من مقعد الطالب إلى منصة المحاضر
المعرفة المتبادلة.. طريق آخر للعلاقات المصرية- الصينية (2)
إذا كان الانتقال من مقعد الطالب إلى منصة المحاضر يحمل بالنسبة لي دلالة شخصية، فإن الأهم هو ما كشفته هذه التجربة عن الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والثقافية في المرحلة المقبلة من العلاقات المصرية- الصينية.
فالعلاقات بين القاهرة وبكين دخلت بالفعل عامها الحادي والسبعين بعد أن احتفل البلدان في 30 مايو 2026 بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية. وكانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، قبل أن تتطور العلاقة لاحقًا إلى شراكة استراتيجية شاملة.
وجاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في الأول والثاني من سبتمبر الماضي لتمنح هذه المناسبة زخمًا سياسيًا جديدًا، بالتزامن مع سلسلة من الفعاليات التي تستعيد تاريخ العلاقات وتبحث آفاقها المستقبلية. كما أعلن البلدان عام 2026 «عام التبادل الإنساني والثقافي بين الصين وإفريقيا»، بما يعكس الأهمية المتزايدة للأبعاد الإنسانية والثقافية في العلاقات الدولية.
من بكين إلى الجامعات
خلال وجودي في بكين، لم يكن الاهتمام بالتعاون الأكاديمي منفصلًا عن المشهد العام للعلاقات المصرية- الصينية.
فما شاهدته في جامعة شمال الصين للتكنولوجيا يؤكد أن الجامعات الصينية أصبحت تنظر إلى التعاون الدولي باعتباره جزءًا من عملية تطوير التعليم نفسها، وليس مجرد نشاط خارجي. وتتحرك الجامعة في هذا الاتجاه عبر شراكات وبرامج مشتركة مع جامعات ومؤسسات في دول مختلفة، من بريطانيا إلى دول آسيوية وإفريقية وغيرها.
وفي سبتمبر، عرضت الجامعة تجربتها في التعاون التعليمي ضمن معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات، مشيرة إلى شراكاتها في إعداد الكفاءات الهندسية وبرامج التعليم الدولي. وفي إحدى التجارب الحديثة، وقعت الجامعة اتفاقًا لإنشاء مدرسة هندسية مشتركة مع جامعة أنديجان التقنية في أوزبكستان، تضم برامج بكالوريوس مزدوجة في الهندسة.
هذه النماذج تطرح سؤالًا مهمًا بالنسبة إلى مصر: كيف يمكن أن نستفيد بصورة أكبر من العلاقات الجامعية مع الصين، بحيث لا تقتصر على تبادل الزيارات، وإنما تمتد إلى برامج مشتركة، وأبحاث تطبيقية، وتبادل طلاب وأساتذة، ومشروعات ترتبط باحتياجات التنمية؟.
هذا هو المستوى الذي ينبغي أن ينتقل إليه التعاون الأكاديمي المصري- الصيني خلال المرحلة المقبلة؛ أي من مجرد تبادل الزيارات والبرامج إلى بناء معرفة متبادلة أكثر عمقًا، لأن الجامعة لا تنقل العلم فقط، وإنما تسهم أيضًا في تشكيل فهم الشعوب لبعضها البعض.
ومن هذا المنظور، بدت لي إحدى محطات زيارتي ذات دلالة خاصة، وهي مشاركتي في إحدى فعاليات جامعة بكين للدراسات الأجنبية، التي ناقشت قضايا التنمية العالمية والتواصل الدولي.
فقد أعادت هذه الفعالية التأكيد على أن صورة أي دولة في العالم بمكن أن تتشكل من من خلال الطريقة التي تُعرض بها تجاربها التنموية والثقافية والإنسانية، وكيف يمكن أن يتفاعل معها الآخرون.
وقد ركزت الفعالية، التي عقدت في 16 سبتمبر الماضي، على مبادرة التنمية العالمية وسبل تطوير السرديات المرتبطة بالتنمية والتواصل الدولي، بمشاركة رئيس الجامعة وعدد من الطلاب الدوليين، وهو ما يعكس أهمية الجامعات باعتبارها مساحة للحوار بين الثقافات، وليس فقط مؤسسات للتعليم الأكاديمي.
ومن هنا تتكامل أدوار الجامعة والإعلام والثقافة؛ فالجامعة تنتج المعرفة وتتيح الحوار، والإعلام ينقل هذه المعرفة إلى الرأي العام، بينما تمنح الثقافة هذا التواصل بعده الإنساني. وعندما تتفاعل هذه المسارات معًا، يصبح التعارف بين الشعوب أكثر عمقًا، وتصبح العلاقات الدولية أكثر اتصالًا بالإنسان نفسه.
وهنا تبرز أهمية الإعلام والجامعة معًا، فالجامعة تنتج المعرفة، والإعلام ينقلها إلى المجتمع، والثقافة تمنحها بعدًا إنسانيًا. وعندما تعمل هذه المسارات معًا، تصبح العلاقات الدولية أكثر قدرة على الوصول إلى الإنسان العادي، وليس فقط إلى النخب السياسية والاقتصادية.
وهذا ما تحتاج إليه العلاقات المصرية- الصينية في عامها الحادي والسبعين: ليس فقط المزيد من الاتفاقيات، وإنما المزيد من المعرفة المتبادلة.
وخلال هذه الزيارة إلى بكين، وجدت نفسي أعود أكثر من مرة إلى ما قدمته مصر من إصدارات توثق مسيرة العلاقات المصرية- الصينية، ليس باعتبارها مجرد مراجع تاريخية، وإنما باعتبارها أدوات لتعريف الأجيال الجديدة بهذه العلاقة ومسارات تطورها.
ومن بين هذه الإصدارات كتاب (العلاقات المصرية- الصينية في 70 عامًا) الذي أصدرته الهيئة العامة للاستعلامات، متضمنًا توثيقًا لمسيرة العلاقات منذ عام 1956، وما شهدته من تطور في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والتكنولوجية.
كما كان لإصدار التقرير الاستراتيجي حول العلاقات المصرية- الصينية في عامي 2024 و2025، الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في سياق الاحتفال بمرور سبعين عامًا على العلاقات الدبلوماسية، وما قدمه من مادة توثيقية وتحليلية حول العلاقات المصرية- الصينية خلال العقود السبعة الماضية حضور مهم في هذا السياق.
وقد حرصت خلال زيارتي على إهداء نسخ من هذه الإصدارات إلى عدد من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الصينية. وما أسعدني أن هذه الجامعات لم تتعامل معها باعتبارها مجرد إهداءات عابرة، وإنما احتفظت بها في مكتباتها، وأبدى مسؤولوها وأساتذتها تقديرهم لما تضمنته من معلومات موثقة ومواد تاريخية تساعد القارئ الصيني على التعرف إلى مسيرة العلاقات المصرية- الصينية من مصادرها المصرية.
وربما كانت هذه اللحظة بالنسبة لي تلخيصًا لما حاولت التأكيد عليه طوال هذه الزيارة: أن بناء العلاقات لا يكون فقط بالاتفاقيات، وإنما أيضًا بما نتركه من معرفة لدى الطرف الآخر، فالكتاب الذي يصل إلى مكتبة جامعة صينية يقرأه طلاب أو باحثون بعد سنوات، وقد يفتح أمامهم بابًا جديدًا لفهم مصر وتاريخها وعلاقتها بالصين.
وبعد سبعين عامًا من العلاقات المصرية- الصينية، لم يعد السؤال فقط كيف بدأت هذه العلاقة وكيف تطورت، فهذه مسيرة أصبحت موثقة في العديد من الكتب والدراسات والوثائق. وإنما يصبح السؤال الأهم: كيف ننقل هذه المعرفة إلى الأجيال الجديدة، ونبني عليها في العقد الثامن؟.
وهنا تتأكد أهمية الجامعات والإعلام والثقافة باعتبارها دوائر متكاملة في هذه المسيرة؛ فالجامعة تنتج المعرفة وتحتضن الحوار، والإعلام يقدمها للرأي العام، والثقافة تمنحها بعدها الإنساني، بينما يظل التواصل المباشر بين الشباب هو المجال الأوسع لبناء فهم متبادل يتجاوز الصور النمطية.
نحن في حاجة إلى مزيد من الدراسات المشتركة حول البلدين، وفرص أوسع لتعلم اللغة، وتبادل الطلاب والأساتذة، وإعلام يعرف الصين كما هي ويقدم مصر للصينيين بصورة حقيقية ومتوازنة، وحوار مستمر بين الشباب لا يرتبط فقط بالمناسبات السياسية.
لعل أجمل ما خرجت به من هذه الزيارة أنني ذهبت إلى الصين طالبًا للمعرفة حين بدأتها من مقاعد الطلاب بجامعة بكين عام 1998، ثم عدت إليها هذه المرة محاضرًا وأستاذًا زائرًا؛ وبين البدايتين أدركت أكثر أن المعرفة التي نتبادلها اليوم هي التي يمكن أن تصنع علاقات أقوى غدًا.
*خبير بالشئون الصينية
أستاذ زائر بالصين