حكايات النفس
القنوات الخاصة وفوضى شراء "الوقت"
شهد المشهد الاعلامي العربي و المصري خلال العقود الأخيرة تحولات جذرية.. أبرزها هو التوسع المحموم في تأسيس القنوات الخاصة واعتماد نموذج "تأجير المساحات الزمنية" أو ما يُعرف بـ "بيع الهواء".
هذا النموذج، الذي تحولت فيه الشاشات إلى مجرد أرفف عرض لمن يدفع أكثر ، ألقى بظلاله الثقيلة على الرسالة الإعلامية، محولاً الشاشات في كثير من الأحيان من منصات للتنوير والتثقيف إلى ساحات للمحتوى التجاري العشوائي والفقر المهني.
تجارة الهواء وسقوط المعايير حين يباع وقت البث لمن يسدد الفاتورة بغض النظر عن كفاءته أو محتواه، تسقط المعايير الرقابية والأخلاقية تدريجياً.. و لم يعد التنافس مبنياً على جودة الفكرة، أو عمق التحليل، أو حرفية الصنعة الصحفية، بل على قدرة المقدم على جلب الإعلانات وتغطية تكاليف التأجير الباهظة. هذا الوضع أفرز ظواهر سلبية واضحة .. منها تسطيح الوعي وغلبة محتوى الإثارة الرخيصة والبرامج السطحية التي تستخف بعقول المتابعين سعياً خلف نسب المشاهدة العابرة .. وايضا غياب المهنية و تراجع دور الصحفي والإعلامي الحقيقي لصالح هواة ووافدين جدد لا تربطهم بآداب المهنة وميثاقها الشرفي أي صلة.
كما تحول المشاهد من متلق يحترمه القائمون على الإرسال إلى مجرد "سلعة" تباع للمعلنين أصحاب المصالح الضيقة.
ان الرهان على غياب وعي المواطن و المشاهد المصري كان دائماً رهانا خاسرا .. فالشارع المصري يمتلك عبر تاريخه الطويل القدرة على تمييز الغث من الثمين .. فالشاشة التي تستهين بعقل المشاهد أو تقدم له ابتذالاً مغلفا بدعوى التنوير تفقد مصداقيتها سريعاً.
وفي المقابل، يمنح الجمهور تقديره ودعمه لكل محاولة صادقة تسعى لتقديم إعلام وطني حقيقي ونظيف .. إن حالة الرفض المجتمعي المتكررة لكل ما هو هابط تؤكد أن المشاهد لم يعد مجرد متلق سلبي، بل أصبح رقيبا واعيا يقيم الأداء بحيادية تامة.
إن القنوات الخاصة مطالبة اليوم .. و أكثر من أي وقت مضى، بأن تجعل جودة المحتوى هي بوصلتها الوحيدة .. فان إنقاذ المشهد الإعلامي لن يتحقق إلا بالعودة إلى الأصول المهنية الرصينة، والتخلي عن منطق "الربح السريع" على حساب القيمة والمضمون .
ان الإعلام الحقيقي رسالة تنموية و ثقافية قبل أن يكون استثمارا تجاريا ، وحين تتوازن المعادلة لصالح الضمير المهني، يربح الجميع .. خاصة في ظل الانتشار والتأثير الكبير لمنصات البث الرقمي و وسائل التواصل الاجتماعي في بنية صناعة الإعلام التقليدية، حيث أعادت صياغة قواعد اللعبة لتجبر القنوات الفضائية على إعادة النظر في استراتيجياتها للوقوف أمام منافسة شرسة عابرة للحدود والشاشات.
رغم التهديد الوجودي الذي تفرضه المنصات الرقمية ، إلا أن القنوات الفضائية التقليدية لا تزال تحتفظ بمزايا نسبية يمكنها استغلالها ، أبرزها المصداقية الإخبارية، والقدرة على تغطية الأحداث الحية .. ولكن تبقى ضرورة ضبط المحتوى الاعلامي في القنوات خاصة فيما يخص بيع "الوقت" الذي اثر سلبا ومهنيا على المحتوى الاعلامي الحقيقي .