رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نظرة

أمراض السوشيال ميديا

بوابة الجمهورية

لم تعد الأمراض تأتينا من الميكروبات وحدها؛ فقد ظهرت أوبئة جديدة لا تحتاج إلى عدوى ولا مختبرات، ويكفي لالتقاطها هاتف ذكي وقدر من الفراغ. إنها أمراض السوشيال ميديا، أسرع انتشارًا من الأنفلونزا، وأعصى على العلاج من الصداع المزمن، ولا تترك أعراضًا ظاهرة سوى عينين محمرتين عند الفجر.

 

اولها و اشهرها "الخبير الشامل" التي يتحول بين يوم وليلة إلى محلل سياسي يعرف ما خلف الأبواب المغلقة، او خبير اقتصادي يملك حلول أزمات العالم، أو خبير سياحي ينقذ السياحة  بعد ان  يتنتاول فنجان قهوة. وأخطر أعراضها أن صاحبها يتحدث في كل شيء بكل ثقة فيستوي عنده  حل الازمات وسلق البيض.

 

كما لدينا «الطب الفيسبوكي»، حيث يكفي أن يكتب أحدهم عن أعراض يشكو منها حتى تنهال عليه الوصفات؛ هذا يقترح عشبة جدته، وذاك ينصحه بإيقاف دواء كتبه طبيب قضى سنوات في الدراسة، بينما صاحب النصيحة حصل على شهادته من تعليق قرأه منتصف الليل. ويا ويل من يسأل عن المصدر؛ فالثقة أهم من الشهادة، والصوت العالي بديل ممتاز عن الدليل.

 

ومن الأمراض الشائعة «داء اللقطة التذكارية»؛ فصورة مع مسؤول أو مشهور تكفي لإثبات أنك شخصية مهمة، ولو كان اللقاء مصادفة في مصعد أو طابور. تُنشر الصورة مع عبارة غامضة عن «لقاء مثمر» و«مناقشة ملفات مهمة»، أما حقيقة اللقاء فسر من أسرار الأمن القومي.

 

أما «إدمان الإعجابات» فقد جعل عدد المتابعين أهم من عدد الكتب المقروءة، وعدد المشاهدات دليلًا على صحة الكلام؛ فما دام الناس قد شاهدوه فلا بد أنهم اقتنعوا به. وهكذا صار الانتشار شهادة علمية، واللايك وسامًا على صدر صاحبه، ويفتح المريض هاتفه كل خمس دقائق ليطمئن على المنشور، كأنه أب ينتظر أمام غرفة العمليات.

 

وتفتك «حمّى المقارنة» بالآخرين؛ فهذا يسافر، وذاك يشتري سيارة، ورابع يصور وجبته كأنها اكتشاف غذائي سيغير التاريخ. أما الديون والقلق والخلافات فلا تظهر في الصورة، والمطلوب أن تقارن حياتك الحقيقية بأجمل لقطة في حياة غيرك، ثم تحزن على نفسك. وتنتقل «عدوى الشائعات» بزر واحد اسمه «شير»؛ فتنشر خبرًا بلا مصدر لأن الرسالة قالت «انشرها قبل أن تُحذف»، دون أن تسأل: ولماذا ستُحذف أصلًا؟ ويكمل المشهد «المعلّق المقاتل» الذي يقرأ العنوان فقط، ثم يكتب ثلاث فقرات يرد فيها على أشياء لم تُذكر في المنشور، ويخرج من معركته مع الغرباء منتصرًا في نظر نفسه

 

والعلاج، يا سادة، لا يحتاج إلى إغلاق الفيسبوك أو مصادرة الهواتف، وإنما إلى إعادة كل شيء إلى حجمه الطبيعي. ليس عيبًا أن تقول «لا أعرف»، ولا نقصًا أن تترك الطب للأطباء والسياسة لأهل المعرفة، ولا دليلًا على الفشل أن تعيش بعيدًا عن الأضواء. العيب أن تتقمص شخصية لا تشبهك، ثم تقضي عمرك في إقناع الناس بها.

 

فليس عيبًا أن تترك الطب للأطباء والسياسة لأهل المعرفة، ولا دليلًا على الفشل أن تعيش بعيدًا عن الأضواء. العيب أن تتقمص شخصية لا تشبهك ثم تقضي عمرك في إقناع الناس بها.

 

لقد منحت مواقع التواصل البعض شهرة بلا إنجاز، ومكانة بلا رصيد، وثقة بلا معرفة، لكنها لا تتحمل المسؤولية وحدها؛ فهي تعرض بضاعتها ونحن نتسابق على شرائها. والمأساة الحقيقية أن بعض المصابين اقتنعوا بأوهامهم، ومنحوا أنفسهم لقب الخبير، ثم عادوا إلى المرآة ليلتقطوا صورة جديدة مع أعظم شخصية عرفها التاريخ: أنفسهم!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة