هل الحديث عن الأمن القومي المصري وعلاقته بالأمن القومي العربي مجرد خطاب للاستهلاك المحلي أو محاولة لشغل الناس عن أزماتهم المعيشية ومشكلاتهم اليومية؟ أم أن تجاهل ما يجري حولنا قد يجعلنا ندفع ثمنًا أكبر في المستقبل؟
الحقيقة أن الأمن القومي لا يتعارض مع الاهتمام بقضايا المعيشة بل يرتبط بها ارتباطًا عضويا ، فالمواطن الذي يبحث عن حياة كريمة يحتاج إلى دولة قادرة على حماية أرضها ومواردها واستقلال قرارها، ولذلك فإن الحديث عن الأمن القومي ليس ترفًا سياسيًا وإنما ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة التي تمر بها مصر والمنطقة.
لكن هذه الضرورة تتجاوز حدود الاستعداد العسكري وتأمين الحدود لتصل إلى معركة لا تقل أهمية وهي معركة الوعي، فنحن نعيش فترة تختلط فيها الحقائق بالشائعات وتنتشر فيها الأخبار المصنوعة وحملات التضليل التي تنطلق أحيانًا من جزء صحيح من الحقيقة ثم تحشوه برسائل سلبية واستنتاجات مضللة لتدفع الناس إلى فقدان الثقة في الدولة ومؤسساتها أو التشكيك في كل ما يجري حولهم .
وهنا تكمن الخطورة لأن استهداف العقل الجمعي لا يحتاج دائمًا إلى مواجهة مباشرة بل قد يبدأ بإرباك المجتمع وإشغاله بصراعات تستنزف طاقته وتنتهي به إلى فقدان القدرة على التمييز بين النقد الذي يستهدف الإصلاح والخطاب الذي يضعف الدولة الوطنية ذاتها ، ولكي نفهم أهمية هذه المعركة علينا أن ننظر إلى موقع مصر في خريطة المصالح والصراعات الإقليمية والدولية .
فمصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة وإنما تمثل أحد مراكز الثقل الرئيسية في المنطقة بحكم موقعها بين البحرين الأحمر والمتوسط، وسيطرتها على قناة السويس وامتداد مصالحها الاستراتيجية إلى محيط عربي وأفريقي بالغ الأهمية.
وهنا يبرز السؤال: لماذا يصف البعض مصر بأنها «الجائزة الكبرى» في الصراع على المنطقة؟
لأن من يمتلك القدرة على التأثير في مراكز الثقل الإقليمية وممرات التجارة والطاقة يكتسب أوراق ضغط واسعة في النظام الدولي، ومصر بحكم موقعها وإمكاناتها تمثل عنصرًا مؤثرًا في هذه المعادلة.
ولذلك لا يمكن فصل ما تتعرض له من ضغوط سياسية واقتصادية، أو ما يجري حولها من تحولات وصراعات عن التنافس على النفوذ ومستقبل المنطقة.
كما لا يمكن تجاهل أن التفوق العسكري والأمني الإسرائيلي يمثل ركيزة أساسية في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية وأن إضعاف القوى القادرة على تغيير موازين القوة يمنح إسرائيل مساحة أوسع للحركة
ومن هنا تكتسب التحولات التي شهدتها الدول العربية أهمية تتجاوز حدود كل أزمة على حدة ففي ليبيا أدى سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، بعد تدخل حلف شمال الأطلسي إلى مرحلة طويلة من الانقسام والصراع على السلطة، ولم تنجح البلاد حتى الآن في استعادة استقرارها السياسي والمؤسسي.
وفي السودان أدت الحرب إلى تدمير واسع وتهديد وحدة الدولة ومؤسساتها بينما أسهمت التدخلات الخارجية وتضارب المصالح في تعقيد فرص التسوية وإطالة أمد الصراع.
ولا يمكن تفسير ما يجري في البلدين بالصراع الداخلي وحده أو غض الطرف عن دور الدعم الخارجي لأطراف الصراع، فاستمرار الحروب على حدود مصر المباشرة لا يهدد استقرار الدولتين فقط بل يفرض تحديات أمنية واستراتيجية على مصر، ويزيد احتمالات اتساع دوائر الاضطراب في محيطها الحيوي، وإلى جانب ذلك تتزايد المنافسة على البحر الأحمر وممراته ومواقعه العسكرية بما يجعل المنطقة ساحة تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية والوطنية .
والنتيجة أن إضعاف الدولة الوطنية لا يتوقف أثره عند حدودها فعندما تنهار المؤسسات وتتراجع قدرة الدولة على حماية أراضيها ومواردها تتسع فرص التدخل الخارجي وتصبح قراراتها أكثر عرضة للضغوط، وعندما يتكرر ذلك في أكثر من دولة عربية يتغير ميزان القوة في المنطقة كلها وتواجه الدول المتماسكة تحديات أكبر لحماية مصالحها!
هنا ندرك جانبًا مهمًا من استراتيجية مصر لبناء قوتها الشاملة لماذا مقاتلات الرافال والغواصات والفرقاطات وحاملات المروحيات؟ ولماذا الاستثمار في الطرق والمحاور وشبكات النقل والموانئ والبنية الأساسية؟
الإجابة لا تكمن في السلاح وحده وإنما في بناء منظومة متكاملة من عناصر القوة.. فالدولة تحتاج إلى قوات مسلحة قادرة على حماية الحدود والمياه الإقليمية والمصالح البحرية، كما تحتاج إلى اقتصاد يدعم الإنتاج والتجارة، وبنية أساسية تخدم التنمية ومؤسسات قوية ومجتمع متماسك وواع .
ولا يعني ذلك أن كل قرار أو مشروع بعيدا عن التقييم أو أن متطلبات الأمن يجب أن تنفصل عن حسابات التكلفة والأولويات الاقتصادية، بل إن بناء القوة الشاملة يتطلب الموازنة بين الدفاع والتنمية حتى لا يتحول الأمن إلى عبء على المجتمع ولا تتحول الضغوط المعيشية إلى مبرر لإهمال حماية الوطن
فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا ضعف الاقتصاد أو انقسم المجتمع كما لا يكفي الاقتصاد وحده لحماية مصالح الدولة إذا افتقرت إلى القدرة على ردع التهديدات والدفاع عن استقلال قرارها!
لكن كل هذه المقومات تحتاج إلى عنصر يحميها من التآكل.. وهو الوعي الوطني فمهما امتلكت الدولة من أسلحة، ومهما أنجزت من مشروعات فإن قدرتها على مواجهة التحديات ترتبط أيضًا بمجتمع يستطيع فهم ما يجري حوله والتحقق من الأخبار والتمييز بين الخلاف المشروع ومحاولات دفعه إلى مسارات تضعف الدولة ومؤسساتها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه مصر ليس فقط الضغوط الخارجية أو الصراعات المحيطة بها، وإنما أن يفقد المجتمع القدرة على إدراك العلاقة بين هذه التحديات ومصالحه الوطنية، أو أن ينشغل بصراعات تستنزف طاقته وتدفعه بعيدًا عن بوصلة الدولة الوطنية.
ولذلك فإن اليقظة لا تعني الخوف من كل شيء، ولا تبرير كل شيء وإنما تعني قراءة الأحداث وكل ما يجري بوعي ومواجهة التضليل بالحقيقة والمطالبة بالإصلاح دون التفريط في مقومات الدولة والحفاظ على حق المواطن في النقد والمساءلة دون السماح باستغلال الأخطاء والمشكلات لفتح الطريق أمام إضعاف المؤسسات أو تفكيك وحدة المجتمع.
أما «الجائزة الكبرى» فه ليست مجرد موقع جغرافي تتنافس القوى على تقسيم النفوذ فيه وإنما القدرة على التأثير في مستقبل منطقة كاملة، ومصر بما تمتلكه من موقع وإمكانات وثقل تاريخي تقع في قلب هذه المعادلة.
وحين تتعدد محاولات الضغط على الدولة تصبح اليقظة ضرورة، وحين تتكاثر حملات التضليل يصبح الوعي خط الدفاع الأول، وحين تضطرب المنطقة من حولنا تصبح حماية الدولة الوطنية ومؤسساتها مسؤولية لا تحتمل الغفلة أو سوء التقدير.
تلك هي الرسالة المطلوب قراءتها واستيعابها: أن نختلف ونتناقش ونطالب بالإصلاح لكن دون أن نفقد بوصلة الوطن أو ننشغل بخلافاتنا عن إدراك ما يجري حولنا.
فالأوطان لا تحميها الأسلحة وحدها وإنما تحميها دولة قادرة ومؤسسات تعمل بكفاءة ومجتمع واعٍ يدرك أن أمنه ومستقبله يرتبطان بقدرته على حماية دولته الوطنية وحدودها واستقلال قرارها .