تظل معجزة الإسراء والمعراج برهاناً على طلاقة القدرة الإلهية التي لا تقيدها نواميس الكون أو قوانين الفيزياء. فرغم ضخامة المسافات بين الأرض والسماء، إلا أن الرحلة لم تكن مستحيلة عقلاً، بل كانت خرقاً للعادة بتقدير الخالق، لتكون امتحاناً لليقين، وتسلية لقلب المصطفى ﷺ، وتأكيداً على مكانته التي تجاوزت حدود الزمان والمكان.
من الشبهات التي يثيرها البعض هي أن امتداد المسافة من الأرض إلى نهاية السماوات مقدار عظيم يخرج تصوره عن العقل، فما هو مقدار السرعة التي بها يتمكن الإنسان من قطع هذه المسافات، والنور الذي هو أسرع الأشياء يقطع هذه المسافة في أكثر من هذه المدة.
أوضحت دار الإفتاء أن الأمر إذا كان برمته خارقًا للعادة وهو من صنع القوي القادر جل جلاله فلا مجال لقياس عقلي أو أمر تجريبي، وإنما التسليم والإيمان.
وأشارت إلى أنه يمكن تقريب الصورة في إمكانية الوقوع لمن جمد عقله على الماديات بما قاله الإمام المراغي في "تفسيره" (15/ 6، ط. مصطفى الحلبي): [إن الحركة بهذه السرعة ممكنة فى نفسها، فقد جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه السلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة، فقد قال تعالى في صفة سير سليمان عليه السلام: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: 12]، وجاء فيه أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر؛ كما قال تعالى: ﴿ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 40]، وإذا جاز هذا لدى طائفة من الناس جاز لدى جميعهم] اهـ.
فالذي أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى ما فوق الطبقات السبع، هو الذي سخر الريح لسليمان عليه السلام ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: 36]، وهو الذي أعطى من عنده علم من الكتاب القدرة على نقل عرش بلقيس من الشام إلى اليمن قبل ارتداد الطرف، وهو الذي أنزل جبريل عليه السلام بالوحي من السماء إلى الأرض في لمح البصر.
وعليه: فالإسراء والمعراج من المعجزات الكبرى الخارقة للعادة التي وقعت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي قد ثبتت قطعًا، وليست من المستحيلات العقلية، وقد امتحن الله بها إيمان عباده؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، وكانت تسلية لنبيه، ورفعة لقدره ومكانته، والمختار أنها قد وقعت في السابع والعشرين من شهر رجب، وقد وقع الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا، وكان كل ذلك بروحه وجسده جميعًا على الصحيح.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
اترك تعليق