الإخوان في مواجهة المراجعة الأوروبية.. ماذا بعد قرار البرلمان؟
أكد عمرو عبد الحافظ، الباحث المتخصص في شئون الحركة الإسلامية، أن علاقة أوروبا بجماعة الإخوان تتسم بالتناقض؛ فبينما وفرت بعض الدول الأوروبية مساحات واسعة للحركة أمام التنظيم وقياداته، وأتاحت لهم تأسيس الجمعيات والمراكز وممارسة الأنشطة السياسية والإعلامية، تتصاعد داخل القارة دعوات إلى تبني موقف موحد ضد الجماعة، ومراقبة مصادر تمويلها، والحد من نفوذها، وصولا إلى المطالبة بتصنيفها إرهابية.
وأوضح أن هذه المفارقة تطرح تساؤلا حول ما إذا كانت أوروبا قد اكتشفت متأخرة حقيقة المشروع الإخواني، أم أنها كانت تدرك طبيعته، لكنها تعاملت معه باعتباره ورقة يمكن توظيفها لتحقيق مصالحها، قبل أن يتحول إلى مصدر للقلق والتهديد.
وأشار عبد الحافظ إلى أن علاقة أوروبا بجماعة الإخوان تعود إلى تأسيسها في الإسماعيلية عام 1928، لافتا إلى ما أورده حسن البنا في مذكراته بشأن تلقي مبلغ 500 جنيه من شركة قناة السويس، التي كان يديرها آنذاك بريطانيون وفرنسيون، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة المبكرة بين التنظيم والمصالح الأوروبية.
وأضاف أن حسن البنا كان في خصومة مع مفهوم الدولة الوطنية، وتبنى فكرة الخلافة والدولة الأممية في مقابل الدولة الوطنية، موضحا أن أوروبا، وفق قراءته لطبيعة العلاقة التاريخية، سعت إلى مد جسور التعاون مع التنظيم الوليد، في إطار سياسة «فرق تسد»، بما جعله لاحقا أداة لإضعاف الجماعة الوطنية.
ولفت إلى أن أدبيات الإخوان تنظر إلى أوروبا باعتبارها عدوا محتلا، وتطرح أفكارا بشأن السيطرة على العالم وغزو أوروبا، وهو ما كان يفترض أن يؤدي إلى عداوة واضحة بين الطرفين، لكن الواقع كشف عن مفارقة أخرى؛ إذ وجدت الجماعة في أوروبا ملاذا بعد تضييق الخناق عليها في خمسينيات القرن الماضي، وتمكنت من تأسيس منظمات وشركات وتوسيع نشاطها.
وأوضح أن توسع الشبكات الإسلامية المرتبطة بالإخوان داخل الدول الأوروبية ارتبط بعوامل متعددة، من بينها الهجرة، وحرية تأسيس الجمعيات، وتوافر الموارد، ووجود مؤسسات دينية واجتماعية سعت الحكومات الأوروبية إلى التواصل معها لتمثيل قطاعات من الجاليات المسلمة، في إطار سياسة احتواء تقوم على التعامل مع جماعات تمتلك مؤسسات وقيادات معروفة.
الوجود الإخواني في أوروبا
وأكد أن الوجود الإخواني في أوروبا برز بصورة أكبر بعد 30 يونيو 2013، مع لجوء عدد من قيادات الجماعة إلى دول أوروبية وممارسة أنشطة معادية للدولة المصرية من الخارج، مستشهدا بانعقاد مؤتمر إخواني في مدينة لاهاي الهولندية تناول إسقاط مؤسسات الدولة المصرية.
وشدد عبد الحافظ على أن الخلاف الأيديولوجي المعلن بين أوروبا والإخوان لم يمنع كلا الطرفين من محاولة استخدام الآخر لتحقيق أجندته الخاصة؛ فبعض الأطراف الأوروبية تعاملت مع التنظيم باعتباره طابورا خامسا أو تنظيما وظيفيا يمكن استخدامه ورقة ضغط ضد الدول العربية والإسلامية، بينما سعت الجماعة إلى الاستفادة من دعم القوى الكبرى في مواجهتها للدولة الوطنية التي تناصبها العداء، وتعتبرها العدو الأقرب الذي ينبغي مواجهته قبل التوجه إلى العدو الأوروبي البعيد.
وأشار إلى أن أهداف الجماعة، وفقا لقراءته لأدبياتها، تمر بمراحل تبدأ بالسيطرة على مقاليد السلطة في عدد من الدول الوطنية، ثم دمج هذه الدول في دولة أممية واحدة، وصولا إلى السعي للسيطرة على العالم. ورأى أن أوروبا أدركت أن الجماعة لن تتجه إلى مواجهتها قبل استكمال المراحل السابقة، ولذلك سعت إلى التقارب معها ومداعبة طموحاتها في السيطرة على الدولة الوطنية.
وأضاف أن الجماعة، بعد مرور نحو قرن على تأسيسها، لا تزال تتعثر في تحقيق هذه الأهداف، بفضل قوة الدولة الوطنية ووعي الشعوب، لكن استمرار وجودها في أوروبا لعقود وعبر أجيال متعاقبة شجعها على محاولة التأثير في المجتمعات الأوروبية والتغلغل في مؤسساتها، على غرار ما تسعى إليه في الدول العربية والإسلامية.
وأكد أن هذا التمدد دفع الراعي الأوروبي إلى استشعار الخطر والسعي، بين الحين والآخر، إلى ضبط إيقاع التنظيم الحليف، بما يضمن توجيه طموحاته نحو العالم العربي والإسلامي بعيدا عن أوروبا ومجتمعاتها.
وحذر من أن سياسة الاحتواء قد تتحول إلى مصدر للمخاطر، عندما تستغل التنظيمات المساحات المتاحة لها في بناء نفوذ طويل الأمد، وتوسيع شبكاتها، وإعادة إنتاج أفكارها عبر أجيال متعاقبة، بما قد يجعلها تحديا يصعب ضبطه، خصوصا عندما تتعارض بعض أفكارها وممارساتها مع قواعد المواطنة والاندماج والنظام الدستوري للدولة المضيفة.
مواجهة النفوذ الإخواني
وفيما يتعلق بقرار البرلمان الأوروبي الصادر في 8 أكتوبر 2026، أوضح عبد الحافظ أن الدعوة إلى تبني استراتيجية أوروبية موحدة لمواجهة النفوذ الإخواني تمثل مؤشرا على اتساع التأييد السياسي داخل البرلمان لإعادة النظر في آليات التعامل مع الشبكات المرتبطة بالجماعة، مشيرا إلى أن القرار حظي بتأييد 381 نائبا، مقابل 167 صوتا معارضا، وامتناع 15 نائبا عن التصويت.
وأضاف أن القرار لم يقتصر على الإدانة السياسية، بل دعا إلى تطوير آلية أوروبية لتحديد أنماط التغلغل، وتعزيز الرقابة على التمويل العام، ومراجعة علاقات المؤسسات الأوروبية بالجهات المشتبه في ارتباطها بالشبكة الإخوانية، والتدقيق في الأموال الأوروبية التي تحصل عليها هذه المؤسسات، وتعزيز الشفافية بشأن المستفيد النهائي من التمويل، إلى جانب مراجعة وصول بعض المؤسسات إلى الهيئات الأوروبية.
وأشار إلى أن القرار دعا كذلك إلى تقييم مدى انطباق المعايير القانونية اللازمة لإدراج كيانات وأفراد مرتبطين بالإخوان على القائمة الأوروبية للإرهاب، مؤكدا ضرورة التمييز بين المطالبة بإجراء هذا التقييم واتخاذ قرار فعلي بالتصنيف؛ فالبرلمان الأوروبي لا يملك حظر الجماعة بصورة تلقائية، وإنما يدفع باتجاه تحرك أوروبي أكثر تنسيقا، تظل خطواته التنفيذية خاضعة للإجراءات القانونية المعمول بها.
واختتم عبد الحافظ تصريحاته بالتأكيد على أن الأهم من تفاصيل القرار هو ما يكشفه عن تحول في النظرة الأوروبية إلى الجماعة؛ فبعد سنوات من التعامل مع بعض شبكاتها باعتبارها قنوات للتواصل مع قطاعات من المسلمين، أصبح السؤال المطروح هو ما إذا كانت سياسة الاحتواء قد أتاحت لها بناء نفوذ يتجاوز النشاط الديني والاجتماعي إلى التأثير السياسي المنظم.
وأوضح أن القرار يمثل لحظة لمراجعة الحسابات، لا تعني بالضرورة اتفاق جميع الحكومات الأوروبية على إنهاء وجود الإخوان، لكنها تؤكد أن مساحة التساهل السابقة تواجه اختبارا جديدا، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت أوروبا ستنتقل من سياسة الاحتواء إلى المواجهة القانونية المنظمة، أم ستكتفي بإعادة ضبط حركة التنظيم ومنعه من تجاوز حدود معينة، وأن الإجابة ستتوقف على الإجراءات التي ستتخذها المؤسسات الأوروبية لاحقا، لا على الدعوات الواردة في القرار وحدها.

