رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ضحك مصر من قلبه.. حكاية إفيهات سعيد صالح التي تحولت إلى «تريند» قبل عصر السوشيال ميديا

الفنان سعيد صالح
الفنان سعيد صالح

لم يكن سعيد صالح مجرد فنان يعرف كيف يضحك الجمهور، بل كان حالة كوميدية يصعب تكرارها؛ فبمجرد أن يظهر على المسرح، يصبح كل شيء قابلًا للمفاجأة، وقد تتحول جملة عادية إلى إفيه يظل حاضرًا في ذاكرة المشاهدين لعشرات السنين. لم يحتج إلى تكلف أو مبالغة حتى يلفت الانتباه، فقد امتلك طريقة خاصة في إلقاء الكلمات، جعلت ضحكته وتعبيراته وردود أفعاله جزءًا من الحكاية، وليس مجرد تفاصيل مصاحبة لها.

واليوم، وبعد سنوات من رحيله، لا تزال مشاهده تتداولها الأجيال الجديدة، وتعود إفيهاته إلى الواجهة كلما واجه الناس موقفًا يشبه ما قدمه على خشبة المسرح. وهنا تظهر الحكاية الأهم: كيف استطاع فنان من جيل مختلف أن يظل حاضرًا في زمن أصبحت فيه المقاطع القصيرة وسيلة أساسية لصناعة الشهرة؟

«مدرسة المشاغبين».. الفصل الذي خرجت منه إفيهات لا تنسى

مع شخصية مرسي الزناتي في مسرحية «مدرسة المشاغبين»، قدم سعيد صالح نموذجًا للطالب الذي لا يتعامل مع المواقف بالطريقة المتوقعة، بل يحول كل سؤال إلى فرصة للمراوغة، وكل موقف جاد إلى مساحة جديدة للضحك.

لم تكن قوة الشخصية في الجمل الشهيرة وحدها، وإنما في الطريقة التي كان يتعامل بها مع زملائه ومدرسيه؛ فهناك دائمًا مفاجأة في رد الفعل، وتلقائية تجعل المشاهد يشعر بأنه يتابع موقفًا يحدث أمامه في اللحظة نفسها.

وبمرور الوقت، خرجت عبارات المسرحية من سياقها الأصلي، وأصبح الجمهور يستخدم بعضها للتعليق على مواقف الحياة اليومية، وكأن مرسي الزناتي لم يغادر الفصل الدراسي، وإنما انتقل إلى الشارع والبيت ومكان العمل.

السر لم يكن في الإفيه.. بل في سعيد صالح نفسه

قد يردد ممثل آخر الكلمات ذاتها، لكن النتيجة لا تكون بالضرورة واحدة. فالكوميديا التي ارتبطت بسعيد صالح اعتمدت على شخصية لها إيقاعها الخاص، وعلى قدرة في الانتقال السريع بين الجدية واللامبالاة والمفاجأة.

وكانت عفويته من أبرز ملامح أدائه؛ إذ اشتهر بقدرته على الارتجال والتفاعل مع زملائه، وهي عناصر منحت عددًا من مشاهده حيوية خاصة. فالمشاهد لم يكن ينتظر معرفة ما سيقوله فقط، بل كان ينتظر كيف سيقوله، وما الذي قد يضيفه إلى الموقف.

وهذا الفارق هو ما جعل بعض مشاهده قابلة للمشاهدة مرات عديدة دون أن تفقد تأثيرها، لأن الضحكة لم تكن مرتبطة بالكلمات وحدها، وإنما بالطريقة التي تحولت بها إلى أداء حي.

من «العيال كبرت» إلى ذاكرة الجمهور

وفي مسرحية «العيال كبرت»، ظهر سعيد صالح في شخصية سلطان السكري، ضمن عمل كوميدي تناول مشكلات الأسرة والعلاقة بين الآباء والأبناء، من خلال حكاية تجمع بين التمرد والرغبة في الاستقلال والمواقف العائلية الساخرة.

ومن خلال الشخصية، قدم سعيد صالح كوميديا مختلفة في تفاصيلها، لكنها احتفظت بروحه المعروفة، وقدرته على تحويل الحوار العادي إلى لحظة لافتة.

ولم تتوقف جاذبية هذه المشاهد عند زمن عرض المسرحية؛ فقد وجدت فيها أجيال لاحقة مادة قريبة من مواقفها اليومية، وهو ما ساعد على استمرار تداولها عبر التلفزيون والمنصات الرقمية.

كيف سبق سعيد صالح زمن «التريند»؟

لو نظرنا إلى طريقة تداول إفيهات سعيد صالح اليوم، سنجد أن كثيرًا منها يؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها المقاطع الكوميدية المنتشرة على مواقع التواصل: جملة قصيرة، وموقف واضح، ورد فعل يمكن استخدامه للتعبير عن حالة معينة.

لكن الفارق أن هذه الجمل لم تُصنع في الأصل لتناسب مقطعًا قصيرًا على الإنترنت؛ بل خرجت من سياق مسرحي متكامل، ثم اختار الجمهور ما يعبّر عنه منها، وأعاد استخدامه في مواقف جديدة.

وهذا ما يمنح تجربته خصوصية لافتة؛ فالجمهور لم يحتفظ بالمشاهد لأنها قديمة أو لأنها تنتمي إلى زمن فني مختلف، بل لأن بعض تفاصيلها ما زالت قادرة على التعبير عن مواقف يعرفها الناس جيدًا.

ضحكة لا تعرف الأجيال

من الصعب اختصار مشوار سعيد صالح في مجموعة من الإفيهات، فالفنان قدم أعمالًا وشخصيات متعددة، لكن الكوميديا ظلت واحدة من أبرز العلامات التي ارتبطت باسمه.

واللافت أن حضوره لم يعد مقتصرًا على الجمهور الذي شاهد أعماله وقت عرضها؛ فقد تعرفت أجيال جديدة عليه من خلال المقاطع المتداولة وإعادة عرض المسرحيات، لتصبح بعض مشاهده نقطة لقاء بين جمهور عاش زمنها وجمهور اكتشفها بعد سنوات.

وهكذا، لم يعد سعيد صالح مجرد ذكرى من زمن المسرح الكلاسيكي، بل أصبح مثالًا لفنان استطاع أن يترك في ذاكرة الجمهور جملًا تستعيد معها المشاهد ضحكته وأسلوبه وشخصيته.

في النهاية، لم يكن سر سعيد صالح أنه قال إفيهات أضحكت الناس، بل أنه منحها روحًا جعلتها تعيش بعد انتهاء العرض. فهناك ضحكة تنتهي مع إسدال الستار، وهناك ضحكة تخرج من المسرح لتصبح جزءًا من كلام الناس.. وسعيد صالح كان من أصحاب النوع الثاني.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة