تعد جريمة التحرش الجنسي من أخطر الاعتداءات على كرامة الإنسان وخصوصيته، لما تنطوي عليه من انتهاك صريح للأعراض والحرمات. وقد شاع تبرير هذه الجريمة بإلقاء اللوم على الضحية وملابسها، الأمر الذي يستوجب بيان الحكم الشرعي الصحيح ورفض هذه الدعاوى الباطلة.
وتعرف دار الإفتاء المصرية "التحرُّش" بأنه الأفعال أو الأقوال أو الإشارات ذات الطابع الجنسي التي يُنْتَهك بها خصوصية الغير. وهذا هو التوصيف القانوني لهذا الفعل، كما نَصَّ على ذلك قانون العقوبات المصري في المادة (306 مكرر "أ").
وتقول الإفتاء إن الشرع الشريف حَذَّر من انتهاك الحرمات والأعراض، وقبَّح ذلك ونفَّر منه، وشدَّد الوطأة والعذاب على مرتكبيه، ونوَّه إلى عِظَم شأن الحرمات وكبير وزنها عند الله تعالى؛ من أجل تعلقها بحقوق العباد؛ فأخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَي يَوْمٍ هَذَا؟"، قالوا: يوم حرام، قال: "فَأَي بَلَدٍ هَذَا؟"، قالوا: بلد حرام، قال: "فَأَي شَهْرٍ هَذَا؟"، قالوا: شهر حرام، قال: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا"، فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ..".
والمُتَحَرِّش الذي أَطْلَق سهام شهوته جامعٌ بين منكرين؛ الأول: استراق النظر، والثاني: خَرْق خصوصية الغير، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ"، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا"، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْىٌ عَنِ الْمُنْكَرِ" متفق عليه.
وقد أعلن الإسلامُ الحربَ على مَنْ يقترف مثل هذه الجريمة، وتَوعَّد فاعليها بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة؛ وأوجب على أولي الأمر أن يتصدّوا لمظاهرها الـمُشينة بكل حزمٍ وحَسْمٍ، ولذا فقد نَصَّ قانون العقوبات على تجريم هذه الفِعْلة ووضع العقاب الرادع لكل مَنْ تُسَوِّل له نفسُه التلطخَ بهذا العار.
اترك تعليق