عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون والأنصار إلى المدينة، وأخذ ينظم شئون دولة الإسلام بعد اتساعها وأخذ في سياسة أمور الناس، وحراسة دينهم في الجزيرة العربية كلها.. ووجد صلى الله عليه وسلم أن مسائل الحياة قد تعددت، واتجاهات الناس قد تنوعت، والحركة بالدعوة تحتاج إلى أعمال كثيرة في نواح مختلفة، وفي أوقات متزامنة.
وجد صلى الله عليه وسلم أن أغلب القبائل قد أسلمت، وقلة أبت وكفرت، وأخرى يدور أمرها بين القبول والرفض.. وأدى هذا الوضع إلى أن يرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمالا لمن أسلم من القبائل، وأن يبعث دعاة للمترددين، وأن يواجه المتمردين بالقوة حتى لا يكونوا بؤرة فساد بين الناس تنشر الضلال والإفك.. وحتى يعرف الناس شمول دعوة الإسلام للعالم كله عمليًا بعدما عرفهم ذلك نظريًا أخذ في توجيه الدعاة والمجاهدين إلى خارج الجزيرة العربية حيث الروم ومعهم الغساسنة والفرس ومعهم المناذرة.
لكن لم يقبل الرومان انتصار المسلمين، وتوحد الجزيرة تحت راية الإسلام وكبر عليهم أن تظهر قوة كبرى مجاورة لهم، فجهزوا جموعا كثيرة بالشام عند حلفائهم الغساسنة، وأرادوا غزو المسلمين في ديارهم، والقضاء على دولتهم الناشئة.. فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يعمل له الرومان فجهز المسلمين وأعد العدة وكانت غزوة تبوك.
وتبوك موضع بين الحجر وأول الشام، وإليها كانت غزوة النبي صلى الله عليه وسلم.. وقد وقعت هذه الغزوة في حر شديد، ومع قلة أموال المسلمين ولذلك سميت "غزوة العسرة".. ونظرًا لبعد مسافة تبوك عن المدينة، وللظروف التي أحاطت بها صرح الرسول صلى الله عليه وسلم بجهة الغزوة على غير عادته ليستعد الصحابة لها، وليكونوا على بينة من المشاق التي سيتحملونها في خروجهم.
ندب الرسول صلى الله عليه وسلم أهل المدينة للخروج إلى تبوك، وأرسل إلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوهم وحض على الجهاد ورغب فيه، وأمر بالصدقة فحملت صدقات كثيرة، وتجمع المسلمون بثنية الوداع حتى بلغ عددهم قريبًا من أربعين ألفًا فيهم كثير من الأعراب، وعبد الله بن أبي وأشياعه من المنافقين.
وكان لابد من حمولة للمجاهدين لطول السفر، وصعوبة الطريق، وظهر واضحًا أن الذي لا يجد ما يحمله لن يغزو، وله عذره، وهنا جاء عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يشكون له عدم وجود ما يركبون، وأخذوا في البكاء حزنًا على فوت الجهاد منهم.
وأخذ الجيش الإسلامي يتحرك من ذات الثنية باتجاه الشام.. وهنا برز أصحاب النفاق وانسحبوا من ذي الثنية ورجعوا إلى المدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي وأشياعه.. ونافق آخرون وهم الأعراب الذين أخذوا يتخلفون عن الجيش معتذرين بأسباب واهية كاذبة.. وسار الجيش إلى تبوك، بعدما تخلص من المنافقين وضعاف الإيمان، وقد بلغ عدده ثلاثين ألفًا.
لما وصل الجيش إلى تبوك عسكر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعسكر قبالتهم جيش الروم، فشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في التقدم بعد أن بين لهم أن الأمر بيدهم وعليهم أن يختاروا لأنفسهم، وبخاصة أن الله لم يأمر بشيء، فرأوا الرجوع إلى المدينة، والاكتفاء بما حقق الله لهم في هذه الغزوة, إن غزوة "تبوك" خلت من القتال ولكنها تركت آثارًا عديدة على المسلمين وعلى غيرهم أما أثرها مع المسلمين فقد محص الله صفهم، وأحاطهم بآيات من عنده كإكثار الطعام وهم في أمس الحاجة إليه، ونزول المطر بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم.. وقد وجه النبي من عسكره في تبوك سرايا إلى القبائل العربية الموجودة في المنطقة وكانت تابعة للرومان فلما رأى العرب قوة المسلمين قبلت العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاروا من أهل الذمة.
اترك تعليق