رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح

ليست الأزمات الاقتصادية وحدها هى التى تهدد المجتمعات، ولا التحديات السياسية أو الأمنية فقط، وإنما هناك خطر أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا، يتمثل فى تراجع منظومة الأخلاق والقيم. فحين يضعف الصدق، وتقل الأمانة، ويتراجع احترام الكبير، ويغيب الإحساس بالمسئولية، يصبح المجتمع أكثر عرضة للاهتزاز، مهما امتلك من إمكانات مادية أو إنجازات حضارية.

ولعل السؤال الذى يتردد على ألسنة الكثيرين اليوم هو: لماذا أصبحنا نشعر بأن الأخلاق لم تعد كما كانت؟ ولماذا صارت بعض السلوكيات السلبية مألوفة بعد أن كانت محل استنكار ورفض؟

الحقيقة أن الأخلاق لا تتراجع فجأة، وإنما تضعف تدريجيًا عندما تختل منظومة التربية، ويتراجع دور القدوة، ويطغى الاهتمام بالمصلحة الشخصية على حساب المصلحة العامة. فالإنسان لا يولد فاقدًا للأخلاق، وإنما يكتسبها من أسرته، ومدرسته، وبيئته، وكلما كانت هذه المؤسسات قوية، خرَّجت أجيالًا أكثر وعيًا والتزامًا.

لقد فرضت الحياة المعاصرة ضغوطًا هائلة على الإنسان، وأصبح كثيرون يلهثون خلف متطلبات المعيشة، حتى ضاق الوقت بالحوار الأسري، وغابت الجلسات التى كانت تغرس القيم فى نفوس الأبناء. كما جاءت وسائل التواصل الاجتماعى لتفتح آفاقًا واسعة للمعرفة، لكنها فى الوقت نفسه سمحت بانتشار نماذج سلبية تقدم الشهرة السريعة، والإثارة، والجدل، باعتبارها طريقًا للنجاح، بينما تراجعت قيمة الاجتهاد والالتزام والخلق الحسن فى نظر البعض.

ومن المؤسف أن البعض أصبح يقيس النجاح بحجم الثروة أو عدد المتابعين، لا بحسن السيرة وطيب المعاملة. وهذا خلل خطير فى ميزان القيم، لأن الأمم لا تبنى بالمظاهر، وإنما تبنى بالضمائر الحية، وبالإخلاص فى العمل، واحترام القانون، وصون حقوق الآخرين.

ولا يمكن أن نعفى أنفسنا من المسئولية بإلقاء اللوم على الظروف وحدها. فكل واحد منا مسئول عن جزء من المشهد. الموظف الذى يؤدى عمله بإخلاص يرسخ قيمة الأمانة، والمعلم الذى يغرس الفضيلة فى طلابه يسهم فى صناعة المستقبل، والأب والأم اللذان يقدمان القدوة الحسنة يضعان حجر الأساس لمجتمع سليم، والإعلامى الذى يلتزم بالكلمة الصادقة يحمى وعى الناس من التضليل.

لقد أكدت التجارب أن المجتمعات التى حافظت على أخلاقها استطاعت أن تتجاوز أصعب الأزمات، لأن الأخلاق تصنع الثقة، والثقة تصنع التنمية والاستقرار. أما حين تنتشر الأنانية، والكذب، والغش، واللامبالاة، فإن الخسارة لا تصيب فردًا بعينه، بل تمتد إلى المجتمع كله.

وفى مصر، يمتلك مجتمعنا رصيدًا حضاريًا ودينيًا وأخلاقيًا كبيرًا، وما زالت قيم الشهامة والكرم والتكافل حاضرة فى مواقف كثيرة، خاصة وقت الشدائد. وهذا يؤكد أن الخير لا يزال متأصلًا فى نفوس المصريين، لكنه يحتاج إلى من يوقظه ويعززه، لا من يستخف به أو يسخر منه.

إن استعادة الأخلاق ليست شعارًا يرفع، بل هى مشروع وطنى يبدأ من البيت، ويمر بالمدرسة، ودور العبادة، والإعلام، وينتهى عند كل مواطن يدرك أن احترامه للآخرين هو احترام لنفسه ولوطنه. فالأمم التى تريد مستقبلًا قويًا لا تكتفى ببناء الطرق والكبارى والمصانع، وإنما تبنى قبل ذلك الإنسان القادر على حماية هذه الإنجازات بقيمه وأخلاقه.

لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فالأخلاق ليست ترفًا اجتماعيًا، وإنما هى أساس العمران، وسر قوة الأوطان، والضمانة الحقيقية لاستمرار نهضتها. وإذا أردنا أن نستعيد أجمل ما فى مجتمعنا، فلنبدأ من أنفسنا، لأن الإصلاح الحقيقى يبدأ من الضمير، ومن كلمة صادقة، وسلوك مستقيم، وقدوة حسنة، وبذلك تستعيد الأخلاق مكانتها، ويستعيد المجتمع قوته وتماسكه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة