في كل مرة يتحدث فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وجود مفاوضات مع طهران لإنهاء الحرب، أو عن تقدم في المحادثات للتوصل لحل للأزمة، يُعلن بعدها مباشرة عن عمل عسكري وشيك، وكأن هناك "ارتباطاً شرطياً" بين الخطاب الدبلوماسي والفعل الميداني. ومع دخول الصراع شهره الثالث، يبدو أن هذه الرسائل تهدف في المقام الأول إلى تهدئة أسواق الطاقة العالمية، بينما تستغلها واشنطن كغطاء لاستكمال حشد قوات "المارينز" تمهيداً لعمليات انتشار عسكري محتملة على الأراضي الإيرانية.
إن التناقض هو السمة الأساسية في تصريحات ترامب، مما يفرض ضرورة قراءة الكلمات كجزء من استراتيجية الخداع، والاعتماد على الأفعال كخيار أمثل للتحليل.
يضغط عنصر الوقت على كافة أطراف النزاع، لكنه يثقل كاهل الطرف المهاجم بدرجة أكبر؛ فكل ساعة تمر دون حسم الصراع، عسكرياً أو دبلوماسياً، تعني تضاؤل الخيارات وزيادة الخسائر، مما يدفع كل طرف للتمسك بمواقفه أملاً في "نصر" ينقذ ما يمكن إنقاذه. وحتى المفاوضات التي يلوح بها الجميع، تُستخدم حالياً لتحسين الموقف على أرض المعركة وليس للتوصل إلى حلول جذرية.
من جانبه، يبدو أن النظام الإيراني قد استوعب الصدمة الأولى التي طاولت قيادات سياسية وعسكرية عليا، وهو يدرك محدودية الضربات الجوية التي لن تحقق أكثر مما حققته بالفعل. بل إن استمرار القصف قد يتحول إلى استنزاف حاد في الذخائر الدقيقة لدى القوات الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما بدأت تؤكده بعض التقارير الإخبارية واللوجستية.
لم يكن مستغرباً رفض طهران لمبادرة ترامب المكونة من 15 نقطة، في ظل إدراكها لضيق خيارات الرئيس الأمريكي الباحث عن "نصر سريع". وتتمثل هذه الخيارات في سيناريوهات عالية المخاطر؛ مثل الإنزال العسكري لتأمين مضيق هرمز، أو السيطرة على جزيرة "خارك" والجزر الاستراتيجية للتحكم في الملاحة، أو محاولة السيطرة على مخزونات اليورانيوم المخصب.
وفي كل هذه الخيارات، تصبح القوات الأمريكية أهدافاً مكشوفة للمسيرات والصواريخ الإيرانية. كما أن رهانات تغيير النظام من الداخل تراجعت مع انتشار قوات "الحشد الشعبي" في العديد من المدن الإيرانية استعداداً لمواجهة أي إنزال بري. يضاف إلى ذلك، استغلال طهران للخلاف الواضح بين ترامب وحلف "الناتو" الذي يرفض التورط في الحرب، مما يهدد بتحويل هذا التباين إلى انقسام حاد داخل المعسكر الغربي.
على الجانب الآخر، بدأت حقيقة سياسية قاسية تتضح للجمهوريين: الحرب لن تنتهي بالسرعة المأمولة، والتكاليف آخذة في الارتفاع. ففي ولايات حاسمة مثل نيفادا وبنسلفانيا وميشيغان، يدفع المواطن الأمريكي ثمن الصراع عند محطات الوقود وفي سلاسل توريد الغذاء، مما قد يؤدي إلى نفور ناخبي حركة "MAGA" الذين استند دعمهم لترامب جزئياً إلى معارضتهم لـ "الحروب الأبدية".
ورغم استطلاعات الرأي التي تظهر صمود شعبية ترامب، إلا أن الانقسام بين الأجيال حول الثقة بالرئيس وموقفهم من الحرب آخذ في الاتساع، لا سيما مع احتمال ارتفاع عدد الضحايا الأمريكيين في حال القتال البري.
خلاصة: ان الانتصار لا يعني الأمن، وتشير التقارير العسكرية إلى تحييد جزء كبير من القدرات الصاروخية والباليستية الإيرانية التقليدية، لكن المعضلة تكمن في "بقايا القوة" والقدرة على الإزعاج الاستراتيجي عبر الجغرافيا الوعرة والوكلاء الإقليميين.
إن الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد تضمن "الانتصار" على القوات الإيرانية، لكنها من المستحيل أن تضمن "الأمن" المستدام. ويبقى عنصر الوقت هو الحاكم؛ فالأول يمكن حسمه بواسطة الآلة العسكرية، لكن الأمن لا يمكن انتزاعه إلا عبر طاولة التفاوض التي تحولت الآن إلى ساحة لـ "لعبة شد الحبل".