منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا ظل تعليم القرآن الكريم قائمًا على تقليد علمي فريد يجمع بين الرواية المتصلة بالمشافهة والدراية العلمية التي تضبط الأداء وتفسر قواعده. وفي إطار السعي إلى تطوير هذا التعليم دون التفريط في أصوله التراثية، برز كتاب «تحفة الأجاويد في فن التجويد» لمؤلفه الباحث في علوم القرآن والأسانيد حسن أبو شادي بوصفه تجربة تعليمية تجمع بين التراث العلمي لعلماء القراءات ووسائل التعليم المعاصرة.
ومع مرور السنوات لم يعد الكتاب مجرد مؤلف في علم التجويد، بل تحوّل إلى منهج تدريبي متكامل أصبح أساس برنامج علمي لتأهيل معلمي القرآن الكريم، أسهم في تخريج آلاف الدارسين في عدد من الدول العربية والإسلامية.
رحلة كتاب
صدرت الطبعة الأولى من «تحفة الأجاويد» عام 2013، ثم تلتها الطبعة الثانية عام 2015 بعد مراجعات علمية وتطوير في المادة التعليمية، قبل أن تصدر الطبعتان الثالثة والرابعة في 2022 و2023 عن دار حسن أبو شادي للأبحاث والنشر، بعد إعادة بناء الكتاب وتوسيع مادته العلمية وربطه بوسائط تعليمية حديثة.
وخلال هذه الرحلة العلمية شارك في تقديم الكتاب ومراجعته عدد من كبار المتخصصين في علوم القرآن والقراءات، من بينهم:
الأستاذ الدكتور أحمد عيسى المعصراوي شيخ عموم المقارئ المصرية ورئيس لجنة مصحف الأمة.
الدكتور محمد فؤاد عبد المجيد عضو لجنة مصحف الأمة ومدير عام مراكز الدكتور المعصراوي.
الدكتور علي محمد توفيق النحاس.
الشيخ المسند محمد أحمد المنشد.
الشيخ المحدث محمد زكي الدين أبو القاسم الحجازي.
وقد أشاد مقدمو الكتاب بمحاولته الجمع بين التراث العلمي لعلم التجويد وبين المنهج التعليمي الحديث الذي ييسر دراسة هذا العلم لطلاب القرآن الكريم.
علم التجويد بين التراث والعلوم الحديثة
يقوم منهج «تحفة الأجاويد» على فكرة علمية رئيسية، هي الجمع بين الوصف السمعي التقليدي لأداء الحروف كما نقلته مدارس القراء عبر القرون، وبين التحليل الصوتي العلمي الذي يفسر هذه الظواهر وفق مبادئ علم الأصوات الحديث.
ويعرض الكتاب علم التجويد بوصفه علمًا يبحث في إعطاء الحروف حقوقها ومستحقاتها عند التلاوة، مع شرح تفصيلي لمخارج الحروف وصفاتها وأحكامها الصوتية، مدعومًا برسوم توضيحية وتدريبات عملية تساعد الدارسين على إدراك الفروق الدقيقة في الأداء.
ويحرص المؤلف في عرضه على تبسيط المصطلحات العلمية مع الحفاظ على الدقة المنهجية التي تميز كتب هذا الفن، بما يجعل الكتاب مناسبًا للدارسين المبتدئين والمعلمين في الوقت نفسه.
موسوعة مصغرة في علوم المصحف
لا يقتصر الكتاب على شرح قواعد التجويد، بل يقدم مادة علمية واسعة تمتد إلى عدد من العلوم المرتبطة بالنص القرآني، من أبرزها:
علم الوقف والابتداء ومذاهب القراء في الوقف.
علم رسم المصحف الشريف وقواعد الرسم العثماني.
تاريخ ضبط المصحف ونشأة النقط والتشكيل.
تطور الخط العربي وانعكاسه على كتابة المصحف الشريف.
ويعرض الكتاب كذلك تاريخ كتابة المصحف عبر العصور، مدعومًا بصور لمخطوطات قرآنية محفوظة في عدد من المكتبات والمتاحف العالمية، مثل المكتبة البريطانية في لندن، ومكتبة تشستر بيتي في أيرلندا، ودار الكتب الوطنية في تونس، وقصر جولستان بطهران، ومتحف طوب قابي في إسطنبول.
كما يتناول تاريخ طباعة المصحف الشريف في العالم الإسلامي، مع عرض لعدد من المصاحف المطبوعة التي شكلت محطات مهمة في تاريخ نشر المصحف، مثل مصحف البندقية، ومصحف هامبورج، ومصحف قازان، ومصحف فلوجل، ومصحف مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
كتاب يتفاعل مع القارئ
ومن أبرز ما يميز الطبعات الحديثة من «تحفة الأجاويد» ربط المادة المطبوعة بوسائط تعليمية رقمية، حيث تحتوي صفحات الكتاب على رموز استجابة سريعة (QR Code) تتيح للقارئ الوصول إلى تسجيلات صوتية ومرئية لنماذج الأداء القرآني.
وبذلك يتحول الكتاب من مجرد مادة مطبوعة إلى منظومة تعليمية تفاعلية تجمع بين النص المكتوب والتدريب السمعي والمرئي.
من كتاب إلى مدرسة تعليمية
مع اتساع استخدام الكتاب في برامج تعليم التجويد، أصبح «تحفة الأجاويد» المنهج العلمي لبرنامج «تحفة الأجاويد لتأهيل وبناء واعتماد معلمي ومعلمات القرآن الكريم» الذي تقدمه أكاديمية جدير للدراسات العلمية.
ويمتد البرنامج لمدة عام دراسي كامل ويضم مجموعة من المقررات العلمية والتطبيقية في علوم الأداء القرآني، إلى جانب ورش تدريبية تهدف إلى تأهيل الدارسين للتدريس والإقراء.
ويعتمد البرنامج على الجمع بين:
الدراسة النظرية لقواعد التجويد
التدريب العملي على الأداء القرآني
تقييم التلاوة وتصحيح الأخطاء
تنمية مهارات التعليم والإلقاء
أربعة آلاف معلم قرآن
وبحسب بيانات الأكاديمية، فقد تخرج في هذا البرنامج حتى الآن أكثر من 4000 معلم ومعلمة للقرآن الكريم من نحو 15 دولة حول العالم، من بينها السعودية والإمارات والمغرب والجزائر وتونس وليبيا والهند وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وكندا والولايات المتحدة وروسيا.
ويرى متخصصون في تعليم القرآن أن تجربة «تحفة الأجاويد» تمثل نموذجًا معاصرًا لمحاولة تطوير تعليم علوم التلاوة مع الحفاظ على أصوله التراثية، من خلال الجمع بين التلقي بالمشافهة والدراسة الأكاديمية والتدريب العملي.
جماليات الكتاب
إلى جانب مادته العلمية، يتميز «تحفة الأجاويد» بعناية واضحة بجماليات الإخراج الفني، حيث يتضمن زخارف إسلامية مستوحاة من فنون المخطوطات القرآنية، ورسومًا تعليمية توضيحية وصورًا تاريخية لمخطوطات المصحف الشريف.
وقد شارك في إخراج الكتاب الفني فريق من المصممين والخطاطين المتخصصين في فنون الكتاب العربي، ليجمع العمل بين الدقة العلمية وجماليات التراث الإسلامي في صناعة الكتاب.
وفي ظل هذا الجمع بين العلم والتدريب والجمال الفني، يواصل كتاب «تحفة الأجاويد» حضوره في مجال تعليم علوم التلاوة، بوصفه تجربة تحاول أن تصل بين تراث القراء عبر القرون وبين وسائل التعليم المعاصر، في مسعى لتأهيل أجيال جديدة من معلمي القرآن الكريم.
اترك تعليق