رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ختام فعاليات الملتقى العالمي الـ 16 للتصوف

بوابة الجمهورية

أُسدل الستار على فعاليات الملتقى العالمي للتصوف في نسخته السادسة عشر، المنظَّم بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من طرف الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى بشراكة مع المركز الأورومتوسطي لدراسة الإسلام اليوم “CEMEIA”، في الفترة ما بين 11 - 15 ربيع الأول 1443هـ الموافق لـ 18 - 22 اكتوبر 2021م، من خلال تنظيم جلسته الختامية التي عرفت حضور شيخ الطريقة القادرية البودشيشية مولاي د. جمال الدين القادري، وعدد من المسؤولين والعلماء والأكاديميين والضيوف من داخل المغرب وخارجه.


انطلق برنامج حفل الاختتام بتلاوة عطرة لآيات بيّنات من الذكر الحكيم، بصوت المقرئ سعيد مسلم- أستاذ علم التجويد والمقامات الصوتية- والمشرف بمعيَّة المقرِئَين يوسف كريم الله وعز الدين بدري، على المسابقة الوطنية في القرآن الكريم المنظَّمة على هامش الملتقى العالمي للتصوف، والذي قام بتوزيع الجوائز على المتوَّجين في هذه المسابقة صنف الفتيان والفتيات.

لتتلوها كلمة د. ميشال طاو شان- مفكر، رئيس ومؤسس "مجموعة التفكير حول القضايا الأممية"- باسم العلماء والباحثين المشاركين من خارج المغرب، الذي نوَّه بالجهود المبذولة من طرف كل المتدخّلين والمساهمين في إنجاح فعاليات هذا الملتقى العالمي، متوجّها بالشكر لشيخ الطريقة القادرية البودشيشية على حضوره ودعمه لهذا الملتقى، ومثمّنا مختلف الأعمال والفقرات التي تعكس مستوى التقدّم الذي عرفه تنظيم هذه الدورة.

وأكد أن القيم الروحية التي تدعو لها الطريقة القادرية البودشيشية ثابتة لا تتغير بفعل الزمان أو المكان، أو بتبدل الأحوال والظروف، وأن القيم الروحية تعمل على توجيه سلوك الإنسان في كافة مجالات الحياة، حيث يشمل ذلك علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته بربّه، وعلاقته بأسرته ومجتمعه وبالبيئة المحيطة به.

ثم تناول الكلمة د. خالد علوي- من الأردن، باسم العلماء والباحثين العرب- فأشاد بجهود الملتقى العالمي للتصوف في توحيد الخطاب الأخلاقي والتعريف بأثره البالغ في تمتين الروابط الروحية بين جميع المكونات الثقافية والاجتماعية، تحت لواء المحبة، التي تشكّل غاية التربية الروحية والسلوك الصوفي، موضحا أن علاج مشاكل العالم المؤلمة يكمن في رجوع الأمة إلى أصلها الديني الداعي إلى المحبّة والتسامح والسلام.

من جانبه، هنَّأ د. خالد ميار الإدريسي- مختص في العلاقات الدولية- اللجنة المنظمة نيابة عن العلماء والأكاديميين المغاربة على نجاح هذه التظاهرة، مشيرا الى أن الملتقى كان بحق نموذجا للملتقيات الوطنية والدولية، موضحا ان التحولات في عالمنا المعاصر والمتأثرة بالعولمة تستدعي التفكير في الحاجة إلى قيم أخلاقية عالمية كونية، مؤكدا أن التعاون من أجل السلام أصبح مطلبا عالميا.

النتائج والتوصيات

وتولّى د. عبدالوهاب الفيلالي- أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد بن عبدالله بفاس- تقديم التقرير التركيبي العام لأعمال الملتقى العالمي للتصوف، مشيرا إلى أنه عرف مشاركة واسعة لأكثر من مائة من العلماء والمفكرين والأساتذة المختصين، من المملكة المغربية ومن عدة دول إسلامية وغربية، وضم اثنا عشرة جلسة علمية أدارها وشارك فيها خبراء في تخصصات مختلفة، مذكّرا بمحاورها وبموضوعاتها، مع تقديم مقترحات تروم المساهمة في إغناء النقاش الفكري حول القضايا ذات الصلة بالنهوض بثقافة المشترك القيمي الانساني وإبراز البعد الروحي للإسلام، مع تقديم عدد من التوصيات التي تبتغي تفعيل هذه الثقافة والتعريف بها، هذا التقرير الذي تمّت قراءته الى جانب اللغة العربية باللغتين الفرنسية والانجليزية، والذي خلص إلى التوصيات التالية: 1- ضرورة إعطاء البعد القيمي والأخلاقي والتربوي المكانة اللائقة به في الفضاء التنموي والمجتمعي والتقعيد له وتطويره وجعله في صلب النموذج التنموي الرائد والطموح الذي أعطى انطلاقته أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وذلك من خلال استثمار الغنى الذي يشمله التصوف في هذا المجال وما يبنيه من قيم فاعلة مع ما يترتب عنها من نتائج ايجابية في تسيير الشأن الإنساني وتدبيرها لوقعها التخليقي الايجابي الناجح والناجع في مختلف مجالات الحياة.

2- ضرورة إدراج القيم الروحية والأخلاقية التي يزخر بها التصوف ضمن البرامج التعليمية والتربوية من أجل تربية الأجيال على القيم النبيلة الداعية إلى التعايش والتسامح والتفاعل الحضاري.

3- ضرورة إنشاء مؤسسات ومراكز بحث ذات ارتباط وثيق بالمضمون القيمي الانساني من أجل بناء فضاء التعايش الحضاري بين الأمم.

4-إنشاء جامعة دولية متخصصة في التصوف والقيم الكونية والتواصل الحضاري.

5-إنشاء مركز لقياس مستوى الكراهية لدى المجتمعات يضم مجموعات وفرق بحث إقليمية تعنى بالتنسيق في بحث ودراسة أسباب النزاعات الإقليمية والدولية من أجل تقليص فجوة الاختلاف القائمة بين الشعوب وسائر المكونات الحضارية وتفعيل المشترك الإنساني.

6- تنظيم قافلة (أو قوافل) للملتقى تجوب كبريات المدن المغربية، وكذا الانفتاح بهذه القافلة خارج أرض الوطن بما فيها عواصم الدول الإفريقية وباقي عواصم دول العالم في باقي القارات، من أجل نشر رسالة التصوف الكونية، وتعريف الناس بهذه الرحمة التي يبحثون عنها من أجل تفعيل هذا المشترك الإنساني.

البعد الأخلاقى

بعد ذلك تناول الكلمة مولاي د. منير القادري- رئيس مؤسسة الملتقى ومدير المركز الأورومتوسطي لدراسة الإسلام اليوم- الذي دعا الى ضرورة التقعيد للبعد الأخلاقي، وإلى بناء الانسان على القيم والأسس الأخلاقية، وإلى الرجوع إلى القيم الروحية والأخلاقية للإسلام، مستشهدا بآيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية، موردا في نفس السياق أقوال بعض المفكرين الغربيين.

كما دعا الى الانخراط الإيجابي في المشروع التنموي الجديد من خلال الاستثمار في الإنسان، وتربيته على القيم الأخلاقية وعلى قيم المواطنة الصادقة، لأنه أهم استثمار، وأن نجاح أي مشروع اقتصادي يعتمد عليه.

وتم تكريم بعض الأطر الصحية والإدارية التابعة لوزارة الصحة بالجهة الشرقية، من طرف إدارة الملتقى على المجهودات الجبارة التي تبذلها بهدف محاربة وباء كوفيد 19 والتخفيف من تداعيته، وتكريم مولاي معاذ القادري بودشيش- رئيس مؤسسة الجمال للسماع والمديح والفن العريق- تقديرا لما قدمه من جهود متميزة في التأصيل والرقي بفن السماع والمديح.

وتخللت هذه الجلسة الختامية وصلات من السماع والمديح الصوفي لمسمّعين من داخل المغرب وخارجه، وعرض شريط حول "قيمة المحبة" وآخر حول مختلف الأنشطة الملتقى لهذه السنة، كما تم الإعلان عن الفائزين بمسابقات الملتقى الأدبية والشعرية الموازية الخاصة بالشباب.

كواليس الملتقى

يشار الى أن هذه الدورة امتدت على مدى خمسة أيام تحت شعار «التصوف والقيم الإنسانية: من المحلية إلى الكونية". وقد بحثت موضوع "الكونية القيمية أبعاد وتجليات"، قدمها د. عبدالرحيم السوني، استاذ باحث بالرابطة المحمدية للعلماء.

سعادة الدارين

وبدوره أكد د. علي جمعة، مفتي الديار المصرية سابقا، عضو هيئة كبار العلماء- أن الاسلام جاء لسعادة الدارين الحياة الدنيا والدار الاخرة، داعيا الى التعاون بين كافة البشر لتحقيق القيم الانسانية، مضيفا أن التصوف هو الصيغة المثلى من أجل التواصل مع أمة الدعوة وكل انسان في هذا العالم.

وتابع: إن التصوف هو الطريق الحتمي والوحيد اللازم للاتصال بأمّة الدعوة والانتقال من المحلية الى الكونية وايصال السعادة للعالمين.

وأشار د. جمعة إلى أن شعار الملتقى "التصوف والقيم الانسانية من المحلية الى الكونية"، يذكِّر بصفة مهمة من صفات التصوف الاسلامي، وهي انفتاحه على الناس جميعا سواء المؤمنين "أُمة الإيجابية" او غير المؤمنين "أمة الدعوة"، مبينا ان كل العالمين يعتبرون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم جاؤوا بعده.

وأكد ان مقولة سيدنا علي بن ابي طالب- رضي الله عنه- لواليه على مصر، مالك النخعي، صارت مثالا يحتذى، موضحا أن الامم المتحدة قد اعتمدته منطلقا للقيم الانسانية وحقوق الانسان في وقتنا المعاصر.

وشدَّد فضيلته على ان القيم الانسانية التي حصرتها الامم المتحدة في 11 قيمة، كانت كلها جزءا من القيم اسلامية.

التعايش الحضارى

وقدَّم د. ربيع العايدي، من الاردن، رئيس قسم الفلسفة في جامعة باشن الأمريكية، مداخلة بعنوان (الخطاب الصوفي نموذج للتعايش الحضاري ).

وانقسمت المداخلة إلى ثلاثة مطالب وخاتمة. جاء المطلب الاول حول الاسلام والحضارة. والثاني عن الحضارة الحالية. اما الثالث: نقد من داخل الحضارة الغربية. ثم الخاتمة والتوصيات.

فقال د. العايدى: ليس هناك حضارة قامت دون الاعتماد على غيرها، لذا اهتمت الحضارة الإسلامية بترجمة كتب الحضارات الأخرى، وكذلك الحضارات الغربية قامت على جهود الحضارة الإسلامية التي سبقتها، حتى أن الشريعة الإسلامية جاءت مصدقة لما سبقها من الأديان. وأن الإسلام يدعو إلى الشراكة في كل شيء، تعاونوا ،لتعارفوا ،كلوا، اشربوا ،انفقوا، وهكذا.

اضاف، لقد اهتمت الحضارة الغربية بالتقنية وهذا الأمر لا يعيبها لكن للاسف على حساب الروح والتزكية، لذا أهملت اهم تساؤلات الانسان حول خلقه والخالق، فكانت أحادية البعد، فبدلا من أن تكون حلا للأزمات صارت أزمة بحد ذاتها، فزادت الأمراض النفسية والانتحار ، وكما عبر الفيلسوف د. طه عبدالرحمن بقوله: بأن حضارة اليوم حضارة القول دون الفعل .

تابع د. العايدى: علت أصوات كثير من المفكرين الغربيين فحذرت من الحضارة القائمة وأثرها على المجتمعات، نعم !! لقد أدركوا خطر التصحر الروحي.

وانتقد د. العايدى انه قد وجد في الدائرة الإسلامية توجهات دينية ترفض الآخر بحجة الغزو الثقافي، ورفضت تزكية الروح بحجة (الشرك ،والبدعة) فصنعوا إسلاما جافا بعيدا عن الروح والعقل معا.

وقال، إن النهوض الحضاري لن يتحقق من خلال العزلة. مؤكدا أننا لا نؤمن بصدام الحضارات وان كنا نؤمن بالمحافظة على الثقافات التي تخص كل شعب، فالصدام هو خيار العقليات المنغلقة، العنصرية.

لذلك طالب د. العايدى بالمحافظة على ديمومة هذا المؤتمر لما فيه من مصلحة إنسانية عظمى، ودعا المؤسسات الرسمية والخاصة لدعم وبقوة لتسخير جميع الطاقات لتأييد هذا الفكر والجهد والذي يعتبر إضافة حقيقية للتشارك الحضاري والأخلاقي.

مكارم الأخلاق

وأكد د. عبدالله مشنون من ايطاليا، في كلمته أن رسالة الاسلام جاءت متممة لمكارم الاخلاق، موضحا ان النبي عد حسن الخلق من كمال الايمان موردا الحديث "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا"، وأن الاسلام جعل حسن الاخلاق أساسا للتعامل بين المسلمين وغيرهم ومنطلقا للحوار والدعوة الى دين الله بالرفق واللين، مستشهدا بقوله تعالى لموسى عليه السلام "اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآياتي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي* اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ".

وأبرز "د. مشنون" أهمية خلق السلم والسلام وقبول المخالف في تحقيق التعايش وادارة التنوع في المجتمعات الانسانية والابتعاد من اسباب التنافر والقطيعة.

وتحدث د. كريم غوش من تركيا، عن "فقدان المعنى وإعادة بنائه"، مبرزا الحاجة الى القيم الروحية لتحقيق توازن الانسان، مؤكدا ان امتلاك زمام العلوم المادية لوحدها لا يكفي للوصول الى الطمأنينة والسعادة التي يتوقف جزء كبير منها في العناية بحاجيات القلب.

نموذج يحتذى

وتطرق المفكر الفيتنامي د. ميشال طاو شان الى غنى المغرب في المجال الروحي، معبّرا عن امتنانه لهذا البلد الذي اكتشف فيه التصوف، موضحا ان المغرب يعد نموذجا لانتقال القيم المحلية الى الكونية، وان قيم التصوف المغربي تتميز بكونها قيما نبيلة ومستدامة، والذي يعيش التجربة الصوفية يمنح كل يوم من معين متجدد من الحب، مطالبا بدمج التصوف في الأنشطة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

وتناول د. جون اوندري كاليغون- نائب رئيس منتدى الفكر الاممي بفرنسا- في مداخلته موضوع "القلب المتعلم"، تحدث من خلالها عن معارف وبيانات القلب المتعلم وخصوصيات هذا التعلم، موضحا انه "تعلم يحتاج الى مسيرة من السلوك والتأني، مسار يدري من خلاله الانسان فضاء ومعارف من العلم القلبي الذي يستمد من علم الله المطلق"، وأن لقاء العارفين بالله يثري عملية التعلم بفضل التربية الروحية التي يخوضونها، وقدم مثالا حيًّا وهو تجربته في الطريقة القادرية البودشيشية.

الوحدة الوطنية

وفي الأخير تدخَّل د. مصطفى بوزغيبة- باحث في الرابطة المحمدية للعلماء- بكلمة عن اسهامات الصوفية في تحقيق الوحدة الوطنية، منطلقا من تعريف الوحدة الوطنية التي هي مجموع القيم المشتركة والمنظومات الثقافية والحضارية التي تجمع أفراد المجتمع والجماعة والتي على السلطة والمجتمع حمايتها والدفاع عنها وتنميتها لتحقيق الرقي الحضاري، كما أكد على أن الثوابت المشتركة للمغاربة تتمثل في العقيدة الأشعرية وإمارة المومنين والتصوف الجنيدي.

وذكر المتحدث الدور الكبير الذي لعبه الصوفية في تحقيق الأمن المجتمعي كفض النزاعات وتحقيق التكافل الاجتماعي، مشيرا إلى دورهم الفعال في مقاومة الغزو الأجنبي، ومن الصوفية الذين كان لهم دور كبير، تحدث عن الشيخ ماء العينين بالصحراء المغربية، والشيخ المختار بودشيش بالشرق، كما لم يفت المحاضر اسهام الصوفية في الحفاظ على طابع إمارة المومنين من كل فتنة او انقلاب، مما جعل المغرب ينعم بنعمة الأمن والاستقرار.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة