رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من مقعد الطالب إلى منصة المحاضر..

قراءة من بكين في مستقبل العلاقات المصرية- الصينية (1)

بوابة الجمهورية


عندما وقفت في قاعة إحدى أهم الجامعات الصينية خلال زيارتي سبتمبر الماضي إلى بكين، عادت بي الذاكرة قرابة ثلاثة عقود إلى الوراء، إلى عام 1998، عندما كنت أجلس في مقاعد الطلاب الدارسين بجامعة بكين، أحاول أن أتعلم وأفهم واكتشف الصين من الداخل. يومها لم يخطر ببالي أن تعود بي الأيام إلى إحدى الجامعات الصينية، ولكن هذه المرة في موقع المحاضر، أتحدث إلى طلاب وباحثين عن الإعلام والعلاقات بين الدول.


كان بين المشهدين فارق زمني كبير، لكن الرابط بينهما كان واضحًا بالنسبة لي: أن التعليم يمكن أن يفتح للإنسان أبوابًا لا يعرف إلى أين تقوده. فقد كانت دراستي في جامعة بكين واحدة من المحطات التي فتحت أمامي طريقًا امتد لاحقًا إلى العمل مستشارًا إعلاميًا في سفارة مصر ببكين، ثم إلى زيارات متتالية للصين للمشاركة في مؤتمرات وندوات وفعاليات أكاديمية وثقافية وإعلامية، أتاحت لي على مدى سنوات متابعة تطور العلاقات المصرية- الصينية من مواقع وتجارب مختلفة.


ولذلك، عندما ألقيت محاضرتي الأولى في جامعة شمال الصين للتكنولوجيا ببكين، بعد اختياري أستاذًا زائرًا بها، لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد انتقال من مقعد الطالب إلى منصة المحاضر، وإنما كان تذكيرًا عمليًا بقيمة المعرفة في بناء العلاقات بين الشعوب.


وكان موضوع المحاضرة (الإعلام وأهميته في العلاقات بين الدول.. مصر والصين نموذجًا)، وهو موضوع أراه امتدادًا طبيعيًا لرحلة طويلة مع الصين والإعلام والعلاقات الدولية.


فالحديث عن العلاقات بين الدول لا ينبغي أن يتوقف عند غرف المفاوضات أو الاتفاقيات والزيارات الرسمية وحجم التبادل التجاري، هناك مستوى آخر أكثر هدوءًا، لكنه شديد التأثير، تصنعه الجامعة والإعلام والثقافة؛ حيث تتشكل صورة كل شعب لدى الآخر، ويتحول التعارف إلى فهم، والفهم إلى ثقة، والثقة إلى علاقات أكثر رسوخًا.


كانت جامعة شمال الصين للتكنولوجيا "NCUT"، اختيارًا لافتًا لهذه المحاضرة. فالجامعة التي تأسست عام 1946 تحت اسم المدرسة الوطنية العليا للتدريب الصناعي في بكين، تحتفل هذا العام بمرور 80 عامًا على تأسيسها، وقد تحولت عبر تاريخها إلى جامعة هندسية متعددة التخصصات. واليوم، تطورت لتصبح جامعة تجمع بين الهندسة وتخصصات العلوم والآداب والاقتصاد والإدارة والقانون والفنون. وانطلاقًا من إرثها المتمثل في "خدمة الوطن وازدهاره وتعزيزه"، التزمت الجامعة بتحديث الصناعة، وبرزت كقوة دافعة لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية، وتنمية الكفاءات المتميزة، وإجراء البحوث والتطوير التكنولوجي المتقدم. ومع دخولها العصر الجديد، تتطلع الجامعة إلى أن تصبح جامعة هندسية متميزة وعالية المستوى وقد تخرج منها قرابة 130 ألف من الكفاءات التطبيقية.


ولم يكن لافتًا بالنسبة لي تاريخ الجامعة فقط، وإنما أيضًا ما تمثله اليوم من انفتاح على التعاون الدولي. ومن أمثلة ذلك كلية برونيل لندن التابعة للجامعة، التي تمثل نموذجًا للتعاون الصيني- البريطاني في التعليم العالي، إلى جانب برامج تعاون جديدة في الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب حصلت الجامعة على الموافقة عليها هذا العام.


والأهم أن هذا التعاون لا يظل في إطار الاتفاقيات والوثائق. ففي يوليو الماضي شارك 21 طالبًا من برامج مرتبطة بكلية برونيل لندن في برنامج دراسي صيفي بجامعة برونيل، تضمن دراسة علوم البيانات والهندسة المدنية والهندسة الميكانيكية والتصنيع والأتمتة، إلى جانب مشروع تطبيقي في التحكم بالروبوتات والذكاء الاصطناعي.


وهنا تتضح قيمة الجامعة باعتبارها أكثر من مؤسسة تعليمية؛ فهي مساحة تلتقي فيها الخبرة العلمية مع التجربة الإنسانية، ويتعلم فيها الشباب ليس فقط تخصصاتهم، وإنما أيضًا كيفية العمل والتواصل مع الآخر.


في محاضرتي أمام نحو مائة من أساتذة الجامعة وطلابها، حاولت أن أنقل النقاش من مفهوم الإعلام باعتباره مجرد وسيلة لنقل الأخبار إلى مفهوم أوسع يتعلق بدوره في تشكيل المعرفة المتبادلة بين الشعوب.


فالإعلام يستطيع أن يقدم دولة إلى دولة أخرى، لكنه يستطيع أيضًا أن يختزلها في صورة واحدة إذا اعتمد على رواية أحادية الجانب، ومن هنا تأتي أهمية الإعلام المسؤول الذي يقدم صورة متعددة الأبعاد، ويتيح للمتلقي أن يفهم المجتمع الآخر في سياقه التاريخي والثقافي والإنساني، وليس من خلال حدث عابر أو موقف سياسي واحد.


وهذا الأمر أكثر أهمية في العلاقات المصرية- الصينية، لأن البلدين ينتميان إلى حضارتين عريقتين، وبينهما تاريخ طويل من التفاعل، لكن استمرار العلاقة لا يعني بالضرورة أن كل طرف يعرف الآخر بالقدر الكافي.
ومن هنا تحدثت عن الحاجة إلى توسيع التعاون في الإعلام والتعليم وتبادل الطلاب واللغات والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، لأن هذه المجالات هي التي تصنع المعرفة المتبادلة بصورة أكثر عمقًا واستمرارًا.
وقد أظهر النقاش مع الطلاب أن الأسئلة التي تشغل الشباب في البلدين متقاربة في جوانب كثيرة؛ من صورة الصين لدى الشباب المصري، إلى صورة مصر في الإعلام الصيني، مرورًا بالهوية الثقافية في عصر العولمة وتأثير الإعلام الجديد في تشكيل الرأي العام.


وكانت هذه الأسئلة في حد ذاتها رسالة مهمة: أن العلاقات بين الدول لا تكتمل إذا ظلت حكرًا على الحكومات والمؤسسات الرسمية، وإنما تحتاج إلى أن تصل إلى الجامعات والشباب والمجتمع.


بعد المحاضرة، كان من بين المحطات التي بقيت في ذاكرتي زيارة متحف تاريخ الجامعة، حيث يمكن للزائر أن يرى كيف ارتبط تاريخ المؤسسة بمراحل تطور الصناعة والتعليم في الصين.


وقد جاءت الزيارة في توقيت خاص؛ فالمتحف الجديد افتتح ضمن استعدادات الجامعة للاحتفال بمرور 80 عامًا على تأسيسها، يقدم تاريخ الجامعة ومسيرتها التعليمية والعلمية والتكنولوجية والتعاون الدولي.
وفي هذا المكان تحديدًا شعرت مرة أخرى بأن الزمن لا يسير دائمًا في خط مستقيم.


ففي عام 1998 كنت طالبًا أبحث عن المعرفة داخل إحدى الجامعات الصينية، وبعد سنوات أصبحت أعمل في مجال الإعلام والعلاقات المصرية- الصينية، ثم عدت إلى الصين لأشارك في محاضرات وندوات وفعاليات مختلفة، وصولًا إلى هذه اللحظة التي أحمل فيها صفة أستاذ زائر بجامعة شمال الصين للتكنولوجيا.


وقد تسلمت شهادة التعيين خلال لقائي بقيادات الجامعة في متحفها التاريخي، قبل إلقاء المحاضرة. ووفقًا للموقع الرسمي للجامعة، جاء هذا التعيين في إطار سعيها إلى توسيع صلاتها العملية بالجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات المصرية وتعزيز التبادل الشبابي بين البلدين.


ولذلك لم أتعامل مع التعيين باعتباره لقبًا شخصيًا، بقدر ما رأيته فرصة يمكن أن يكون لها معنى أوسع: أن تنتقل الخبرة المتراكمة في العلاقات المصرية- الصينية من مستوى الممارسة الإعلامية إلى مساحة أكاديمية تسمح بالنقاش والبحث والتواصل مع الأجيال الجديدة.


ففي النهاية، ليست المسألة أن ينتقل الإنسان من مقعد إلى منصة، وإنما أن يحمل معه ما تعلمه في الطريق، وأن يحاول أن يترك معرفة يمكن أن يستفيد منها آخرون.


وهنا تبدأ الأسئلة الأهم: ماذا يمكن أن تقدم الجامعة والإعلام والثقافة للعلاقات المصرية- الصينية في عقدها الثامن؟، وهل يمكن أن تتحول المعرفة المتبادلة إلى عنصر أكثر حضورًا في الشراكة بين القاهرة وبكين؟.
كانت تلك الأسئلة هي التي رافقتني في بقية محطات زيارتي إلى بكين.


وهذا ما أنقله في الجزء الثاني من المقال .
*خبير بالشئون الصينية
أستاذ زائر بالصين

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة