رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

خواطر قصصية(9)

بوابة الجمهورية

غامت عينيها بشجن، قبل أن تنهمر دموعها وتنبئ عن حالها، لم تكن مشكلتها زحام الحافلة ، ووقوفها تبدّل قدمًا بأخرى اتقاءً للألم، ولا من توقف الحافلة أكثر من ربع ساعة فوق كوبري قصر النيل. كان ثمة وجع آخر يتسلل إلى قلبها، وجع لا تعرف كيف تشرحه، ولا كيف تتخلص منه.


كانت ليلة العيد.
ومن خلف الزجاج، لمحت سفينة تتلألأ  في قلب النيل، وتتمايل حولها أضواء ملونة كأن المياه ترقص احتفالًا.
شرد خيالها بعيدًا؛ تُرى، هل تجلس على متنها فتاة في مثل عمرها، تتناول عشاءً ساخنًا مع أسرتها، وتضحك دون أن تحسب حسابًا للغد؟ تذكرت أنها لم تتناول شيئًا منذ الصباح، فقد ابتلع ضغط العمل ساعات يومها، ولم يترك لها سوى جسد منهك وقلب مثقل بما لا يُقال.


ابتلعت أحزانها في صمت، وأسندت رأسها إلى زجاج النافذة. وحين دبّت الحياة في الحافلة عقب فتح الطريق، بقي شيء منها عالقًا هناك، عند صفحة النيل، يراقب حياة بدت لها بعيدة، كأنها تخص الآخرين وحدهم.
في مساء يوم العيد، جاء شقيقها يوقظها، معلنًا أنه أعدّ لها فسحة صغيرة. ارتدت ملابسها بفتور، كأنها تؤدي واجبًا لا تنتظر منه شيئًا، وظلت البهجة غائبة عنها حتى وجدت نفسها على متن مركب صغير يشق مياه النيل.


ومع اقتراب المغيب، دار المركب حول نافورة قصر النيل الشهيرة. فجأة، انطلقت الأضواء، وتراقصت المياه في مشهد بديع، وتطاير رذاذها على جبينها.
تسمّرت عيناها.
إنها الأضواء ذاتها، والمياه ذاتها، والمشهد الذي سرق قلبها بالأمس، حين ظنّت أن سفينة بعيدة تحتضن حياة لا نصيب لها منها. لم تكن تعرف أن المسافة بين الحسرتين والفرح قد لا تتجاوز يومًا، ولا أن المشهد الذي أوجعها سيصبح، بعد ساعات، جزءًا من حكايتها.


رفعت رأسها إلى السماء، وترقرقت دموعها من جديد، لكن شيئًا فيها كان قد تبدّل. لم تعد تتذكر ألم قدميها، ولا جوعها، ولا ساعات العمل الطويلة. كان ثمة حنان خفي يربّت على قلبها، ويعيد إلى روحها شيئًا كادت تنساه.
ربما لم يتغير العالم من حولها، ولم تصبح الحياة أقل مشقة، لكن نافذة صغيرة انفتحت في جدار روحها؛ نافذة جعلتها ترى أن ما نحسبه بعيدًا عنا قد يكون أقرب مما نظن، وأن بعض الأقدار لا تأتي لتبدّل الطريق، بل لتضيء عتمته.


ابتسمت من بين دموعها، فيما ظل النيل يمضي هادئًا، كأنه يعرف سرًا صغيرًا لم تكن تعرفه بالأمس.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة