتفصيل كل صورة من صور اجتماع الأبناء والبنات، وإنما قرر أصلًا عامًا منضبطًا يُرجع إليه في جميع التركيبات الممكنة، بما يغني عن التعداد والتفريع، ويجعل الحكم صالحًا للتطبيق في كل حالة دون حاجة إلى استثناء أو إعادة صياغة.


ومن جهة الدقة البيانية، جاء التعبير بصيغة النسبة لا بصيغة المقابلة المباشرة، فلم يقل: “للأنثى نصف نصيب الذكر” أو “للذكر ضعف نصيب الأنثى”، مع أن المعنى الحسابي واحد، وفي هذا الأسلوب تحويلٌ لمجال الإدراك من المفاضلة بين الأشخاص إلى ضبط نظام القسمة ذاته، فينتقل الذهن إلى الأنصبة بوصفها علاقات منضبطة مجردة لا بوصفها مفاضلة بين أفراد. ومن دقائق التأمل أن هذا البناء قد يرفع توهّمَ التوجه إلى الانتقاص أو المفاضلة، إذ ينقل الخطاب من المقارنة القيمية بين الذكر والأنثى إلى علاقة رياضية محضة في توزيع الحقوق، فيغيب معنى التقييم الشخصي ويحضر معنى التشريع المنضبط.

كما أن اختيار لفظ «حظ» دون غيره من الألفاظ كـ«نصيب» أو «سهم» يحمل دلالة لطيفة، إذ يشير إلى أن ما يصل إلى الوارث إنما هو مقدار مقدر مقسوم بعلم الله وتقديره، لا مجرد توزيع مادي محض، فيتآزر هذا المعنى مع ختام الآية ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ في ترسيخ كون الميراث حكمًا إلهيًا محكمًا.

ويُلاحظ كذلك في التعبير أنه جعل نصيب الأنثيين معيارًا في البيان، فصار القياس يُبنى عليه في فهم نصيب الذكر، وفي هذا الأسلوب دلالة بلاغية على تثبيت أصل حق المرأة في الميراث وإبرازه ضمن البنية التشريعية نفسها، في سياق اجتماعي كانت المرأة تُحرم فيه من الميراث أو يُنتقص من حقها في بعض البيئات. فجاء الخطاب القرآني ليؤسس أصل الاستحقاق لها ابتداءً، ويجعله جزءًا من نظام تشريعي منضبط لا منحة عرفية ولا تفضّلًا اجتماعيًا، بل حقًا مفروضًا داخل منظومة القسمة ذاتها.

وفي الجملة، فإن هذه الصياغة القرآنية تجمع بين الإيجاز الشديد، والإحكام التشريعي، والدقة النسبية، والبعد التربوي الإيماني.

 





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق